علي عبد الله صالح: نهاية حكاية يمنية

زعيم الحوثيين يعتبر يوم الاغتيال تاريخيا والبلاد تدخل في دهاليز مجهولة

محمد قواص*

يصعب استشراف ما حملته الأيام بين لحظة مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ولحظة صدور هذا العدد. فتطورات المنطقة تحمل جديدا كل ساعة وتلك الخاصة باليمن تحدد جانبا كبيرا من مستقبل التحولات الجارية والقادمة في الشرق الأوسط.

فرغم المفاجأة التي شغلت وسائل الإعلام العربية والدولية إثر مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، فإن أوساطا يمنية مطّلعة اعتبرت أن الأمر يفتح الباب على مصراعيه أمام حقبة تاريخية جديدة في الصراع اليمني المندلع منذ ثلاث سنوات كما في تاريخ اليمن برمته.

تعتبر هذه الأوساط أن سقوط صالح يندرج ضمن صراع داخل التحالف »الغرائبي« الذي تم بين حزب المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس اليمني السابق وبين جماعة »أنصار الله« التي يتزعمها عبد الملك الحوثي، وأن تصفية الحسابات الداخلية في قلب تحالف الانقلابين يلقي بظلال خطيرة على استمرار هذا التحالف ونجاعته، ويسدد ضربة هائلة ضد القوة التي تمتع بها الحوثيون منذ تمددهم من مناطقهم الشمالية في صعدة باتجاه الجنوب مرورا بالعاصمة صنعاء في حرب أطلقوها في صيف عام 2014.

علي عبد الله صالح: الرجل الذي مات وهو ينشد السلطة

علي عبد الله صالح: الرجل الذي مات وهو ينشد السلطة

وكثيرة هي الروايات التي تحدثت عن عملية الاغتيال لكن الأرجح، وفق مصدر في حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي كان يترأسه صالح )75 عاما(، فإن الحوثيين أوقفوا موكب صالح جنوبي العاصمة صنعاء، واقتادوه بعيداً عن حراسته بنحو أمتار، ثم أطلقوا عليه النار بشكل مباشر في رأسه.

القضية قتل مقصود. اغتيال نفذ بناء على تعليمات. ليس الأمر حادثا عابرا يقترف داخل ميادين الفوضى. ثم إن في ما نقلته مقاطع الفيديو ما يعكس حجم الحقد الذي يكنه الحوثيون لرجل اليمن القوي الراحل. يظهر مقطع مرئي مصور بكاميرا هاتف ذكي لأحد الحوثيين جثة صالح وقد حُملت على دثار إلى إحدى العربات العسكرية المكشوفة، فيما كان المسلحون الحوثيون يحتفلون بنهايته.

ومخاطباً جثة صالح، التي ظهرت آثار طلق ناري على جمجمته، قال أحد الحوثيين: »سيدي حسين يا صالح ما راح هدر«، في إشارة إلى مقتل مؤسس جماعة الحوثيين، زعيمها السابق، حسين بدر الدين الحوثي، على أيدي القوات الحكومية، يوم 10 سبتمبر 2004، خلال حكم صالح.

غير أن أوساطا مقربة من حزب المؤتمر الشعبي رأت أن مقتل صالح يعتبر أمرا قاسيا ومأساويا هائلا، لكن للحزب تقاليد وثقافة وعصبية وقوة تنظيمية قادرة على مواجهة هذا التحدي، وأن دوائر الحزب ستتمكن من استعادة زمام الأمور وتحديد خياراتها التنظيمية لاختيار زعيم جديد للحزب كما خياراتها السياسية والعسكرية التي تؤكد قرار صالح بالانقلاب نهائيا على الحوثيين وملاقاة الشرعية اليمنية كما التحالف العربي بقيادة السعودية.

وفي ارتباك واضح لتبرير مقتل صالح، قال محمد عبد السلام، المتحدث باسم جماعة الحوثي، إن دولة الإمارات العربية المتحدة »أوصلت« الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح إلى هذه »النهاية المخزية«، في إشارة إلى مقتله.

وأضاف عبد السلام، في تصريح لقناة المسيرة التابعة لجماعته، أن »زعيم الميليشيات )صالح( وعناصره ارتكبوا جريمة كبيرة باستهداف مؤسسات الدولة وساهموا في مؤامرة خطيرة مع العدوان )في اشارة إلى التحالف العربي(«.

