مائــة عــام علـــى ميــــــلاد جمـــــال عبـدالنـاصـــــر

دور الفرد في حركة التاريخ

ماذا قال عنه معاصروه من القادة والسياسيين والمفكرين..؟

لندن أمين الغفاري

يمثل جمال عبدالناصر على نحو شديد البيان والوضوح نموذجا لدور)الفرد في حركة التاريخ( فما كان قبله يختلف إلى حد كبير عما أصبح في حاضره، وما كان في وجوده يتناقض تماما مع ما أمسى واقعا بعد رحيله، وعلى نحو بالغ الدقة صدقت نبوءة القائد الفلسطيني البارز الشهيد صلاح خلف )أبو اياد( حين قال بعد رحيل عبدالناصر )كل مشكلة تبدأ كبيرة ُثم تصغر مع الأيام.. الا رحيل عبدالناصر مشكلة سوف تكبر مع الأيام(

كان دوره يحمل تأثيرا خاصا على مستويات متعددة ومختلفة، وان كانت في النهاية تتلاقى على أهداف محددة أو بالأحرى على قضايا سياسية واستراتيجية وفكرية خالصة. كانت قضاياه هي الحرية بمعناها الشامل حرية الوطن والمواطن، ولذلك طارد القوى الأستعمارية في وطنه وفي اقليمه سواء في قواعدها العسكرية او في احلافها ومراكز نفوذها، ومن جانب آخر قاد ثورة أجتماعية في بلده لتحرير المواطن من الفقر والعوز، وعزز وجوده الأنساني من خلال الحفاظ على مفهوم العزة والكرامة لديه في تأمين مستقبله، وربط بشكل تلقائي بين حرية تذكرة

جمال عبدالناصر مازال يسكن الوجدان حبا وحنينا وذكرى عصية على النسيان

جمال عبدالناصر
مازال يسكن الوجدان حبا وحنينا وذكرى عصية على النسيان

الأنتخاب وبين تأمين رغيف الخبز، وكسر الأحتكار الأستعماري للمرافق الحيوية والاستراتيجية بتأميم قناة السويس ثم وضع قضية التنمية الشاملة هدفا اساسيا ورئيسيا يجند من اجله كل طاقات الأمة لمضاعفة الدخل القومي، وطوّر شكل المجتمع المصري من مجتمع زراعي إلى مجتمع زراعي صناعي ببناء السد العالي بما يوفره من استصلاح مؤثر للأراضي الزراعية ومن طاقة كهربائية متميزة دخلت القرى ونهضت بالمجتمع كما دعمت حركة التصنيع وتم بناء أكثر من ألف واربعمائة مصنع، وأدخل في برنامجه الصناعات الثقيلة، كما انها من جانب آخر فتحت مجالا واسعا للتشغيل، وعملت على انشاء طبقة عريضة من العمالة الماهرة، كما أعلن مجانية التعليم في كل مراحله، وبذلك ساهم في اتساع الطبقة المتوسطة على نحو كبير، وبنى صرحا كبيرا من المعاهد الثقافية والفنية مثل مدينة الفنون والأكاديمية ومعاهد السينما والكونسرفتوار والبالية وغيرها.

