رفض عربي إسلامي أوروبي شامل وتشكيك في قدرة واشنطن على فرض صفقة القرن

رفض عربي إسلامي أوروبي شامل وتشكيك في قدرة واشنطن على فرض »صفقة القرن«

ترامب والقدس: الصفعة!

 محمد قواص *

لم تستفق منطقة الشرق الأوسط من العاصفة التي أحدثها إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتراف بلاده بالقدس عاصمة لإسرائيل.وما أشيع أنه إقدام أميركي هذه المرة على إحداث انقلاب في المقاربة التي يجب من خلال تناول مسألة الصراع العربي، اتضح أنه يصب زيتا أميركيا هذه المرة، على نار الأزمة المشتعلة منذ توقف المفاوضات بين الطرفين، ومنذ تفاقم موجات الاستيطان التي تقضم الأراضي الفلسطينية وتهدد الإمكانات العملية لقيام دولتين كحل للصراع.

وقد أقدم الرئيس الأميركي على اتخاذ خطوة باتجاه القدس رفض رؤساء اميركيون سابقون الإقدام عليها، منذ أن صوّت الكونغرس الأميركي عام 1995 على قانون يطلب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ويطالب بنقل السفارة الأميركية إليها.وكان المشرع الأميركي آنذاك يفرّق ما بين الموقف المبدئي الذي تريد الولايات المتحدة اتخاذه بحكم الدعم التاريخي للولايات المتحدة لإسرائيل، وبين الموقف العملي الذي على ضوئه يتم اختيار التوقيت المناسب لتنفيذ القانون.ولقد أدخل المشرع على القانون بندا يجيز لرئيس الولايات المتحدة تأجيل القانون كل 6 أشهر في حال وجد أن تنفيذ هذا القرار يسبب خطرا للأمن الاستراتيجي للولايات المتحدة.وعليه رفض الرؤساء منذ التصديق على القانون تنفيذ القرار ولجأوا جميعا إلى التأجيل لأنهم كانوا يعتبرون أن التوقيت غير مناسب وأن مصالح الولايات المتحدة وأمنها

تعليق : ترامب اتخذ قرارا رفض اتخاذه رؤساء أميركيون سابقون

تعليق : ترامب اتخذ قرارا رفض اتخاذه رؤساء أميركيون سابقون

الاستراتيجي ستكون في خطر جراء الانتقال من النظري الى العملي بصدد هذا القرار.

وعلى الرغم من أن إدارة الرئيس الأميركي أوحت أن القرار الذي اتخذه ترامب يحظى بدعم عربي، إلا أن اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عقد في القاهرة بعد أيام على إعلان ترامب قراره، أفصح عن غضب من قبل النظام السياسي الإقليمي العربي يعبر عن غضب انتشر في الشوارع العربية استنكارا للموقف الأميركي.وقد تكامل الموقف العربي من موقف لاحق لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي رفضت القرار الأميركي.وجاء الرفض العربي الإسلامي مدعوما برفض دولي تمثل بتصويت 14 دولة عضو في مجلس الأمن الدولي من أصل 15 ضد القرار الأميركي، فيما حظي رفض القرار بإجماع شبه كامل من قبل دول العالم الممثلين في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفيما أكثرت الإدارة الأميركية من الضجيج حول ما قيل إنه »صفقة القرن« في الشرق الأوسط قبل أسابيع من إعلان ترامب حول القدس، وفيما نشطت زيارة الموفدين الأميركيين المعنيين بإنتاج الصفقة الموعودة، وفيما التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل ذلك عدة مرات وبمناسبات مختلفة مع الرئيس الأميركي معولا على المقاربة الثورية التي بإمكان الرئيس الأميركي اعتمادها لوقف الانسداد الحاصل في هذا الملف، فإن »صفعة القدس« جاءت لتطيح بكل الآمال التي كان بالإمكان التعويل عليها لإحداث نقلة نوعية في أكثر الملفات سخونة في الشرق الاوسط.