وأشار إلى أن »السيد عبد الملك )الحوثي زعيم الجماعة( كان قد ناشد زعيم الميليشيات)صالح(، وللأسف ظنها ضعفاً وتمادى في تكبره«. وتابع: »بفضل الله وتوفيقه سقطت أكبر مؤامرة أراد لها العدوان أن تطول وتتحول إلى حرب أهلية«.

وتكشف هذه التصريحات أن عملية الاغتيال لم تكن حادثا ميدانيا، بل نتيجة قرار مركزي من قيادة الجماعة وأن إيران ليست بعيدة عن الإيعاز بتنفيذ هذه العملية المفترض أنها مفصلية وخطيرة في تاريخ اليمن.

وتقول مصادر يمنية مراقبة إن عملية اغتيال صالح جرت غدرا ويكتنفها كثير من اللغط الذي قد تكشفه الأيام، وأن قرار قتل الرجل اتخذ من قبل أعلى المراجع في تنظيم الحوثيين لأسباب انتقامية تتنافى مع أبجديات الحركة السياسية في اليمن. وتضيف هذه المصادر أن شخصيات

عبد الملك الحوثي: صالح خاننا

عبد الملك الحوثي: صالح خاننا

عربية قريبة من طهران تفاجأت من عملية الاغتيال وامتعضت لهذا التطور واعتبرته حماقة تاريخية سيضع الحوثيين كما مصالح إيران في اليمن تحت مرمى المجتمع الدولي برمته.

وتقول هذه المصادر أن نصب كمين لصالح واغتياله والتمثيل بجثته وتصوير العملية وتقصّد بثها الفوري على مواقع التواصل الاجتماعي، عكس منحى انتحاريا عند الحوثيين واتجاه لاعتبار أنفسهم »الفرقة الناجية« التي يجوز وفق عقيدتها قتل كل من يخالفها أو يرفض خياراتها. ورأت هذه المصادر أن الحدث يخالف الأعراف التقليدية للشعب اليمني لجهة احترامها لمجموعة من المحرمات حتى في حال الاحتراب، وأن قتل الرجل بما يمثّله من امتدادات قبلية وسياسية وما كان يحظى به من وزن داخل المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية سيؤدي حكما إلى اصطفافات حاسمة في مواجهة الظاهرة الحوثية في البلاد.

وترى أوساط عربية مراقبة أنه رغم الحرب المفتوحة التي شنها التحالف العربي منذ إطلاق حملة »عاصفة الحزم« في 26 مارس 2015، فإن الغارات الجوية والهجمات الصاروخية تجنبت قتل علي عبد الله صالح وعبد الملك الحوثي رغم حصول التحالف على معلومات دقيقة حول حركة وأماكن تواجد الرجلين.

واعتبرت هذه الأوساط أن التحالف اعتبر أن الحرب هي أداة من أدوات السياسة وأن الدعوة الدائمة التي أطلقها للعودة إلى طاولة الحوار كانت تحتاج إلى وجود صالح والحوثي للوصول إلى أفضل تسوية ممكنة.

ورأت هذه الأوساط أن اغتيال صالح من قبل الحوثيين أسقط محرمات كثيرة ليس بين اليمنيين فقط بل ستمس بنك الأهداف المقبل لعمليات التحالف.

وقال أحد أقارب الرئيس اليمني الراحل إن جماعة »أنصار الله« )الحوثيين( »فتحت على نفسها أبواب جهنم«، في تعليقه على قتل مسلحي الجماعة لصالح.

وأضاف توفيق صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني السابق، في منشور على حسابه في »فيسبوك«، إن »الثورة مستمرة والحوثيين إلى زوال ولن تنطفئ الشرارة مهما عملوا«.

وشدد على أن الشعب سيكون للحوثيين بـ»المرصاد« في كل محافظات اليمن.

ولفتت مصادر دبلوماسية يمنية إلى أن اغتيال صالح ينفي تماما ما أشاعه الحوثيون عن طلب صالح وساطة من عُمان وحزب الله، كما تؤكد أن قرار الرجل بفك التحالف مع الحوثيين كان نهائيا وليس حردا مؤقتا بغرض تحسين الشراكة بين الانقلابين.

