لبنان موعود بالنفط والغاز-إسرائيل تحاصره وعواصف المنطقة تكاد تغرقه

غسان الحبال

إحتفل لبنان مؤخرا بقرار دخوله نادي الدول المنتجة للنفط والغاز، وقد تمثل الإحتفال بتوقيع رخصتي الاستكشاف والإنتاج في البلوك 4 و9 من المنطقة الاقتصادية الخالصة في مياهه الإقليمية، وتسليم عقود تلزيم البلوكين لممثلي كونسورتيوم الشركات العالمية الثلاث التي وُقِّع العقد معها، »توتال« الفرنسية، و»إيني« الإيطالية و»نوفاتيك« الروسية.

وفيما شكل هذا الاحتفال ما يمكن وصفه بالغطاء الدولي لاستثمار لبنان ثروته النفطية والغازية، إذ شارك فيه عدد من سفراء الدول الكبرى والسفراء العرب، أعلن رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون أن لبنان »دخل التاريخ إلى مرحلة جديدة«.

وقال مصدر معني في شركة »توتال« إن الاتفاق يشمل منطقتي الامتياز 4 و9 الواقعتين قبالة سواحل لبنان في الجزء الشرقي من البحر المتوسط، موضحا أن أولوية الكونسورتيوم تتمثل في حفر أول بئر استكشافية في المنطقة رقم 4 عام 2019، مؤكدا أن الشركة »تعزز وجودها في منطقة شرق المتوسط عبر دخول منطقتي امتياز للتنقيب البحري في لبنان«، ومشيرا إلى أن الكونسورتيوم الدولي تقوده »توتال« وستتولى تشغيل المشروع الذي تبلغ حصتها فيه 40 في المئة في مقابل 40 لـ»إيني« و20 في المئة لـ»نوفاتيك«،

هل تسمح أزمات المنطقة للبنان بتحقيق وعوده النفطية

هل تسمح أزمات المنطقة للبنان بتحقيق وعوده النفطية

وذكر المصدر أخيرا أن »توتال« وشركاءها »على دراية كاملة بالنزاع الحدودي بين إسرائيل ولبنان في الجزء الجنوبي الذي لا يغطي سوى منطقة محدودة جداً من الامتياز رقم 9، وأن البئر الاستكشافية في المنطقة رقم 9 لن تتداخل على الإطلاق مع أي حقول أو مكامن محتملة تقع جنوب المنطقة الحدودية«.

ويأتي هذا التعليق من »توتال« ليؤكد أن الطريق نحو تحقيق الوعود النفطية الزهرية التي يحملها المشروع للإقتصاد اللبناني، على الرغم من أهميته وتاريخيته، لن تكون سهلة ولا مفروشة بالورود، بل أنها ستكون محفوفة بالمخاطر والتهديدات الأمنية التي من شأنها تأخير تحقيق استمتاع لبنان وأهله بنعمة النفط والغاز الى سنوات قد تتعدى العشر التي تتطلبها عمليات التنقيب والاستخراج والإنتاج.

المخاطر تحاصر لبنان

لم تنتظر إسرائيل توقيع لبنان لتراخيص الاستكشاف والإنتاج مع الشركات الفرنسية والإيطالية والروسية الذي تم في التاسع من فبراير/شباط 2018، حتى تثير موضوع النزاع على الحدود البحرية التي يلامسها البلوك 9، لا بل أن الحرب الاسرائيلية ضد سياسة لبنان النفطية بدأت لحظة إقرار الحكومة اللبنانية في شهر ديسمبر/كانون الاول من العام 2017 الماضي، منح رخصتين للتنقيب عن النفط لشركات »توتال« و»إيني« و»نوفاتك« في المناطق التالية:

 بلوك 4 بعمق يتراوح بين 686 و1845م تحت سطح البحر )شمالا(

 بلوك 9 بعمق يتراوح بين 1211 و1909م تحت سطح البحر )جنوبا(.

وجاء هذا الطرح ليثير ردة فعل إسرائيلية غاضبة سببتها حساسية موقع البلوك 9 الذي يحاذي حدود المياه الإقليمية لفلسطين المحتلة، علما أن لبنان يخوض نزاعا قديما مع إسرائيل حول منطقة في البحر تمتد بمحاذاة ثلاث من مناطق الامتياز، إحداها البلوك 9، وذلك حين اكتشفت الشركة الأميركية »نوبل للطاقة« في العام 2009 كمية من احتياطي النفط والغاز في الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، تبلغ مساحته 83 ألف كم مربع تنتشر في المياه الإقليمية لكل من سوريا ولبنان وقبرص وفلسطين المحتلة.

