طفولة الأمس واليوم

shaza

 شذا بليبل

شتان بين الأمس و اليوم، بين طفولة تأرجحت على أطراف الحياة مالئة أرجاء السماء بصدى ضحكاتها، ومبددة الغيوم بألوان سبعة. طفولة الأمس كانت محطة لقطار الحياة الذي اعتاد الوقوف عند أهدابها، وغسل غبارها بندى الصباح. وعند وجنتيها حيث توارت الشمس مخلّفة حمرة الحياء والخجل، وعند سمعها اصطفت الطيور مرتّلة ترانيم الصباح. في الأفق البعيد لاحت خيوط أمل تتراقص عليها طفولة الأمس، بأحلامها السرمديَة متخطية براءتها السجيّة. من المقاعد الدراسيّة بدأت طفولة الأمس تبني حجر الأساس للحلم العربي، ومنها أيضا تسلّلت ملبيّة نداء اللّعب واللّهو في الأزقّة والحقول, الى أن يحين اللّيل ويباغتها ملك النوم فتثقل رفّة أعينها وتستسلم للثبات، موقنة انّ غدها كسابقه سيأتي مع ابتسامته المعهودة.

أجل، طفولة الأمس كانت رائدة في العلم و الحياة. أمّا اليوم فكيف أمسى حالها؟ أين هي مختبئة؟ لماذا خفت صوتها؟ أهي نائمة، أما زالت تنسج خيوط الأمل في أحلامها؟ أم أن الشوارع والأحياء والمدن سئمت من ضحكها فأسكتتها بصليل بنادقها؟ أيمكننا الابقاء على تسميتها “طفولة”، أم نغيّر هذه المرحلة الى “عمر مرهون بعدد من الأيام؟”،  هذي أذيال الحروب تتسلّل الى عالم الطفولة، مطليّة سماءها بهزيع من اللّيل، مستبدلة دماها بأسلحة لا تقوى أناملها الطريّة على استيعاب حجمها وقوتها الهدارة. فرضت عليها الخدمة العسكرية، والالتحاق بصفوف المقاتلين، وغسل دماغها بالعقائد والمناهج الباطلة.

الطفولة غايتهم ووسيلتهم لنشر الفساد والخراب، لأنهم يستغلون سذاجتها لبناء جيل سائرعلى نهج أجنداتهم ومخططاتهم الهدامة والرامية الى تقسيم البلاد، ونشر الفتنة، والتحريض على الكره والبغضاء والقتل. اغتالوك أيتها الطفولة، فجّروا فيك بلّورة البراءة، فإذا أنت تختالين وتتباهين بالقوة التي بين يديك. لست ألومك، لكنهم وجدوا نقطة ضعفك و أنت في مراحلك الأولى، وهي اثبات “الأنا” لديك. لذلك هم يشبعون رغباتك عن طريق اقناعك بأن الحرب التي ستخوضينها مجرد لعبة موقتة. من منا لا يعلم حب الأطفال لخوض التجارب الجديدة، دون ادراك خطورة نتائجها؟

هذه هي الطفولة المقاتلة تحت شعائرهم المخادعة. أما الطفولة الثانية فهي مشرّدة في الطرقات، تبحث عن انتمائها المدفون تحت ركام المعارك، أو عن تذكار لفظته الحرب من داخل منزلها. يشعرها بأنها ما زالت على صلة بعائلتها، والحي الذي كبرت فيه، أو نراها متسولة بين الأزقة، تفتش عن ملجأ يقيها نظرات المدافع المتجهّمة وأصوات القنابل الساخرة. طفولة أخرى، تهيم أرواحها في البرزخ، راوية ارض الوطن بدمها الطاهر، فاذا ما استدرّت السماء لا تحسبنّ أنها تمطر، بل ان جراحهم غير الملتئمة لا تزال تنزف.

عذراً ايتها الطفولة. كبيرك ما عاد يكترث لبناء وطن أحلامك، وطن يرعاك ويحميك من الغريب، ويعترف بك على أرضه، و يفتخر بانجازاتك، فتكونين نيشاناً على صدره، بالقدرالذي يكترث لارضاء الجهات العليا، التي قررت بناء الوطن على هواها، مسكتة أسياده برزمة من الورق الأخضر. عذراً أيتها الطفولة، البراءة الناضحة من عينيك والدمع المترقرق، لن يهز ساكنا، ولن يبلغ قفصهم الصدري، فوفّري أحزانك، إن الدمع أغلى من أن يهدر بسبب أناس باعوا ضمائرهم في المزاد. تتساءلين أولسنا كأطفالهم؟ اسمحي لي بأن أقول لك إنك أينعت قبل أوانك, وأثمرت قبل موسمك، فخافوا نضوجك المبكر، لذلك قرروا دسّ السم وقتل براعمك. افتخري كونك طفولة عربية.