وأضافت المصادر أن الحوثيين أدركوا خطورة الخطوة التي أقدم عليها صالح على مستقبلهم السياسي والعسكري حين انقلب عليهم فجر يوم 02 كانون الأول/ديسمبر، كما أدركوا تدهور الأوضاع الميدانية بالنسبة لهم وتفاقمها المقبل بسبب هذا الحدث، وأنهم اعتقدوا أن تغييب الرجل قتلا سيؤجل واقع التدهور الذي سيطرأ على وضعهم داخل اليمن.

ويرى معلقون يمنيون أن اغتيال علي عبد الله صالح ينهي حقبة سوداء صاحبت خيارات الرجل في تحالفه مع الحوثيين بعد أن خاض ضدهم ستة حروب حين كان رئيسا للبلاد، وأن موت الرجل قتلا يسدد ضربة قاضية إلى صورة السياسي الحذق والمناور الذي تعوّد الخروج من معاركة السياسية والعسكرية سالما، والذي أجاد خلال أكثر من ثلاثة عقود من حكمه للبلاد )33 عاما( عقد الصفقات وإقامة التحالفات واللعب على التناقضات داخل الفسيفساء اليمني الشديد التعقيد.

ويلفت باحثون في الشأن اليمني إلى أن اغتيال صالح سحب العامل المذهبي نهائيا من حيثيات الصراع اليمني، كما أعاد رسم الخطوط بين اليمنيين بحيث تحوّل الصراع في مجمله إلى هويته الداخلية بين من سيدافع عن اليمن الجمهوري وبين من يريد إعادة اليمن إلى ماض إمامي

تحالف الحوثيين مع صالح أطلقهم من صعدة إلى مشارف عدن

تحالف الحوثيين مع صالح أطلقهم من صعدة إلى مشارف عدن

غابر يأخذ في الوقت الراهن ثوبا مذهبيا شيعيا اثني عشريا يحلم بالتبعية الكاملة لحكم الولي الفقيه في إيران.

وأضاف هؤلاء أن غياب صالح سيعيد ترتيب الصفوف اليمنية الوطنية بحيث تنضم إلى صفوفها قبائل وقطاعات ومشارب كان لديها شكوك بعلي عبد الله صالح ولا تثق بمناوراته.

بدوره قال سفير المملكة العربية السعودية لدى اليمن محمد سعيد آل جابر، إن الجرائم التي ترتكبها جماعة الحوثيين ونقضهم للعهود التي يقطعونها على نفسهم هو جزء من تربيتهم الإيرانية.

وأضاف السفير آل جابر، بحسب قناة »الإخبارية« السعودية: »نحن دومًا مع شعب اليمن مهما حدث من جرائم حوثية«.

وبعد عملية الاغتيال وعدت مصادر قريبة من الرئاسة الشرعية اليمنية أن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والحكومة اليمنية برئاسة أحمد عبيد بن دغر ستتخذ سلسة قرارات وتدابير من شأنها توسيع الجبهة اليمنية الداخلية في مواجهة الحوثيين واعتبار الصراع شأنا وطنيا هدفه تحرير البلد من جماعة تشد البلد نحو الظلامية وهدفه طرد النفوذ الإيراني نهائيا من اليمن، وأن الحريق الذي شب في مبنى السفارة الإيرانية في صنعاء إثر تعرضها لهجوم يحمل رمزية هامة في هذا الصدد.

 وقالت هذه المصادر إن تنسيقا تاما سيجري بين مؤسسات الدولة الشرعية وقوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لخوض حرب شاملة على كافة الجبهات يشارك فيها كل اليمنيين الوطنيين.

وكانت الرئاسة اليمنية أعلنت في حينه أن الرئيس هادي أمر بإطلاق عملية عسكرية واسعة لاستعادة السيطرة على صنعاء، بدعم من التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، حسب ما أعلن مصدر في الرئاسة اليمنية.

في الوقت ذاته، طلب التحالف العسكري بقيادة السعودية من المدنيين في صنعاء إخلاء أماكنهم القريبة من مواقع تمركز الحوثيين، في إشارة إلى احتمال تكثيف الغارات الجوية على صنعاء.

وأفاد المصدر في الرئاسة أن »الرئيس هادي أصدر توجيهات إلى نائب الرئيس الفريق علي محسن الأحمر المتواجد في مأرب بسرعة تقدم الوحدات العسكرية للجيش الوطني والمقاومة الشعبية نحو العاصمة صنعاء«.