مصــــر قبـــل عبدالناصـــــــر

كانت مصر قبل ثورة 23 يوليو مجتمعا مكبلا بالكثير من القيود، يفتك بأفراده ثالوث من العلل عصي على الحل في مجتمع طبقي حتى النخاع )الفقر والجهل والمرض( ويكفي في توصيفه أنه مجتمع يتلخص مشروعه القومي في )مكافحة الحفاء(. يتربع على قمة السلطة فيه ملك أحنى رأسه للأحتلال البريطاني )احتلّ مصر عام 1982 بناء على طلب الخديوي توفيق لضرب الثورة العرابية(، حيث قام بتعيين النحاس باشا رئيسا للوزراء استجابة للانذار الذي قدمه له السفير البريطاني في مصر )سير مايلز لامبسون( والا عليه أن يدفع الثمن وهو تنحيته عن العرش، يضاف إلى ذلك عبثه بالدستور، ومصاحبة حاشية ينخر فيها الفساد، ويحقق من خلالها عشقه للملذات. كان الحكم في ذلك الزمان يتم تداوله بين أحزاب الأقلية، وكان نظام الحكم يقوم على نموذج الديموقراطية الغربية من حيث الليبرالية بمفهومها السياسي وفلسفتها حول حرية الرأي والتعبير وتشكيل الأحزاب حتى وان كانت في حدودها الضيقة، فقد كان محظورا على سبيل المثال وجود حزب ماركسي معلن أو صحف يسارية، وقوانين اسماعيل صدقي باشا صارمة في هذا الشأن وفي الجانب الأقتصادي كانت هناك الحرية الفردية التي تقوم على مبدأ المنافسة بصرف النظر عن القبضة الحاكمة لرأس المال الأجنبي، والتي شبهها أستاذ الأقتصاد الراحل الدكتور حلمي مراد بالأخطبوط الذي يطوق عنق الأقتصاد الوطني، ومع ذلك فان المدة التي تولى فيها حزب الأغلبية )الوفد( حكم البلاد كانت لاتتعدى ست سنوات منذ تصريح 28 فبراير عام 1922 باستقلال مصر مع التحفظات الأربعة واقرار الدستور عام 1923 حتى قيام الثورة في يوليو عام 1952. في تلك الفترة كانت تقود الحركة السياسية طبقة من السياسيين )الباشوات( من خلال الأحزاب التي تنتمي إلى عائلات اقطاعية وتعد بدورها احدى الركائز الهامة التي تستند عليها قوى الأحتلال باعتبار وحدة المصالح، وكان ذكر الميثاق الوطني )ان الأستعمار يسكن قصور الرجعية(، وحتى حزب الأغلبية ذلك المطارد من العرش توغلت فيه الأسر الأقطاعية، وكان ملفتا للنظر أن السكرتير العام للحزب هو فؤاد سراج الدين باشا سليل واحدة من تلك الأسر، مما استدعى قيام مجموعة من الشباب الثائر في الحزب بتكوين حركة )الطليعة الوفدية( التي تسعى لتصحيح خطوات الحزب وتقويمه بعد ان أصبح فريسة للزحف الأقطاعي ومدى تأثيره بمصالحه على نزاهة الحكم، وفي هذا الصدد نتذكر )الكتاب الأسود( الذي اصدره مكرم عبيد باشا وهو السكرتير السابق لذلك الحزب الذي انقلب عليه، وشكل حزبا جديدا باسم )الكتلة الوفدية( وقد عدد في ذلك الكتاب صور الفساد التي يرتكبها حزب الأغلبية. توارثت طبقة الباشوات تلك اقطاعياتها جراء التوزيع الخاطئ تاريخيا للثروة الوطنية بعد ان قام محمد علي بالأستيلاء على الأرض الزراعية، وأصبح هو المالك الوحيد لها، ثم أعاد التوزيع بعد ذلك هو وخلفاؤه من اسرته الذين تناوبوا الحكم على مصر )الأسرة العلوية( ذات الأصول الألبانية التركية على المقربين منهم بهبات من ولي الأمر وهم ألأنصار لهم ولأركان حكمهم ومن رضوا عنهم في قصورهم من أفراد الحاشية ومن الخدم والجواري والوصيفات، ومابين توزيع الأقطاعيات والهبات والأبعديات والدوائر جرى زرع دوائر النفوذ والسيطرة واكتساب الولاء، وأصبح الفلاح المصري هو الضحية الأولى لتلك المعادلة، فهو ليس سوى مجرد آلة بشرية لأستنبات الأرض. بمعنى آخر عرفت مصر امتدادا لعصور سبقت تحت ظلال الأحتلال العثماني أقنان الأرض )العبيد( الذين ينتجون ولايستهلكون، وهم يزرعون ويحصدون، ولكن الثمار ليست لهم فهم مجرد أجراء، يعيشون على الكفاف، وكان ذلك هو حال المصريين، وليسوا الأتراك أو الشراكسة، الذيم كانت لهم الصدارة في المجتمع، وأمامهم الأبواب المفتوحة في الولاية أو في السلطنة أو المملكة بعد ذلك، وكانت كلمة )فلاح( تعني بالتحديد )المصري(، أو كما قال الشاعر صلاح جاهين )القمح زي الفلاحين عيدان نحيله مغروسة في الطين(. ظهرت بجوار تلك الأحزاب الطبقية أحزاب أخرى صغيرة مثل الحزب الوطني وكان من قياداته فتحي رضوان ونور الدين طراف، ومصر الفتاة وقيادتها احمد حسين وابراهيم شكري، وجماعة الأخوان المسلمين وقيادتها حسن البنا وبعده حسن الهضيبي وبعض التنظيمات اليسارية السرية الأخرى وكان راعيها الأول هنري كورييل )يهودي مصري ذو أصول ايطالية( قبل ان تتفرع إلى مجموعات توحد بعضها تحت اسم الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني )حدتو( ومن قياداتها شهدي عطية وزكي مراد. ظهرت بعض الأتجاهات الأصلاحية مثل مشروع القانون الذي قدمه )محمد خطاب( إلى مجلس النواب منبها إلى التفاوت الطبقي الشديد الذي يكاد يفتك بالمجتمع وهو لذلك يقترح تحديد الملكية الزراعية ب )500 فدان( على ان تطبق بشكل لاحق وليس بأثر رجعي فرفض هذا الطلب بشدة، بل وعلق عليه أحد وزراء الوفد )حامد زكي باشا( ان