الخطة المسربة

واعتمادا على المواقف العربية والإسلامية والدولية والشعبية اتسم الموقف الفلسطيني بالصلابة والحزم في رفض قرار ترامب من جهة، وفي اعتبار أن الولايات المتحدة لم يعد باستطاعتها أن تلعب دور الوسيط المناسب لحل صراع في هذا الشأن.وفيما كرر ترامب أن اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل يخرج القدس من أي مفاوضات، اعتبر دبلوماسية السلطة الفلسطينية أن الإعلان الأميركي يضرب طاولة الملفات برمتها، وأن الموقف الأميركي الحالي يتناقض مع المواقف الأميركية السابقة التي أعلنت في رسائل ووثائق واضحة أن موضوع القدس يخضع لمفاوضات المرحلة النهائية وأن تقرير مصير المدينة يقرره الطرفان.وتضيف مواقف السلطة أن الإعلان الأميركي يتناقض مع المواقف الإسرائيلية السابقة التي اعترفت أن ملف القدس كما ملف اللاجئين هو من ملفات التفاوض النهائي وفق اتفاقية اوسلو.

ورأى محللون أن الإعلان الأميركي بشأن القدس لا يقدم خدمات سلم لإسرائيل بل يبعد أي آفاق لقيام تطبيع سلمى كامل مع النظام السياسي العربي وفق المبادرة العربية التي اعدتها القمة العربية في بيروت لعام 2002.ورأت مراجع أوروبية أن موقف ترامب بشأن القدس قد عقّد الوضع في المنطقة التي لم تتخلص بعد من تنظيم داعش وأن هذا القرار سيكون مادة جديدة بإمكان الإرهاب النهل منها من أجل إعادة تعويم قواه.

وترى مصادر مصادر فلسطينية مطلعة أن ملف التسوية الإسرائيلية الفلسطينية ينزلق إلى تأزم حاد، وأن الأجواء السلبية التي أطلقها اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 كانون الأول/ديسمبر الماضي، بما في ذلك عزم واشنطن نقل سفارتها إلى القدس، قد تفاقمت مذاك، ولم يصدر عن الولايات المتحدة ما يمكن أن يخفف من غضب الفلسطينيين الذين سيذهبون إلى اتخاذ خطوات تصعيدية متدرجة.

وتحدثت المعلومات عن أن الطرف الفلسطيني قد تبلغ مؤخرا عبر وسيط ثالث تفاصيل الخطة التي تستعد الإدارة الأميركية لإعلانها.

وكشفت المعلومات أن واشنطن تدعو إلى قيام عاصمة فلسطينية في ضواحي القدس متصلة بما أشيع سابقا عن »أبو ديس« كأساس لهذه العاصمة من خلال ضم قرى وبناء أحياء تلتحق بالعاصمة العتيدة.

وتضيف المعلومات أن الخطة تشمل خرائط معقدة تشق داخلها ممرات فلسطينية تتجنب التجمعات الاستيطانية ويصل بعضها إلى المسجد الأقصى.وتتحدث الخطة عن حلول انسانية للفلسطينيين تقود إلى إلغاء وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين )الاونروا( نهائيا.

تعليق قرار ترامب بشأن القدس وضع الولايات المتحدة في عزلة دولية غير مسبوقة

تعليق قرار ترامب بشأن القدس وضع الولايات المتحدة في عزلة دولية غير مسبوقة

والظاهر أن مضامين الخطة التي تسلمتها القيادة الفلسطينية بشكل غير رسمي تقف وراء قرارات منظمة التحرير الفلسطينية الأخيرة في شباط/فبراير الماضي، ببدء اتخاذ إجراءات فعلية بشأن التوجه لمجلس الأمن الدولي وتعليق اعترافها بإسرائيل وذلك، بما اعتبر تأكيدا لاستمرار الأزمة بينها وبين الإدارة الأمريكية.

وقد اتخذت هذه القرارات عقب اجتماع للجنة التنفيذية للمنظمة برئاسة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مدينة رام الله والذي يُعد الأول منذ انعقاد المجلس المركزي للمنظمة في 14 و15 من كانون الثاني/يناير الماضي.

وكانت قرارات المجلس المركزي جاءت ردا على قرارات ترامب بشأن القدس وتضمنت القرارات عدم القبول بوساطة واشنطن في رعاية عملية السلام.

وتحدثت المعلومات عن أن الطرف الفلسطيني قد تبلغ في الشهر الماضي تفاصيل الخطة التي تستعد الإدارة الأميركية لإعلانها.