ونقلت قناة »الاخبارية« السعودية عن التحالف قوله إن »الابتعاد عن آليات وتجمعات« الحوثيين يجب أن »لا يقل عن 500 متر« من المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

ورأت مراجع دبلوماسية غربية أن مقتل صالح قدم دليلا نهائيا للمجتمع الدولي حول الجهة الحقيقية التي تمنع نهاية الصراع في اليمن، والجهة التي لا يمكن التعويل على أي تفاهم معها، طالما أنها تصرفت تصرف عصابات المافيا في معاقبة العصاة وليس تصرف القوى السياسية الراشدة والتي تأخذ بعين الاعتبار مصالح القوى السياسية الأخرى في داخل اليمن كما في خارجه.

وقالت هذه المراجع أن المواقف التي صدرت مؤخرا عن الأمم المتحدة كما عن بعض العواصم الغربية حول الكارثة الإنسانية في اليمن ومسؤولية دول التحالف في ذلك، سقطت نهائيا، وأن المجتمع الدولي بات يعتبر أن إنهاء هذه الحرب كفيل بفتح المنافذ جميعها، وأن إنهاء هذه

خيار التحالف العربي العسكري بات الخيار الوحيد

خيار التحالف العربي العسكري بات الخيار الوحيد

الحرب لن يتم إلا بعد القضاء على الحوثيين كقوة تعطيل للسلم وبعد وقف الأجندة الإيرانية في اليمن والتي لا تمر إلا من خلال جماعة »أنصار الله« وزعيمها.

وتوقعت مصادر أوروبية أن تتموضع المجموعة الدولية وفق هذا المعطى الجديد وأن تتجه بشكل حاسم لا لبس فيه لدعم الشرعية اليمنية ودعم قوات التحالف العربي خلال الساعات المقبلة.

ورأت هذه المصادر أن بعض العواصم الغربية كانت ما زالت تعول على علي عبد الله صالح كشريك ممكن لأي تسوية في اليمن كان يعمل عليها موفد الأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وأن اغتيال الرجل شكّل صدمة داخل كواليس المشتغلين على الشأن اليمني في وزارات الخارجية الأوروبية. وأضافت هذه المصادر أن تلك الوزارات أدخلت تقييمات جديدة في تقاريرها وتوصياتها وبدأت ومنذ اللحظات الأولى لشيوع خبر الاغتيال بإعداد البدائل الداعية إلى انتهاج سياسات غير مترددة لمساعدة اليمن ومؤسساته الشرعية على استعادة البلاد من العبث الإيراني والحسابات الميليشياوية العقائدية.

عملية اغتيال صالح جرت غدرا ويكتنفها كثير من اللغط الذي قد تكشفه الأيام، وأن قرار قتل الرجل اتخذ من قبل أعلى المراجع في تنظيم الحوثيين لأسباب انتقامية تتنافى مع أبجديات الحركة السياسية في اليمن.

رغم الحرب المفتوحة التي شنها التحالف العربي منذ إطلاق حملة »عاصفة الحزم« في 26 مارس 2015، فإن الغارات الجوية والهجمات الصاروخية تجنبت قتل علي عبد الله صالح وعبد الملك الحوثي رغم حصول التحالف على معلومات دقيقة حول حركة وأماكن تواجد الرجلين.

اغتيال علي عبد الله صالح ينهي حقبة سوداء صاحبت خيارات الرجل في تحالفه مع الحوثيين بعد أن خاض ضدهم ستة حروب حين كان رئيسا للبلاد، وأن موت الرجل قتلا يسدد ضربة قاضية إلى صورة السياسي الحذق والمناور الذي تعوّد الخروج من معاركة السياسية والعسكرية سالما، والذي أجاد خلال أكثر من ثلاثة عقود من حكمه للبلاد )33 عاما( عقد الصفقات وإقامة التحالفات واللعب على التناقضات داخل الفسيفساء اليمني الشديد التعقيد.

مقتل صالح قدم دليلا نهائيا للمجتمع الدولي حول الجهة الحقيقية التي تمنع نهاية الصراع في اليمن، والجهة التي لا يمكن التعويل على أي تفاهم معها، طالما أنها تصرفت تصرف عصابات المافيا في معاقبة العصاة وليس تصرف القوى السياسية الراشدة والتي تأخذ بعين الاعتبار مصالح القوى السياسية الأخرى في داخل اليمن كما في خارجه.

