ثقافة الوباء، ثقافة كورونا

عبيدو باشا

الآن: يبدو العالم كالإناء الناضح بالمقامرة. أفلام الخيال العلمي على الأرض في مختلف بقاع الأرض. الأرض الطيبة أرض ملعونة اليوم. هجرات وهجرات مضادة. يقود العقل بلا نصح، يقود العقل بالغريزة إلى هجرة الفرنسي إلى المغرب العربي، بعد أن خاف الفرنسي على مدى العقود الماضية أن تهشم نظرات المهاجرين العاصمة باريس والضواحي ومدن الإنتشار المغاربي. لاشيء سوى الأخضر بالعين، الأخضر لون الكورونا. هذا المسمار الإلهي في نعش العالم صوره العالم كرة بكثير من الرؤوس المدببة. كرة خضراء ورؤوس خضراء. فقد العالم منذ أشهر الرغبة بأن يتعلم الضحك بأنواع جديدة من الضحك. ملايين الإصابات لا على دفعات، ملايين الإصابات بدفعة واحدة. العالم في مرحلة ردة كاملة. العالم على عتبات نظام عالم جديد، يقوم على الرحمة لا على القسوة، بعد أن إنكشف العالم على جريمة الإهتمام

نعمة بدوي نقيب الممثلين في لبنان: تخوف من الأوضاع أدى لتأجيل تصوير المسلسلات التلفزيونية

بالعسكرة والدولرة دون تذكر الصحة. هذه من أخطاء المصارعين على العالم، على خرائط العالم. عبر الوباء كل البلاد، قضى على كل مايعتبره المبشرون، الغلاة وغير الغلاة، نصيب العالم من صندوق الأمداح. الثقافة واحدة من مواد الصندوق. سقطت كل التسعيرات المناسبة وغير المناسبة لبطاقات المسرح والسينما وتسعيرات اللوحات والإصدارات الجديدة والقديمة بالمكتبات الجديدة والقديمة. سقط كل شيء بالضربة القاضية للوباء، هذا السلاح المتفجر في جيوب الأيام. سقط ما صنعته الأيدي، الأيدي المحضة في لبنان وغير لبنان. صالات فارغة من الرواد، مكتبات لن تفتح أبوابها حتى لهم نغواي إذا ما وجد حياً من جديد، غاليريات ذابت أيدي أصحابها من كثرة إستعمال منتجات التعقيم. إلا أن الفنان والمثقف لم يتفرج على ما بحدث بدون أن يقنص الكثير والكثير من المبادرات، لكي لايعتبر الجمهور سكوته فراراً من مواجهة الوباء، مواجهة تستلزم إستعمال كافة الحواس، بعد أن تأكد من أن مساعدة الغرقى وأشباه الغرقى أفضل بكثير من الجلوس على جنبات الأوضاع. اللافت أن لا ثرثرة في الصورة. ثرثرة تدفع إلى اللعثمة بالأحوال العادية. حين أدرك الفنانون والمثقفون أن ترك مبنى البلاد لمياومة الوباء سوف يقتل المودة بين المُنتِج والمُنتَج لم يضلوا الطريق. أضحوا عمال إنقاذ وإطفائيين ورجال إسعاف بطرقهم الخاصة أمام الثقوب العملاقة بجدران البلاد. ولأن لبنان خبير بإدارة الآلام بعد حروب أهلية وحروب إقليمية وأزمات إقتصادية وتكوينية، ولأن لبنان يقف أمام كتائب إعدامه بغياب واحدة من أبرز خصائصه : المبادرة الفردية. لأن الأمور هذه تتعقب لبنان، منذ ولادة لبنان، لم ينتظر الفنانون الذرائع أمام أسلاك الأوقات الشائكة لترتفع الأسلاك أكثر وأكثر أمام المواطنين المحجورين في منازلهم، بادروا إلى إستعمال لغات لا تخذل. لغات لا تجتر حضورها. كنس أثار الوباء الأولى قذفت بالفنانين إلى الطرقات وإلى مواقع التواصل الإجتماعي، ليبادلوا السعال والحرارة وكل علامات المرض المحتملة بقنابل اليقين. لم يقع طارق بشاشة في أمراض التأمل حين وجد أن ثمة وجوهاً صالحة في المنزل المغلقة على بشرها. حمل جرحهم إلى شوارع صيدا القديمة. هو إبن المدينة. هكذا، وجده أولاد المدينة القناع الطبي على ذقنه وبكفين مشدودين على آلة الكلارينات يقدم نمره القادرة وغير المهزومة في هواء المدينة. قذف بكل فائض من آلة نفخه بهواء المدينة، حتى يخرج الناس من منازلهم منازل أضحت أقفاص يخاف أهلوها السعال والعطس وأوجاع الرأس والصدر، علامات الفيروس القاتل. لم يحول الرجل الشوارع إلى سيرك، لم يحول الشوارع إلى شوارع سيركية تقدم شرائط من الأفعال تسكنها الأشباح الملونة. تدوير حضور الفن بصالح المحجورين واحدة من حلول الفنانين من عاضدوا المجروحين بالمنازل بالتسكع بذكاء الأفكار وشجاعتها. لأن عازفاً يعرض حياته هو عازف شجاع. عازف لا يضيق الهواء قدر ما يوسع الهواء، حين راح يحاول إحكام قبضته على أجزاء من الأوضاع بدل أن تحكم الأوضاع الأوضاع على ناس البلاد وبشر البلاد.