وتوضح بعض تفاصيل الخطة أن إسرائيل قد تقبل بالانسحاب من بعض أحياء القدس لتكون جزءا من عاصمة الدولة الفلسطينية المقبلة، على أن لا تكون البلدة القديمة وبعض الأحياء المحيطة جزءا من العاصمة الفلسطينية، وبالتالي فإن البلدة القديمة وأحياء محيطة مثل جبل الزيتون وسلوان والشيخ جراح وغيرها تكون جزءا من القدس عاصمة إسرائيل.

ويبدو أن الخطة الأميركية لا تمس الكتل الاستيطانية وتؤجل التفاوض حولها إلى مرحلة لاحقة على إعلان الدولة الفلسطينية، بما يعني أن الخطة الأميركية تعترف أن الخطة ليست وصفة لسلام نهائي، بل خطوة قد تدخل الطرفين في صراعات جديدة حول قضايا كبرى وقفت حتى الآن حائلا دون التوصل إلى التسوية التاريخية المتوخاة.

وقالت اللجنة في بيان إنها »طلبت من الحكومة البدء فورا بإعداد خطط ومشاريع لخطوات فك ارتباط مع الاحتلال الإسرائيلي على المستويات كافة«.

وأضافت أنها »قررت تشكيل لجنة عليا لتنفيذ قرارات المركزي بما يشمل تعليق الاعتراف بدولة إسرائيل لحين اعترافها بدولة فلسطين على حدود عام 1967 وإلغاء قرار ضم القدس الشرقية ووقف الاستيطان«.

وتقول مصادر فلسطينية إن واشنطن تحاول التغطية على ما اقترفته بشأن القدس من خلال اتهام السلطة الفلسطينية بعرقلة مساعي العودة إلى طاولة المفاوضات وقال الناطق الرئاسي الفلسطيني نبيل أبو ردينة في هذا الصدد إن »هذه المزاعم لا تعدو كونها تحريضاً مفضوحاً وأقوالاً غير مسؤولة«، مؤكداً »أننا لم نرفض أي عرض يهدف إلى تطبيق حل الدولتين، ولم نرفض التفاوض مبدئياً ونتمسك بمفاوضات جادة طريقاً للوصول إلى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس على حدود 1967، وهذا ما أكده الرئيس عباس في خطابه أمام المجلس المركزي، وفي لقائه الأخير مع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسيل«.وشدد على أن »المفاوضات الجادة تتطلب أولاً أن يُؤمن الطرف الآخر بحل الدولتين«.

ويبدو أن الخطة الأميركية التي أثارت سخط الفلسطينيين واستدعت اتخاذ قرارات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، لا تمس الكتل الاستيطانية وتؤجل التفاوض حولها إلى مرحلة لاحقة على إعلان الدولة الفلسطينية، بما يعني أن الخطة الأميركية تعترف أن الخطة ليست وصفة لسلام نهائي، بل خطوة قد تدخل الطرفين في صراعات جديدة حول قضايا كبرى وقفت حتى الآن حائلا دون التوصل إلى التسوية التاريخية المتوخاة.

وأكدت اللجنة أنها ستتوجه إلى مجلس الأمن الدولي حيث أشار البيان إلى أن عباس سيلقي خطابا أمامه في 20 الشهر الماضي بدعوة من الكويت الرئيس الدولي للمجلس.

الخطة البديلة

وتقول مصادر فلسطينية أن الخطة التي وصلت إلى القيادة الفلسطينية قوبلت بخطة بديلة من قبل السلطة الفلسطينية تستند على إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 مع تبادل أراض يتيح احتفاظ إسرائيل بمستوطناتها بالضفة، وأن يتم الاعتراف بحدود دولة فلسطين كمقدمة

القيادة الفلسطينية تبحث فك الارتباط مع إسرائيل

القيادة الفلسطينية تبحث فك الارتباط مع إسرائيل

للاعتراف بالدولة الفلسطينية.غير أن مصادر محايدة أكدت أن الطرف الأميركي رد خطة السلطة مؤكداً أن الخطة الأميركية هي للتنفيذ وليست للتفاوض.

وكانت مصادر صحفية فلسطينية محلية قد نقلت أن المبعوث الأمريكي لعملية السلام جايسون غرينبلات قد أبلغ قناصل دول أوروبية معتمدين في القدس بأن خطة السلام الأمريكية التي يطلق عليها اسم زصفقة القرنس في مراحلها الأخيرة وستعلن قريبًا.