روحاني: »المعتدون« على اليمن سيندمون

إثر مقتل صالح أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أن اليمنيين سيجعلون »المعتدين« يندمون على أفعالهم، في خطاب بثه التلفزيون الرسمي، في وقت كثف التحالف العربي بقيادة السعودية غاراته على صنعاء.

وقال روحاني إن »اليمن سيحرر من أيدي المعتدين وشعب اليمن المخلص سيجعل المعتدين يندمون« على ما فعلوه، وذلك غداة مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح على أيدي المتمردين الحوثيين بعد أيام على انهيار تحالفهم معه.

من جهته، ندد قائد الحرس الثوري الايراني اللواء محمد علي جعفري بـ»النظام السعودي الخائن الذي دخل في صراع مع الدول المسلمة الأخرى في المنطقة، بهدف زعزعة الأمن )… ( وهو يثير التفرقة بين المسلمين بأوامر أميركا وإسناد الكيان الصهيوني«.

وتابع جعفري ان السعوديين »كانوا بصدد تنفيذ انقلاب ضد المجاهدن وأنصار الله، وقد أحبطت هذه المؤامرة في المهد«.

دماء صالح تعيد رسم خارطة المواجهة مع الحوثيين باليمن

تنافر المصالح بين طهران والرياض

تنافر المصالح بين طهران والرياض

أسدل الحوثيون الستار على مسيرة أربعين عاماً للرئيس اليمني الراحل، علي عبد الله صالح )1942 2017(، منذ انخرط في الجيش والسياسة، لكن الساحة لم تخل لهم بشكل كامل، مع توسع قائمة المتضررين منهم.

وأنهت جماعة »أنصار الله« )الحوثيين( حياة حليفها صالح التي كانت حافلة بالانقلابات والتحولات والحروب والصراعات السياسية والمعارك العسكرية والاتفاقات والخلافات.

بدأ صالح بحلف عسكري قبلي بينه وبين الزعيم القبلي البارز، عبد الله بن حسين الأحمر، الذي ساند صالح، حين أمسك بزمام السلطة، عام 1978، وظل الحلف قائماً حتى رحيل الأحمر، عام 2007.

بعد قرابة ثلاثة أشهر من توليه السلطة، أحبط صالح أول محاولة لإسقاط نظامه، قادها مجموعة من الضباط والسياسيين المنتمين للتنظيم الناصري، والذي كان يعمل سراً، وأعدم قادة هذه الحركة، عام 1978.

انتقل صالح إلى مرحلة لملمة الأطياف السياسية، التي كانت تعمل في السر، ومنها تنظيم الإخوان المسلمين، حيث كانوا يعملون سراً منذ أكثر من عقد، ثم تعامل مع الاضطرابات في الجنوب، والتي عجلت بالوحدة بين شمال وجنوب اليمن، عام 1990.

وفي عام 1994 بدأت أول عملية لإقصاء شركائه، وحارب الحزب الاشتراكي، الذي شاركه عملية تحقيق الوحدة، وطرد قادته، واستولى على الحكم.

وشارك صالح مع حزب الإصلاح )الإخوان المسلمون( في الحكم لثلاثة أعوام، لكنه اختلف معهم، وانفرد بالحكم حتى نهايته، عام 2012، رافضاً أي شراكة مع أي طرف.

دارت دائرة السياسة وتحالف صالح مع خصمه اللدود، وهم جماعة الحوثي )ينتمون مثل صالح إلى المذهب الزيدي(، بعد أن خاض ضدها ستة حروب، في معاقلها بمحافظة صعدة )شمال(، اخرها عام 2010.

صالح تحالف مع جماعة »أنصار الله«، المتهمة بتلقي دعم عسكري إيراني، لمواجهة بقية الأطراف الرافضة للحوثيين، لكن الحوثيين تعلموا من دروس شركاء صالح، فانقلبوا هم عليه، قبل أن يتمكن من لملمة أوراقه العسكرية.

المشهد في اليمن ليس كما يبدو للوهلة الأولى، أي حتمية هزيمة أي قوة تقف في طريق الحوثيين خلال الفترة المقبلة، فمشهد إعدام الحوثيين لصالح رمياً بالرصاص ربما يكون فاتحة لمرحلة جديدة من الصراع، يصعب التكهن بخاتمتها.

