لا مستقبل لحكم الاسلام السياسي في العراق

حل الجيش الوطني العراقي كان خطأ تاريخيا لانه فتح ابواب العراق

د. ماجد السامرائي

يتحدث التاريخ الأوروبي كيف فتك الحكم الثيوقراطي الكهنوتي المسيحي بحياة شعوب أوروبا وحوّلها الى جحيم من التخلف والجهل والعبودية والتعصب والتعالي وافتعال الحروب الخارجية.لكن قيود الدين وهيمنة رجاله على السياسة واضطهاد الشعوب دفع بها للثورة الشمولية وكانت الثورة الصناعية واحدة من نتائج التحرر من كابوس سيطرة رجال الدين على الحكم وهكذا قدمت أوروبا للعالم أروع انتاج للحضارة المدنية وعادت المسيحية الى معابدها الكنسية واختصرت في الحكم على مساحة تقدربأقل من نصف مترمربع وعدد سكانها قرابة )800( نسمة في مدينة روما تحت راية دولة الفاتيكان الحالية.وحاولت مؤسسة الازهر الاسلامية في مصر ان تجد لنفسها طريقا شبيها لكنها اخفقت في ذلك، ولم تضع حركة النهضة التنويرية العربية لجمال الدين الافغاني ومحمد عبده الدين الاسلامي كآديولوجية حاكمة متحكمة بالسلطة بل جعلته ملهما للحرية والعدالة، لكن العرب بعد ان خيم عليهم الاستعمار الاستيطاني وشعروا إنهم تحت عبودية مقيتة، أصبح رد الفعل عندهم قاسياً واعتقدوا إن آديولوجية الدين تلهمهم للتحرر واعتقدت بعض نخبهم بأن الدين هو الحل لمشاكل المجتمع وان سلطة الاسلام هي الملاذ الأخير للعرب مستثمرين رصيد التاريخ العربي وسلطته الاسلامية رغم ما حمله من صراعات وخلافات في الفقه والحكم.في حين وجد من تشبث بالقومية العربية إنها ملاذ للتحرر والديمقراطية والعدالة. لكن القومية انتجت رموزا للبطولة الفردية تحولت الى دكتاتوريات مستبدة، وتحوّل الدين الى ملاذ للعصبية والتطرف والطائفية.

واليوم وبعد قرن من الزمان لم تقدم أحزاب وهيئات ومنظمات الاسلام السياسي في المنطقة نموذجا أوليا مشرقا لبناء الحياة فهاهي تجربة طالبان في افغانستان ووليدتيها »القاعدة وداعش« قدمت الصورة المنبوذة المشوهة المتطرفة للاسلام.والتجربة الخمينية في ايران قدمت انموذج »ولاية الفقيه« كتعبير عن الحكم الاسلامي المذهبي لكنه في خدمة الدولة القومية الفارسية اما النموذجان السعودي والتركي فانهما يشكلان الوجه الطائفي »السني« مقابل الوجه »الشيعي« وشكلت تجربة الاخوان المسلمين في مصر أسوأ مثال لحكم الاسلام السياسي، وقبلها وحالياً