ونقلت المصادر غرينبلات إن الخطة الأميركية الجاري إعدادها تشمل المنطقة وإن »الفلسطينيين أحد أطرافها، لكنهم ليسوا الطرف المقرر في تطبيقها«.

وقال بيان اللجنة التنفيذية إن عباس زسيؤكد ثبات الموقف الفلسطيني على القانون الدولي والشرعية الدولية، وبما يضمن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطين المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو 1967«.

وشدد البيان على »الرفض الحازم لتهديدات وتصريحات )الرئيس الأمريكي دونالد ترامب( بأن القدس لم تعد مطروحة على طاولة المفاوضات، وأن الفلسطينيين أمام خيارين إما العودة لطاولة المفاوضات أو وقف المساعدات الأمريكية عن السلطة الفلسطينية«.

وتابع البيان زأن الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية لا تخضع للابتزاز والمساومة، وأن على الإدارة الأميركية أن تكف عن التعامل مع الجانب الفلسطيني بلغة الابتزاز والتهديد وسياسة الانحياز الأعمى لإسرائيلس.

وعلى الرغم من قيام عواصم أوروبية بالضغط على السلطة الفلسطينية بتأجيل إجراءاتها التصعيدية، إلا أن أجواء أوروبية عربية إقليمية ترى أن المقاربة الأميركية تمثل تحدياً للفلسطينيين كما تأتي متناقضة مع مضمون المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت لعام 2002، المتأسسة على مبدأ الأرض مقابل السلام، على النحو الذي يدفع الفلسطينيين إلى طرق أبواب دولية جديدة في محاولة لإيجاد آلية جديدة تكون بديلة للرعاية الأميركية الحصرية التي لم يعد الفلسطينيون يجدونها مقبولة بعد قرار ترامب بشأن القدس.

وتؤكد خبراء أوروبيون في شؤون الشرق الأوسط أن قرار ترامب قد أحرج المؤسسات الأميركية التي لم تكن تود الذهاب إلى هذه الدرجة وفي هذا التوقيت بشأن القدس التي تمثل للفلسطينيين والعرب قيمة تاريخية وعقائدية كبرى لا يمكن إغفالها.ويكشف هؤلاء أن الرئيس يمتلك الحق القانوني في الولايات المتحدة لتنفيذ قرار صادر عن الكونغرس ولكن الأسباب التي دفعت المؤسسات سابقا لعدم تنفيذ القانون ما زالت حاضرة.بيد أن هذه المؤسسات عليها العمل حاليا وفق المعطى الجديد والذي ما حاولت إدارة ترامب تسعى للتغطية عليه والدفاع عنه بالمكابرة، لا سيما من خلال الحديث عن خطة تفرض ولا تناقش من قبل الفلسطينيين.

بزنس ترامب

ولا شيء يدفع للاعتقاد أن رئيس الولايات الحالي بإمكانه أن يحقق في المسألة الفلسطينية ما لم يحققه أي رئيس أميركي سابق، ولا شيء في المضمون الفكري لدونالد ترامب ما يمكنه أن يكون لافتاً يتجاوز كفاءات بيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما في اجتراح أفكار خلاقة تخرج المأزق الفلسطيني الإسرائيلي من جموده.وما التلويح المُمل بـ »صفقة القرن«، سوى ضجيج يشبه ما أحدثته الحملة الانتخابية لترامب المرشح من صدمات اندهشت لها نُخب الولايات المتحدة السياسية والفنية والأدبية والتي ما انفكت تتساءل عن توقيت مغادرة هذا الرجل هذا البيت الكبير في واشنطن.

قبل أن يصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض كان قد أطلق وابلا من المواقف بشأن مسائل العالم.كان له رأي باتفاقية المناخ والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي ومواجهة الصين وتعديل الاتفاقات مع كندا والاتفاق النووي مع إيران وبحث جدار المكسيك والتعامل مع كوريا الشمالية…إلخ.وحين أطل على الشرق الأوسط وعد بغرور بأنه سيعمل على انتاج تسوية تاريخية بين الفلسطينيين والإسرائيليين متسائلا باندهاش عما يمنع ذلك فكل شيء قابل للحل والتسوية.ووفق نظرته التبسيطية لأمور الدنيا كما لأمور الولايات المتحدة الداخلية، انتخب الأميركيون هذا الرجل الظاهرة الذي أتى من عالم الأعمال متمرداً على النخب السياسية التقليدية فأطاح بمنافسيه الجمهوريين واحداً بعد الآخر قبل أن يطيح بالمنافسة الديموقراطية فيزيحها عن أبواب البيت الأبيض.