لم يكتف الفنانون والمثقفون بإحصاء أعداد المصابين والقتلى جراء الوباء، حين خرجوا بدقة واثقة وبلا ضجيج الأيام الخالية إلى تعبئة الأيام بالأنشطة العملية والإفتراضية خلال فترة التعبئة العامة بالبلاد، حين واكبوا وقائع لها منعكساتها على مختلف الصعد والمجالات. هاجم الوباء الأماكن العامة، إذاك إنفتح الفنانون على مواجهة الوباء

الكاتبة والمسرحية سوسن شوربا قدوح

بخطابات لم تهتم لا بمعطيات الحداثة ولا بمعطيات تحقق تواصلاً بما أنجزه الرواد، لمَّا تقرر لديهم أن يغذوا الناس بالمادة المفقودة بالصالات في منازلهم، حيث بدت الأنشطة كالحلوى الثقافية في ابتعادها عن مفاهيم الإنتاج القديمة والرؤى القديمة والنتائج القديمة. التنوير، الخطب التنويرية بالحضور في المنازل بدون تعرض الناس لخطر الوباء وبدون تعويض أنفسهم لخطر الوباء. هذا مجتمع لامعاصر على صعيد الثقافة إلا أنه يعتصم الوباء. جزء أكبر من الحاجة إلى التعريف الثقافي، جزء أكبر من التعريف الإجتماعي للفنون والثقافة. مقاربة هامة في ما تستبطنه في بعدها الإشاري وما تستبطنه من نتائج مباشرة دالة، من تعاقب صيرورات الفنون، صيرورات الفكر والإبداع على الخصوصيات والفرادات الإبداعية. ظواهر فنية مركبة على طرق الأزمة، لا على طرق ما قبل الأزمة، تحقق المطلوب من تضافر جهود مجموعة من البشر على قدر من الإنسجام والتقارب في مشاريعها وتوجهاتها الفنية والفكرية. أوتضافر جهود مجموعة من البشر على الحاجة لا النقاش. الوباء بالهواء، الوباء على الأرض. إلى المحايثة إذن. لا إلى المنجز ولو أن جملة المسائل والمحاور على الأرض هي منجز بالضرورة. تراكمت الأعمال والإشتقاقات، بحيث مست أجزاء واسعة من الجمهور بعلامات متقدمة. حفل الأوركسترا الفيلهارمونية الشرق عربية، أوركسترا الكونسوفاتوار الوطني صارعت الأوضاع بحفل على بث مباشرة على وسائل التواصل الإجتماعي، حيث قاد المايسترو أندريه الحاج الفرقة من منزله، حين لعب العازفون على الآتهم الوترية والنحاسية والإيقاعية من منازلهم بآداء هارموني عظيم. تعدد وتنوع واختلاف في ديناميكية أخرجت جزءاً واسعاً من الجمهور من  »ملحمة السراب« (عنوان مسرحية لسعد الله ونوس، المؤلف السوري الراحل) إلى تيمات خطاب العرض الإفتراضي على أرض الواقع اللإفتراضي. شيء شبيه بالتعلم عن بعد بالشكل، حين يجتمع الطلاب مع معلمهم حتى يجترحوابث الفكرة، فكرة التعلم على  »اللاين«. تعددت منطلقات الكثير من الأساسيات، أساسيات من شأنها تغذية دروس مواجهة الواقع ما من شأنه أن يقدم ناتجاً ونتاجاً بصرياً وسمعياً يقف في حيز السياق ليتخطاه إلى حيز الدلالات الكبرى. قدم زياد سحاب (الملحن والكاتب والعازف) حفلاً يومياً، حفلاً فنياً، على صفحته على موقع الفايس بوك. قدمت سوسن شوربا (الكاتبة والممثلة والناشطة الإجتماعية. لها : نبضات فكر) برنامجاً يومياً على منصة الفايس بوك. طرح الفنانون والمثقفون تحديات على منصتي فايس بوك وتويتر. تحديات تعزز لقطات التفاؤل وسط أحاديث الخوف والموت والمرض.

لا صعلكة في هذا المجال حين راح الفنانون يتداعون إلى ربط النشاط بالآخر. يقدم فلاناً نشاطه في خطوبة محسوبة تنتهي في زمن محسوب. ينتهي النشاط عند موعد النشاط المنتظر، بحيث لا ينظر الجمهور إلى الوراء في انتظار النشاط المقبل. ينتهي نشاط فلان عند بداية نشاط فلان. طيران واكتمال طيران بالقفز من الفقرة إلى الفقرة الأخرى.