الجيش العراقي كان حله خطأ تاريخيا

الجيش العراقي كان حله خطأ تاريخيا

تشكل تجربة حكم الاسلام السياسي في العراق مثالا سلبياً لا يقتدى بل أوصل الناس الى النفور بسبب النتائج الكارثية التي جناها العراقيون على مستوى الأمن والخدمات وفقدان العدالة وسيادة المنهج الطائفي والتطرف وشيوع الكراهية بدلا من السلم الاجتماعي. إذا كان )حزب الدعوة( يمثل العمود الفقري لتجربة »الاسلام السياسي« في العراق فإن هذا الحزب لم يقدم مشروعاً مباشراً »للدولة الاسلامية الشيعية« وظل غامضاً في دعوته في الحكم، واستظل بـ»الدستور العراقي« المبهم والضبابي حيث تستطيع أن تكيفه كما تريد سواء أكان الحكم إسلاميا شيعياً أو سنياً كردياً أم عربياً لكنه لا يقبل بالحكم »العلماني« فالاسلام وفق الدستور العراقي هو دين الدولة ويضمن الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي«. الدستور حمل من الضبابية ما سمح بتطبيقات تطيح بالمدنية والديمقراطية الليبرالية، لكن التشريعات والقوانين اللاحقة لم تتمكن من خرق ثوابت »الاسلام السياسي الشيعي« رغم تحالفات القادة السياسيين »الشيعة« مع الأكراد والعرب السنة، ولقد رحبت وشجعت قيادات الأحزاب الشيعية بشراكة )الحزب الاسلامي العراقي( لأنه لا يتقاطع في المنهج مع حزب )الدعوة( بل هما مكملان لبعضهما في الفكر والنظرية وقد يختلفان في المنهج التطبيقي. لقد ظلت فكرة حكم »الاسلام السياسي« تخدم حزب الدعوة والأحزاب التي تقودها رموز شيعية مثل )مقتدى الصدر وعمار الحكيم( ولم يظهر على المسرح السياسي مشروع حكم واضح للشيعة من قبل العناوين السياسية لهذه الأحزاب الثلاثة إضافة لحزب الفضيلة وكذلك التشكيلات الجديدة المسلحة المرتبطة آديولوجياً »بولاية الفقيه« وهي أكثر صراحة من غيرها في التزام مشروع »الاسلام الشيعي« الحاكم في إيران، وتعتبرنفسها على خط تلك التجربة. إن مشروع »الحكم الشيعي« ارتبط بالفوز الانتخابي ووفق الغالبية في البرلمان وظلت لعبة الحكم مرتبطة بهيمنة تلك الأحزاب الدينية المذهبية. وحين توفرت فرصة فوزالمشروع الوطني اللاطائفي عام 2010 بقيادة أياد علاوي رغم إنه ينتمي الى الطائفة الشيعية الكريمة وشعر بقدرته على إنهاء سيطرة »الاسلام السياسي« على الحكم وضع عليه الفيتو الإيراني وبموافقة أمريكية. كما منع التيار »العلماني والليبرالي« من أخذ فرصته المتمثلة ببعض الأحزاب والكتل الناشئة بعد عام 2003 وكانت حملة الاسلاميين التشكيكية ضد تجمعات هذا التيار قوية مشككة بقدرتهم على كسب الجمهور الواسع، مع إن العراقيين لم يكن لديهم إرث سياسي مع الأحزاب الدينية عموماً، فمنذ تشكيل الدولة العراقية كان الملوك والحكام ينتمون الى »العلمانية والليبرالية« بمفهومها العام الذي يضع للإسلام مكانة خاصة كمصدر من مصادر التشريع في الحكم لكنه لم يكن حكماً طائفياً مذهبياً. مع ذلك كله فقد توفرت فرصة تاريخية هائلة لأحزاب الاسلام السياسي »الشيعي« من خلال الدعم الداخلي المتمثل بمرجعية السيد )السيستاني( والدعم الإقليمي والدولي المزدوج من طهران وواشنطن، لكن تجربة حكمهم لا يمكن الدفاع عنها، فلم يقفوا بوجه حملات تهديم الدولة العراقية التي نفذها المحتل الأمريكي، ولم ترس دعائم النظام والقانون والعدالة على الجميع ولم يحافظوا على مؤسسات وطنية تعزز مكانة السيادة والاستقلال مثل »الجيش الوطني العراقي« ورحبوا بحله، وذلك كان خطأ تاريخياً لأنه فتح أبواب العراق وهدم سياجه الوطني أمام القوى والجهات الطامعة فيه وبأهله، وشعرت »الأحزاب الشيعية« إن بديل ذلك كان في السنوات الأولى من حكمها هو المباشرة بإنشاء ميليشيات »مسلحة« تابعة للأحزاب تورط بعضها في مستنقع العنف وأصبحت طرفاً فيه مما أثار الخوف والرعب عند الناس بدل إشاعة الإطمئنان والأمن، رغم ما حصل في السنوات اللاحقة من دمج لبعض الفصائل الحزبية المسلحة بقوات الشرطة والأمن والجيش.  وكان من أخطر ما أدت إليه حالة الانفلات الأمني ما حصل أثر تفجير مرقدي الأمامين )علي الهادب وحسن العسكري( عام 2006 حيث نفذت سياسة »الفصل المذهبي« السني والشيعي على محافظات العراق العربية وبناء أسوار الفصل داخل العاصمة )بغداد( مما دفع الى الهجرة الداخلية قبل أن يستكملها »داعش« بالاحتلال والطرد والعنف والقوة..ولم تتمكن حكومة »الاسلام السياسي الشيعي« أن تبني ثقافة التسامح وعدم إقصاء الآخر وسيادة »الهوية العراقية« بدل هوية المذهب والدين، بل تم تعزيزوشحن العواطف الدينية والمذهبية لكي ينتصر هذا الحزب أو ذاك. وبعد هذه التجربة المريرة أصبحت الأحزاب »الشيعية« في وضع حرج أمام معطيات الوضع العراقي الجديد لما بعد »داعش« فلا يمكن على المستوى الفكري والنظري التمييز بين إسلامين »شيعي وسني« فكلاهما قسّم المجتمع، والمتطرفون في جناحي الاسلام السياسي دمروا الحياة العراقية، وأشاعوا العنف والكراهية، وشعار الانتصار على داعش وحده لن يداوي الجرح الكبير، لأن المقاتل العراقي العائد من جبهات القتال يريد أن يرى عائلته بأمان وخير، ويستطيع ضمان وظيفته وراتبه لمعيشة عائلته، فالتجييش المتجدد على أي شعار سيكون ؟ وأية معركة عسكرية منتظرة، فالمعركة الحقيقية هي معركة التنمية واعادة الإعمار والبناء، فأين موقع تلك الأحزاب المجيّشة بالعساكر من ضمير المواطنين، فالناس تريد السلام والاستقرار والحياة. إن التشبث بشعار »الاسلام السياسي الشيعي« يعني التشبث بالفشل، وسيكون بعيداً عن حس المواطن العراقي.