الشهيد صلاح خلف  قال: رحيل عبدالناصر مشكلة سوف تكبر مع الأيام

الشهيد صلاح خلف
قال: رحيل عبدالناصر مشكلة سوف تكبر مع الأيام

هذا القانون الذي كان يبحث اصداره يكشف على ان الشعب المصري أصبح )شعبا أحمر( وقد تلقفت جريدة )الجمهور المصري( التي كانت تصدر في تلك الأيام هذا التصريح ولقبت الوزير بأنه )وزير ألألوان(. فشلت محاولات الأصلاح اللهم بعض المبادرات التي قدمها حزب الوفد في ما يتعلق بزيادة الدخل الطفيف لبعض الفئات من الموظفين تحت شعار )الأنصاف( وكذلك مجانية التعليم الثانوي التي أصر عليها الدكتور طه حسين شرطا لدخوله وزارة الوفد الأخيرة كوزير للمعارف ومحاولة لتطبيق شعاره )التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن(، وكانت القضية الوطنية هي الشاغل وهي الخلاص من الأحتلال البريطاني الذي نظمت وجوده معاهدة عام 1936 التي ابرمها حزب الوفد بقيادة النحاس باشا، وقد فشلت كل الحكومات التي تعاقبت على السلطة في تحقيق الجلاء رغم صيحات بعض القادة كالنقراشي باشا مخاطبا الأنجليز )أيها القراصنة أخرجوا من بلادنا( أو اقدام النحاس باشا على الغاء معاهدة 1936 يوم 8 اكتوبر عام 1951، وقد اعتبرتها بريطانيا الغاء من جانب واحد لاتعتد به )حسب نصوص المعاهدة انسحاب القوات البريطانية وابقاء عشرة آلاف فقط و400 طيار في وقت السلم اما في اوقات الحرب فيزيد العدد بلا سقف، مع عدد من الموظفين الذين يعملون في الجوانب الادارية والفنية(، ولكن واقعيا كان في مصر اكثر من ثمانين الفا من القوات البريطانية(. وكانت قضية فلسطين من جانب آخر هي التحدي الأحدث، وكانت هي ايضا الكشاف الذي راى من خلاله ضباط الجيش أن تحرير فلسطين لابد وان يمر من خلال تحرير)القاهرة(. هكذا كانت مصر.. بلدا محتلا منذ عقود، يحكمه تحالف بين الأقطاع والرأسمالية، وتمتهن فيه مواد الدستور، ويتسلط الملك على المفهوم الديموقراطي لفلسفة الحكم، وتتم المناداة جهارا من الطبقة الحاكمة ب)أن الحكم لأصحاب المصالح( ترتيبا على ذلك بشرعية حكم الملاك على حساب الأغلبية العظمى من المواطنين. تفاوت طبقي صارخ تكفي الأشارة للمشروع القومي المطروح في ذلك العهد )مكافحة الحفاء( للتأكيد على مدى امتهانه الأنساني. تفشي الأمراض المتوطنة من البلهاسيا والأنكلستوما والأسكارس بين جموع الفلاحين نظرا لظاهرة انتشار الحفاء، ويضاف اليها انتشار الأمية والبطالة حتى بين المتعلمين، ويجثم على صدر الأمة احتلال غاشم فشلت كل الأحزاب السياسية من خلال حكوماتها على مدى سبعين عاما في طرده.