العقل يتجدد لا يتجمد، إذ ضجت مواقع التواصل الإجتماعي بالفقرات، بحيث اشتملت المتغير بدون أن ترهص به. لأن أحداً لم يقدر في تجلياته المتجددة أن ثمة خطراً

المايسترو أندريه الحاج

داهماً على الأبواب. حين وقف اللبنانيون على الأزمة الإقتصادية، أزمة ذات جوهر تدميري، وجدوا أنفسهم أمام تغير الإتجاهات. بحيث لم يعد المركز مركزاً، لم يعد المركز مركز الإهتمام أمام هذه التجربة الوطنية المهددة الهوية والحب والرحمة. لا قيم فكرية ولا قيم جمالية على موقع  »التيك توك«. الرؤى الفكرية والجمالية على موقعي الفايس بوك وتويتر. تم استعمال الثوابت من أجل أنواع من التجريب المستمر : الشات المباشر، الحفلات الموسيقية، فقرات التوعية، فقرات العزف والغناء، فقرات الترفيه. لم تعد البلادة سمة الأيام، مع التقارب والتمازج بين المواطنين والفنانين. أنماط جديدة في نوع من الفوضى الخلابة. هكذا، قدمت الفنانة سيرين عبد النور فقرات طبخ، أرادت من خلالها أن تطرق بيوت الجماعات بالأكلات، بالإنطلاق من القاعدة العاطفية الجامعة بينها وبين جمهورها. ثم أن الممثلة نادين نسيب نجيم واجهت الموقف بتقديم فقرات ترفيهية على تويتر، ما عمق إحساس المواطنين بقواعد العلاقات بينهم وبين من يجبرون وينتظرون على الشاشة الفضية. عروض بصيرة تستبيح قوة الوباء على السيطرة على الحياة. مثلهما قدمت كريستينا حداد ومايك ماسي وألين لحود مقولاتهم على تويتر والإنستغرام، قدموا كل ما هو مضاد للخوف والذعر والوحدة والعزلة. لم يخن الفنانون مقولاتهم القديمة، لعلهم لم يكفروا بعضهم في واحدة من المرات النادرة وهم يركزون على حماية عالم راح يقترف نفسه أو أنه بدا على هذه الصورة. مايلا زرد الفنانة المعروفة في عالم مسرح الأطفال تسلحت بغير أقواسها القديمة، حين دعت المواطنين إلى التجمع على شرفات منازلهم يوم الثالث عشر من نيسان (بوك إندلاع الحرب الأهلية بالعام 1975) للتصفيق من أجل لبنان. مبادرة كمبادرة التصفيق للطواقم الطبية العاملة بالمستشفيات حيث تتم معالجة مرضى الكورونا. مبادرات طيبة لا كمائن، بدون عرقلات، بدون أعاقات. مبادرات من أجل أن لا يتوقف الزمن عند المرض، من أجل أن تعم الحياة في مختلف أجواء البلاد. باتريسيا هاشم اللبنانية وراء حملة  »خليك بالبيت«. حملة طارت من لبنان إلى كافة أرجاء العالم، من لندن إلى واشنطن وباريس والرياض ودبي والمكسيك. وزارة الثقافة في لبنان بحصة وازنة، على الرغم من أنها ليست جيدة التسلح والتدريب في المجال هذا، مع حملتها  »خليك بالبيت وتثقف«. زيارات إفتراضية، على مواقع الوزارة الإقتراضية، إلى المناطق السياحية والمعارض والمكتبات.

ثمة تحديات يلزم فيها الفنان الفنان الآخر والصحفي الصحفي الآخر والمثقف المثقف الآخر والسياسي السياسي الآخر بالتبرع في حملات التبرع عبر فيديوهات تعرض

حفل الأوركسترا الوطنية الشرق عربية على مواقع التواصل الإجتماعي

في النشرات الإخبارية. شارك الكل في حملات التبرع. الإعلامي نيشان دير هارتونيان، راغب علامة، معين شريف، رامي عياش، نجوى كرم، أليسا، عشرات الأسماء الأخرى. لم نعد بأرض تئن بساكنيها، تئن من ساكنيها بعد أن بدت أنها فقدت خضرتها وتحولت إلى خلاء هائل بلا معنى. قفز فوق فداحات الفيروس إلى عالم آخر يسكنه الناس لا الأرواح ولا البطء ولا جر العجلات على الطرقات الفارغة من المشاة والسيارات. ما الذي سيفعله الناس فعلوه في واحدة من مبادرات التضامن العظيمة، حيث قفزوا من الأعمار الثانوية إلى الأعمار الحقيقة وهم يواجهون خطراً لا نزلة برد. الأخبار ليست صفراً، الأخبار كأخبار كأس العالم، حيث إتسعت مساحات اللقاء بين البشر بدون لقاء. كل بقوة مليون ميغابايت. هذه مرحلة سوف تؤسس لنظام جديد، لأنظمة جديدة.

 

 

 

العدد 104 – أيار 2020