ويقع البلوك 9 والبلوك 8 اللبنانيان في نقطة إشتباك يطلق عليها »منطقة نزاع دولية« تبلغ مساحتها 874 كيلومتراً، ويتداخلان مع البلوك 2 و1 الاسرائيليين، وبحسب الترسيم اللبناني، حدد لبنان حدوده البحرية المحاذية للمياه الاقليمية الاسرائيلية بنسبة تقارب المئة درجة عامودياً، ما جعل البلوكين ينتميان إلى مياهه الإقليمية، بينما إختارت إسرائيل تجاوز المسح الجغرافي اللبناني للمياه، فاجتاز ترسيمها للحدود البحرية المياه اللبنانية بنسبة 23 درجة، ما أعاد البلوكين إلى مياهها.

وعام 2011 اعلنت الحكومة الاسرائيلية عن شكل خريطتها البحرية مع لبنان، بينما كان لبنان قد ارسل عام 2010 رسالة إلى الأمم المتحدة تضمنت خريطته البحرية التي يريد الاعتراف بها دولياً.

التهديدات الإسرائيلية

تمثلت التهديدات الإسرائيلية بالتصريحات التي اطلقها وزير الدفاع الإسرائيلي افيغدور ليبرمان عشية توقيع لبنان للإتفاق النفطي، والتي اعتبر فيها ان البلوك 9 يقع ضمن السيطرة الاسرائيلية، وقد هدد ليبرمان الشركات التي ستبدأ بالتنقيب عن الغاز والنفط في هذا البلوك بأنها ستواجه معارضة اسرائيلية، وقال في كلمة ألقاها أمام المؤتمر الدولي السنوي لمعهد الامن القومي في تل أبيب، أن البلوك 9 من ممتلكات اسرائيل، مهدداً لبنان بدفع »ثمن باهظ في حال اقترف خطأً من هذا النوع«، فيما رد المسؤولون اللبنانيون بالتأكيد على »حق لبنان في هذا البلوك واللجوء الى كل الخيارات للدفاع عن حقوق اللبنانيين في النفط والغاز«.

وتبدي اسرائيل نيّات حقيقية لشن حرب وتنفيذ تهديدها تجاه لبنان، إذ صدرت جملة تصريحات لوزير التربية الاسرائيلي نفتالي بنت، والمتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي، يتعهدان فيها بتدمير لبنان في حال تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة له، الأمر الذي يشير بوضوح إلى عدم سعي إسرائيل القبول بأي تسوية تدفعها للاستغناء عن البلوكين 8 و9 اللبنانيين، بل تريد من نشاطها الديبلوماسي، اقناع لبنان عبر الخطوط الديبلوماسية بالحلول السلمية والتخلي عنهما وعدم الانجرار الى الحرب، وهو ما اشار اليه الديبلوماسي السابق في وزارة الخارجية الاسرائيلية اران اتيسون الذي قال في اواخر عام 2017: »إن موضوع البلوكات النفطية المتنازع عليها، معقد وحساس، ويحتاج إلى ديبلوماسية وخطط أمنية وخيارات قانونية، وبطبيعة الحال فإن التوترات في أوجها مع لبنان وسوريا وإيران وحزب الله، ويجب توخي الحذر عند التعامل مع هذه المسألة، ففي الماضي كانت إسرائيل على حق في العمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة حول الملف، ومع قيام روسيا بدور أكثر أهمية في الشرق الاوسط فقد اصبح هناك فرصة جديدة للديبلوماسية«.

خارطة تبين البلوكات النفطية في مياه لبنان الاقليمية بما فيها البلوك 8 و9 موضوع النزاع مع اسرائيل

خارطة تبين البلوكات النفطية في مياه لبنان الاقليمية بما فيها البلوك 8 و9 موضوع النزاع مع اسرائيل

أميركا وروسيا تطمئنان

وجاءت لقاءات مساعد وزير الخارجية الأميركي دايفيد ساترفيلد مع المسؤولين اللبنانيين التي واكبت هذا التصعيد، لتساهم في تهدئة النفوس اللبنانية بعد أن عرض لمعالجة النزاع على الحدود البحرية مع إسرائيل، في معرض مقترحاته لمعالجة النزاع اللبناني الإسرائيلي حول بناء الدولة العبرية الجدار الاسمنتي على الحدود، والذي يشمل نقاطاً تعود ملكيتها إلى لبنان.