مصر.. في عهد عبدالناصر

قامت ثورة 23 يوليو عام 1952 تحت اسم )الحركة المباركة( لتطهير الجيش من الفساد برئاسة اللواء محمد نجيب، وزعامة البكباشي جمال عبدالناصر )القائد والمؤسس الحقيقي لتنظيم الضباط الأحرار(، وسرعان مااتخذت قرارات ذات مغزى )الغاء الرتب والألقاب والنياشين، والغاء انتقال الحكومة للأسكنرية فترة الصيف، ثم عزل الملك فاروق بتوقيع تنحي الملك عن الحكم لأبنه جلالة الملك احمد فؤاد( ويصدر قانون الأصلاح الزراعي في يوم 9 سبتمبر عام 1952 بعد اربعين يوما من التفاوض مع رجال السياسة من الأحزاب والمستقلين ورفضهم هذا القانون وتحدد الملكية الزراعية بمائتي فدان للفرد و300 فدان للعائلة. ، ويتم التوزيع )خمسة فدادين( لكل فلاح وحين جرت مناهضته من بعض الأقطاعيين بالتصدي بالسلاح )حادثة عدلي لملوم( في محافظة المنيا بصعيد مصر، تصدى له الجيش، وقدم للمحاكمة وقضت بسجنه 25 عاما. حين صدر ذلك القانون صرح الدكتور طه حسين )هذه ثورة وليست حركة أو انقلابا( اذ بدأت بالتوازي )ثورة اجتماعية( تغير الموازين الحاكمة للتفاوت الطبقي، وتوالت الأحداث الكاشفة لأتجاهات تلك الثورة، الغاء الملكية، واعلان الجمهورية عام 1953 ثم الغاء الأحزاب مع الأبقاء على جماعة الأخوان المسلمين بصفتها )جماعة دعوية وليست سياسية( توقيع اتفاقية الجلاء بعد مفاوضات مضنية، واستخدام عمليات المقاومة المسلحة ضد الأحتلال للضغط على البريطانيين بالجلاء عام 1954، محاولة اغتيال عبد الناصر ومسؤولية جماعة الأخوان في ذلك، ثم الكشف عن ضلوع محمد نجيب معهم في هذا الأمر مما ادى لعزله من رئاسة الجمهورية عام 1954. مناهضة الأحلاف العسكرية والتصدي لحلف بغداد 1955 ولمشروع ايزنهاور عام 1957، اعلان الثورة الجزائرية من القاهرة وفتح مخازن السلاح للمناضلين الجزائريين عام 1954، توقيع اتفاقية السلاح مع الكتلة الأشتراكية، بعد حضور مؤتمر باندونج 1955، تأميم قناة السويس 1956، ورفض الأنذار البريطاني الفرنسي والتصدي للعدوان الثلاثي، طرد الخبراء البريطانيين الذين نصت عليهم اتفاقية الجلاء والأستيلاء على كل الأسلحة الموجودة في مخازنهم والغاء اتفاقية الجلاء ذاتها، كذلك الأستيلاء على شركات الدول التي ساهمت في العدوان البريطاني الفرنسي، وبعض الدول التي ناصرت العدوان مثل بلجيكا، وبدايات عمليات التمصير للشركات الأجنبية وضرب )الأخطبوط( الأقتصادي الذي سبق وان اشار اليه الدكتور حلمي مراد. تكوين )المؤسسة الأقتصادية( عام 1957 التي آلت اليها الشركات الممصرة وبداية تكوين القطاع العام الذي دفع بعملية التنمية للأمام. ارسال قطاعات من الجيش المصري وتمركزها على الحدود السورية التركية في مواجهة التهديد التركي لسوريا عام 1957. اعلان الوحدة المصرية السورية تحت اسم )الجمهورية العربية المتحدة( عام 1958. اعلان تأييد الثورة العراقية ومساندتها عسكريا أزاء اي تهديد خارجي عام 1958، وضع حجر الأساس لبناء السد العالي عام 1960، وضع الخطة العشرية لمضاعفة الدخل القومي عام 1959 1960 واعلان القرارات الأشتراكية عام 1961. وقوع الأنفصال عام 1961 واعلان عبدالناصر )ليس مهما أن تبقى سوريا في الوحدة، ولكن المهم هو أن يبقى الشعب في سوريا(. تشكيل اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية واعلان )الميثاق الوطني( وتشكيل التنظيم السياسي المعبر عن المرحلة )الأتحاد الأشتراكي العربي( عام 1963، والدفع بمصر لتكون دولة صناعية، قيام ثورة اليمن عام 1963 ودعم الجيش المصري للثورة في الشمال وتعزيز حركة المقاومة للأحتلال البريطاني في الجنوب، الأفراج عن كل المعتقلين السياسيين من الأخوان المسلمين والشيوعيين وتسوية حالاتهم ورجوعهم لوظائفهم عام 1964، ولكن مع تلك الأنفتاحة على كل القوى السياسية، والعمل على وحدة الصف الوطني يفاجأ المجتمع بمؤامرة جديدة يقودها في تلك المرة )سيد قطب( لضرب المنشآت الوطنية وفي مقدمتها القناطر الخيرية لأغراق البلاد في حالة من الدمار والفوضى تسهل لجماعته الأنقضاض على الحكم بعد سلسلة من الأغتيالات على رأس القائمة فيها الرئيس عبدالناصروذلك في عام 1965، وتم كشف التنظيم ومحاكمة شبكته. في عام 1967 تداعت الأحداث حول سوريا والتهديد الأسرائيلي باجتياحها وتم استنفار الجيش المصري إلى المشاركة في الدفاع عن سوريا مما استدعى غلق خليج العقبة،