يستند الحوثيون إلى قوة عسكرية مكنهم منها صالح، بعضها بقصد والآخر بضعفه عن حمايتها، وهذه القوة، إضافة إلى التهور في قيادة المشهد، قد تجعل الحوثيين متفردين بالمشهد لحين من الزمن.

صالح تحالف مع الحوثيين، الذين اجتاحوا صنعاء في 21 سبتمبر/ أيلول 2014، في مواجهة القوات الحكومية، المدعومة، منذ 26 مارس/ آذار 2015، من تحالف عربي، بقيادة الجارة السعودية.

لم يحتسب الحوثيون للعواقب التي يمكن أن تجلبها عليهم عمليات الإقصاء، قتلاً أو تفجيراً أو مطاردة، لأي من قادة المشهد السياسي في اليمن، وأحدثهم صالح، الذي كان يهيئ نجله أحمد للرئاسة خلفاً له، وما زال حضوره قوياً لدى فئة كبيرة من العسكريين.

يُعتقد أن تواجد نجل صالح، العميد أحمد علي عبد الله صالح، الموجود في دولة الإمارات، سيكون فاعلاً في مستقبل اليمن السياسي، فهو الرجل الذي يبدو مرشحاً للسيطرة على قيادة مواجهة الأنصار ضد الحوثيين في الفترة المقبلة.

فرضيات المواجهة ما تزال قائمة، خصوصاً مع توسع قائمة المتضررين من الحوثيين، لكن فرضيات أخرى تذهب إلى صعوبة الأمر بعد رحيل صالح، بما كان يمثله وجوده من حضور شعبي ما زال كبيراً في العديد من مناطق اليمن.

ولا تبدو الأمور، على الأقل في المدى المنظور، مقلقة عسكرياً لجماعة الحوثي، لكن يبقى المشهد اليمني حاضناً لمفاجآت لا أحد يستطيع التكهن بخباياها، والتي كان أحدثها، وليس آخرها على ما يبدو، هو سقوط الرجل القوي )صالح(.

ومراراً اتهمت جماعة الحوثيين صالح بالتواصل مع دول في التحالف العربي، وخاصة الإمارات، للبحث عن تفاهمات سرية بعيداً عن الجماعة، وهو ما نفاه صالح أكثر من مرة.

قد تعمل دول التحالف، وخصوصاً الإمارات، على إطلاق سراح نجل صالح، والذي سبق لحزب المؤتمر الشعبي العام )بزعامة صالح( أن اتهمها باعتقاله في أبوظبي، بعد إقالته، عام 2015، من منصبه كسفير لليمن في الإمارات، ومن ثم تجهيزه كقوة عسكرية ضاربة لمواجهة الحوثيين.

وإضافة إلى أحمد، الذي كان يقود وحدات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، إبان فترة حكم والده )1978 2012(، لدى صالح ابنان عسكريان هما خالد وصلاح، كما لديه أبناء شقيقه، وهم: طارق صالح، ويحيي صالح، وعمار صالح.

ويتواجد نجل شقيقه الآخر، وهو يحيي صالح، خارج اليمن، وقد يشكل مع أحمد علي عبد الله صالح ثنائياً قوياً يقود المواجهة ضد الحوثيين.

ولا بد أن الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، حصل على ضوء أخضر من التحالف العربي، قبل أن، يدعو القوات الموالية لصالح إلى التحالف مع القوات الحكومية ضد الحوثيين.

علي عبدالله صالح مناور محنك حاول التمسك بالسلطة

لطالما اعتبر علي عبد الله صالح مناورا محنكا حكم اليمن طوال 33 عاما وحاول بلا هوادة الانتقام منذ تخليه عن السلطة إثر ضغوط عام 2012.

لكن تحالفه الاخير كان قاتلا، ذاك الذي ابرمه عام 2014 مع المتمردين الحوثيين بمواجهة خلفه عبد ربه منصور هادي الذي اضطر إلى مغادرة اليمن واللجوء إلى السعودية.

وخاض صالح البالغ 75 عاما وينتمي إلى الاقلية الزيدية على غرار الحوثيين، ست حروب منذ 2004 مع متمردين زيديين في شمال البلاد أثناء رئاسته، آخرها انتهى في شباط/فبراير 2010.