ان تجربة الحكم الاسلامي الشيعي في العراق مشوشة ومضطربة والأهم من ذلك إنها فشلت أمام الجمهور العراقي الشيعي وغير الشيعي. ولم يعد أمام أحزابها وخصوصاً )حزب الدعوة( سوى المراجعة النقدية الجريئة وهناك قيادات وكوادر واعية وقادرة على ذلك، جوهر المراجعة هو التخلي عن »آديولوجية« الاسلام السياسي لأنها فشلت بتجربة الحكم لخمسة عشر عاماً ووصلت الى طريق مسدود. كما إن هذا الشعار الديني الطائفي سيكون محاصر إقليمياً إلا من جهة واحدة معروفة، وكذلك دولياً من قبل أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بقيادة )ترامب( الذي لا يفرق بين جناحي الاسلام السياسي في العراق والمنطقة، ولن يقتنع العالم بأن الاسلام »السني« هو مرجعية الإرهاب لوحده، رغم إن الوقائع الحالية تثبت ذلك، لكن منبع التطرف واحد. أمام الأحزاب الإسلامية فرصة التحول من الأدلجة الاسلامية نحو الوطنية العراقية المعتدلة، وبلورة مشاريعها على هذا الأساس في شعاراتها وأساليب تعبئتها، هناك من يقول إنها غير قادرة على مثل هذه الخطوة لأنها ستفقد مبررات حكمها، لكن ذلك غير صحيح لأن العملية السياسية القائمة ودستورها ونظمها غير مرتكزة على »الحكم الاسلامي الشيعي« بصورة واضحة، المحور الرئيسي في التحول التاريخي هو عند حزب الدعوة إن أرادت زعامته ذلك أما زعامات رجال الدين »الشيعة« فلهم مكانتهم الاعتبارية والجمهور العراقي هو صاحب الكلمة الأخيرة في تلك المكانة.