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق هارولد مكميلان أضرنا عبدالناصر أكثر من السوفييت

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق هارولد مكميلان
أضرنا عبدالناصر أكثر من السوفييت

وحدد عبدالناصر توقعاته ببدء الهجوم الأسرائيلي يوم الاثنين الخامس من يونيه، ومع ذلك لم تكن قيادات الجيش على مستوى المسؤولية )لأعتبارات يطول شرحها( مما أسفر عن حدوث النكسة، ورغم اعلان عبدالناصر عن تحمله المسؤولية كاملة، وتنحيه تبعا لذلك عن الحكم الا أن الرد الجماهيري على المستوى الشعبي المصري والعربي انفجر اعتراضا على هذا التنحي، وأعلن تمسكه بقيادة عبدالناصر لرد العدوان واسترداد كرامة الأمة بتحقيق النصر على العدوان. عاد عبدالناصر إلى موقع القيادة وقام ببناء القوات المسلحة من جديد، وبقيادات مؤهلة، وخاض حرب الأستنزاف وحقق من خلالها اهدافا عديدة مما ادى إلى تدخل الولايات المتحدة بمبادرة روجرز والعودة إلى المفاوضات، وقبل عبدالناصر المبادرة ليحقق من خلالها هدفا عسكريا وهو بناء حائط الصواريخ الذي شكل قاعدة لعبور القوات المسلحة في حرب اكتوبر، وفق قناعته )ماأخذ بالقوة لايسترد بغير القوة(.