كما دلت المؤشرات إلى أن روسيا لن تقف موقف المتفرج من التطورات المتعلقة بالطاقة في المنطقة، إذ أوعزت رئاسة الوزراء الروسية لوزارة الدفاع ببدء مباحثات مع نظيرتها اللبنانية بغيّة توقيع اتفاقية للتعاون العسكري بين البلدين، تنص في بعض بنودها إجراء مناورات عسكرية مشتركة والاستخدام المتبادل لمطارات وموانئ البلدين من قبل الطائرات القتالية والسفن الحربية لكليهما.

وقد جاء قرار الحكومة الروسية على خلفية التوتر الحدودي البري والبحري بين لبنان وإسرائيل.

واذا أخذنا في الاعتبار إهتمام روسيا بالتدخل في سوريا كونها تشكل منفذا رئيسيا لتصدير نفط المنطقة وغازها إلى أوروبا، يمكن أن نستنتج أن عزم الكرملين على توسيع النفوذ في المنطقة ليشمل لبنان أيضاً، إنما يأتي استكمالاً لاستراتيجية الطاقة الروسية في الفضاء بين البحرين الأسود والأبيض المتوسط، ومن المنطقي الافتراض أن الروس باتوا يشعرون بأن أمن لبنان أصبح جزءاً من أمن سوريا، وفي النتيجة هو جزء من أمنهم.

واستناداً إلى هذه الأسس تبدو طموحات روسيا في المشاركة في مناقصات الحكومة اللبنانية لمشاريع النفط والغاز واقعية، بقدر الاستنتاج أن رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو لم ينجح في إقناع فلاديمير بوتين بدعم موقف تل أبيب من قضية البلوك 9، ويبدو أن الكرملين بقراره تعزيز التعاون العسكري مع لبنان، عازم على المضيّ قدماً في جعله بمأمن من التهديدات الإسرائيلية.

لبنان..إيران..إسرائيل

ويبدو أن الخلاف اللبناني الإسرائيلي حول ترسيم الحدود البحرية والتداخل بين البلوكات النفطية، لن يكون السبب الحقيقي والوحيد للمخاطر التي تهدد مشروع لبنان لإنتاج النفط والغاز، بدليل أن إسرائيل تعترف بإمكانية تجاوز الخلافات عبر الوساطات الدولية، حيث ادعت مصادر سياسية إسرائيلية أن »سبب التوتر الذي يثيره مسؤولون كبار في لبنان ليس الخلافات على الحدود أو على موقع آبار الغاز بل هو الاعتراض الإسرائيلي على بناء مصانع سلاح إيرانية على الأراضي اللبنانية«، وقالت هذه المصادر إن »الخلافات حول الحدود والآبار قابلة للتفاهم من خلال وساطة أو تحكيم دوليين..إلا أن المشكلة الأساس كانت وستبقى في نشاط »حزب الله« العسكري لصالح المصالح الإيرانية، فهو يريد بناء مصنع صواريخ وأسلحة دقيقة، وإزاء الرد الإسرائيلي الحاد والتهديد الإسرائيلي بأننا لن نسمح ببناء هذا المصنع أو غيره، يحاول »حزب الله« جر القيادة السياسية والعسكرية اللبنانية إلى جانبه ويغطي على قضية مصانع السلاح بقضية الحدود البرية والبحرية«.

كما جاء إسقاط صاروخ إيراني لطائرة حربية إسرائيلية كانت تغير على مواقع إيرانية في الأراضي السورية يوم العاشر من شباط/فبراير 2018، ليعزز المخاوف الأمنية اللبنانية من إمكانية أن يؤدي التصعيد الإيراني الإسرائيلي في سوريا إلى تفجير أمني يطال لبنان الذي يسعى من دون طائل لينأى بنفسه عن أزمات المنطقة في محاولة يائسة لإنقاذ اقتصاده ومواجهة التحديات الداخلية والتغلب على الأزمات الاجتماعية والحياتية والبيئية التي تكاد تدمره.