لكن سيطرة التمرد على العاصمة صنعاء في ايلول/سبتمبر 2014 والتقدم التالي للحوثيين في سائر انحاء اليمن ما كان ليتم لولا المشاركة الفاعلة لوحدات في الجيش اليمني ظلت مخلصة للرئيس السابق الذي كان يتمتع كذلك بنفوذ واسع في الادارة بحسب خبراء.

لكن بعد ثلاث سنوات من التعاون اندلعت معارك عنيفة بين انصاره والحوثيين في العاصمة في الاسبوع الفائت. وشكل شرارتها الخلاف على التحكم بالمالية وتقاسم السلطة الذي ضاعفت حدته شبهات باتصالات سرية بين صالح والرياض.

اثار صالح المفاجأة في 02 كانون الأول/ديسمبر عندما عبر عن الاستعداد لفتح »صفحة جديدة« مع السعوديين الذين باتوا اعداءه في السنوات الأخيرة. وتتدخل السعودية منذ 2015 على رأس تحالف عربي عسكري في اليمن دعما للرئيس هادي ضد المتمردين.

تجاوز صالح المحن التي تخللتها سنوات حكمه في بلد غير مستقر بتركيبته العشائرية وسط عنف متواتر.

اثناء الحرب، مكث الرئيس السابق في منطقة صنعاء متنقلا بسرية وضامنا امنه الشخصي بنفسه، على ما أكد خبير عام 2016 قائلا انه »لا يثق في أحد«.

وكان صالح أكد انه لن يغادر صنعاء.

اتسم صالح بغريزة بقاء اسطورية، وحكم مطولا واصفا ممارسة السلطة في اليمن بمثابة »الرقص على رؤوس الثعابين«.

بعد تسلق تراتبية عسكرية، انتخب صالح عام 1978 عندما كان برتبة مقدم ليحل مكان رئيس اليمن الشمالي احمد الغشمي الذي قتل في عملية دبرت في الجنوب، واصبح أحد مهندسي التوحيد عام 1990 مع الجنوب الذي كان اشتراكيا لفترة طويلة.

وأفادت وثيقة لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية )سي اي ايه( بتاريخ 18 حزيران/يونيو 1990 أزيلت عنها السرية ان »صالح سيحتفظ على الارجح بسيطرته على السلطة« حتى لو فشلت الوحدة بين اليمنين.

في العام 1994، سحق صالح محاولة انفصال جنوبية.

لكن حكمه المطول لقي نهايته في شباط/فبراير 2012 عندما تخلى مرغما عن الحكم لنائبه هادي بعد عام من الاحتجاجات الشعبية ضمن احداث الربيع العربي.

واستفاد صالح في الاتفاق الذي أجاز تخليه عن السلطة وابرم بصعوبة بجهود دول الخليج من الحصانة لشخصة وافراد عائلته.

واصيب صالح في حزيران/يونيو 2011 بجروح وحروق بالغة في اعتداء غامض استهدف القصر الرئاسي نقل على اثره مع مسؤولين كبار اصيبوا معه إلى السعودية للعلاج.

رفض الرئيس السابق بعد 2012 المغادرة إلى المنفى وبقي رئيسا لحزبه، المؤتمر الشعبي العام، الذي ينتمي إليه هادي كذلك.

كان الرئيس اليمني السابق حليفا مقربا للولايات المتحدة في مكافحة تنظيم »القاعدة في شبه جزيرة العرب« الذي اعتبرته واشنطن أخطر فروع القاعدة.

ورسمت برقيات دبلوماسية كشف عنها موقع ويكيليكس صورة رجل يزداد تسلطا.

واعتبر مستشار الرئيس هادي، ياسين مكاوي ان الحوثيين »دمى بين يدي صالح يستخدمهم كما يستخدم القاعدة«.

واكد تقرير رفع في شباط/فبراير 2015 إلى مجلس الامن الدولي ان صالح جمع نتيجة الفساد ثروة قدرت بين 32 و60 مليار دولار فيما يعتبر اليمن احد أفقر بلدان العالم العربي.

وكان الرئيس السابق خاضعا لعقوبات اممية )تجميد ممتلكات وحظر سفر(.

وصالح متزوج واب لـ14، خمسة شبان وتسع فتيات.