ثلاثيـــة عبدالناصــــــر

عام 1953، وقبل مضي عام على الثورة كشف عبدالناصر في حديث له مع الأستاذ هيكل رئيس تحرير مجلة )آخر ساعة( في ذلك الوقت، عما يدور في فكره من تصور حول المستقبل، وما ينبغي أن يكون محل بحث ودراسة وتخطيط قال )ان القدر لايهزل، ليست هناك أحداث من صنع الصدفة، ولاوجود يصنعه الهباء. اننا لانستطيع ان ننظر إلى خريطة العالم نظرة بلهاء لاندرك بها مكاننا على هذه الخريطةودورنا بحكم هذا المكان. هل يمكن ان نتجاهل ان هناك )دائرة عربية(تحيط بنا، وان هذه الدائرة منا ونحن منها، امتزج تاريخنا بتاريخها، وأرتبطت مصالحنا بمصالحها، حقيقة وفعلا وليس مجرد كلام؟. هل يمكننا تجاهل أن هناك قارة افريقية شاء لنا القدرأن نكون فيها وشاء أيضا ان يكون فيها صراع مروع حول مستقبلها، وهو صراع سوف تكون آثاره لنا أو علينا سواء أردنا أو لم نرد؟ هل يمكن أن نتجاهل أن هناك عالما إسلاميا تجمعنا واياه روابط لاتقر بها العقيدة الدينية فحسب وانما تشهدها حقائق التاريخ؟. كانت تلك هي ثلاثية الحركة التي وضعها عبدالناصر امام عينيه، وانطلق ليساند كل حركة تحرر عربية او افريقية سياسيا واعلاميا وعسكريا كما حدث في اليمن، وامدادها بالسلاح أيضا ان اقتضت الضرورة كما حدث في الجزائر، وفي افريقيا، وقد اصبح الكثير من قادة افريقيا بعد ذلك هم من المناضلين الذين توطدت علاقاتهم مع مصر عبدالناصر بفضل ذلك التعاون ويقف في طليعتهم المناضل الكبير نلسون مانديلا. كما كان انشاء مدينة البعوث الأسلامية في القاهرة مقصدا للبعثات من الدول الأسلامية العربية ومن البعثات الأفريقية أيضا، بالأضافة إلى تطوير ألأزهر ليخرج منه الطبيب والمهندس المؤهل بالثقافة الأسلامية ليكون منبرا مستنيرا للأسلام في دول العالم المختلفة، وكان )انشاء منظمة الوحدة الأفريقية( لكي تكون اطارا جامعا للتنسيق والتعاون الخلاق بالأضافة للدعم السياسي والأقتصادي بين دول القارة. على المستوى العالمي كان مؤتمر باندونج عام 1955 انتفاضة كبرى ضد القوى الأستعمارالعالمي واحتكاراته، ومالبثت أن تطورت عن تشكيل حركة عدم الأنحياز والحياد الأيجابي والتي قادها جمال عبدالناصر وجواهرلال نهرو وجوزيب بروز تيتو ونجحت في ان تصبح قوة ذات أثر في المحافل الدولية وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة من خلال عمليات التصويت والأنحياز لقضية الحرية والأستقلال وادانة كل اشكال العدوان على الشعوب وعلى حقوق الأنسان. هكذا كانت مصر في عهد عبدالناصر ودورها العربي والأفريقي والعالمي، ناهيك عما تحقق في حركة المجتمع المصري وتطوره، العلمي والأقتصادي والثقافي، وتذويب الفوارق الضخمة بين الطبقات بشكل سلمي. رحل عبدالناصرجسدا، ولكنه مازال يسكن الوجدان ويغمر القلوب حنينا وحبا وذكرى عصية على النسيان، ويعطي المثل والدرس مسهبا وعريضا لمن يريد ان يتعظ.. أنه لاشئ مستحيل أمام قوة الأرادة وصلابة التصميم، وصدق العزيمة.

منتخبات مما قاله عنه معاصروه من اعدائه ومن السياسيين والمفكرين والزعماء

قال عنه أعداؤه ألأسرائيليون

قال دافيد بن جوريون مؤسس دولة إسرائيل:

كان لليهود عدوان تاريخيان هما فرعون في القديم وهتلر في الحديث ولكن عبدالناصرفاق الأثنين معا في عدائه لنا، لقد خضنا الحروب من اجل التخلص منه حتى جاء الموت وخلصنا منه.

قال مناحم بيجن رئيس وزراء إسرائيل الأسبق:

ان وفاة عبدالنصر تعني وفاة عدو مر انه كان اخطرعدو لأسرائيل. ان إسرائيل لهذا السبب لاتستطيع ان تشارك في الحديث الذي يملأ العالم كله عن ناصر وقدراته وحنكته وزعامته

قال هارولد مكميلان رئيس وزراء بريطانيا الأسبق

ان نجاح عبدالناصرشجع فجأة الحركات القومية وجعلها تتصور أنها قادرة أن تسحق بريطانيا ولو أن جمال عبدالناصر استقل بمصر وحدها لما كان الخطر كبيرا على مصالحنا في العالم كله، وانني أقول صراحة ان جمال عبدالناصر كان أخطرعلى مصالحنا من الأتحاد السوفييتي

الدكتور طه حسين أول من وصف حركة الجيش عام 52

الدكتور طه حسين
أول من وصف حركة الجيش عام 52

ولم تستطع كل جهود روسيا ان تضعفنا كما استطاع ان يفعل عبدالناصر

قال شارل ديجول رئيس الجمهورية الفرنسية

لم يتوقف عبدالناصر عبر مرحلة من التاريخ أقسى وأخطر من أي مرحلة أخرى عن النضال في سبيل استقلال وشرف وعظمة وطنه والعالم العربي بأسره

قال آية الله الخميني

الرئيس عبدالناصرهو أعظم عربي ظهر في عصرنا ووفاته خسارة عظيمة للعالم الإسلامي وللعلاقات بين مصر وايران. لقد كان أقرب زعيم لثورتنا عندما كنا مطاردين من الشاه. لقد كان أول شخص وجهت اليه التحية وترحمت عليه عقب وصولي إلى ايران بعد الثورة.

قال نلسون مانديلا

كان لدي موعد قد تأخر ربع قرن مع رجل رفعت رأسي من بعيد كي يراه ثم حالت ظروف قاهرة بينه وبيني لألقاه، وحين جئت إلى مصر فقد كان من سوء حظي أن جمال عبدالناصر لم يعد هناك سأزور في مصر ثلاثة أماكن الأهرامات والنيل العظيم وضريح الرئيس جمال عبدالناصر.

قال فيدل كاسترو

ان وفاة عبدالناصر خسارة فادحة للعالم وللحركة الثورية العربية في وقت تحاك من حولها مؤامرات الأمبريالية. لقد مات ثوري فذ من قادة القرن العشرين.

قال الدكتور طه حسين

أبدا لم تلهث الكلمة وتترنح في مواجهة موقف ما مثلما حدث لها حينما صك أسماعها نبأ وفاة جمال عبد الناصر! أبدا لم يواجه الأديب والمفكر والفنان تجربة قاسية تمرد فيها عليه خياله وتفكيره وفنه.. مثلما حدث له وهو يقف وجها لوجه أمام الخبر المذهل: اختفاء جمال عبد الناصر من مسرح الحياة. لقد فاجأنا خبر وفاة عبد الناصر فنغص حياتنا تنغيصا لا نعرف له مثيلا. لقد كنا نرجو_ بل كنا نثق _ بأن الرئيس جمال عبد الناصر سيمد له في الأجل لتحقيق أهداف الوطن، وهي مهمة لم تتح لأحد من قبل. فهو قد حاول موفقا إلي أبعد الحدود إلغاء الطبقات

فؤاد سراج الدين باشا رفض قانون الأصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية

فؤاد سراج الدين باشا
رفض قانون الأصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية

والأخذ بيد الضعفاء والفقراء، والمساواة الكاملة بين المواطنين، وحاول شيئا ما أظن أنه حوول من قبله، وهو أن يلائم بين الاشتراكية والديانات السماوية، فأدخل في بلادنا اشتراكية لا تمس الإسلام ولا تمس المسيحية، ولا غيرهما من الأديان بأذى ولو من بعيد. وأشهد أنني عرفت الرئيس جمال عبد الناصر منذ أوائل الثورة، واتصلت بينه وبيني مودة كانت في غاية الإخاء وفي غاية المتانة. لقد كان صديقا صدوقا، وأخا حميما، وكان بارا عطوفا على كل المواطنين.