نفذ ترامب الرئيس أجندة »أميركا العميقة« في كافة الملفات الخارجية.انتهج نفس السياسة التقليدية الأميركية في مقاربة ملفات كوريا الشمالية وروسيا والصين، أعاد الاعتبار وفق ذلك للشراكة مع أوروبا ومع الحلف الأطلسي، صوّب سياسته حيال كندا والمكسيك، وبات الجدار

الشارع العربي ما زال يعتبر أن فلسطين قضية العرب الأولى

الشارع العربي ما زال يعتبر أن فلسطين قضية العرب الأولى

الموعود خاضعاً لوجهات نظر.وحتى المقاربة الجديدة للملف الإيراني لا تعدو كونها امتدادا لنهج المؤسسات الأميركية الأمنية والسياسية والعسكرية والتي منحت الرئيس السابق باراك أوباما هامشاً أوسع لتمرير اتفاق نووي لا يتناقض مع الهدف الأميركي النهائي بمنع إيران من إنتاج قنبلتها النووية سواء عن طريق الاتفاق أو عن طريق الردع.

تسلل دونالد ترامب من بين الخطوط الحمر للمؤسسات الأميركية وذهب مذهبا في مسألة القدس لم يذهب إليه الرؤساء الأميركيون السابقون.قيل في الأدبيات الأميركية حول الأمر، أن القرار أتى نتاج ضغوط من شخصيات يهودية نافذة )أحدهم رجل الأعمال اليهودي شيلدون أدليسون الذي قدم مئات الملايين من الدولارت لحملة ترامب( بالتواطؤ مع مستشار الرئيس وصهره، جاريد كوشنر، ونائب الرئيس، مايكل بنس، وسفير واشنطن في إسرائيل، ديفيد فريدمان، لدفع ترامب لاتخاذ قرار تاريخي بالنسبة لإسرائيل.كان واضحاً أن قرار البيت الأبيض لم يلحظ البند المُعطّل الذي ورد في قانون الكونغرس لعام 1995، والذي وُضع داخل النص المطالب بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل.فمشرعو مجلس الشيوخ الأميركي أجازوا للرئيس الأميركي تأجيل تنفيذ القرار كل ستة أشهر إذا ما رأى في نقل القانون من إطاره النظري المبدئي إلى مراحل عملية تطبيقية خطراً على أمن ومصالح الولايات المتحدة الأميركية.

العزلة الاميركية

والواضح أن ترامب لا يرى أي خطر يتهدد مصالح وأمن بلاده في الإقدام على اتخاذ قراره بشأن القدس.لاحظ المستشارون انهماك منطقة الشرق الأوسط بهواجس تختلف عن تلك التي كانت تحتكرها المسألة الفلسطينية، واستنتجوا أن براكين سوريا واليمن وليبيا كما الحرب المستعرة ضد تنظيم داعش، قد فككت الوعي العام العربي وأبعدته عن قضية مركزية لطالما التفت المنطقة حولها.بدا أن تقارير متعجّلة أوحت للطاقم القريب من رجل أميركا القوي أن اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل لن يكون إلا تفصيلاً عرضيا قد يُقابل بموقف هنا وتظاهرة هناك دون أي يربك ذلك ورشة طموحة يعمل عليها هذا الطاقم لتحقيق رؤية ترامب المتأسسة على قاعدة »بزنس« مفادها أن »لا شيء يمنع من عقد صفقة، أي صفقة«.

هناك في الولايات المتحدة من تأمل بسرور ذلك التمرد الدولي العام الذي أظهرته غالبية عواصم الأرض ضد قرار الرئيس بشأن القدس.بدا أن المؤسسات التي لا تتردد في تقديم الدعم بسخاء إلى إسرائيل لم تهضم تلك الاندفاعة التي ذهب إليها الرئيس الأميركي والتي تأتي من خارج أي سياق تاريخي لرؤية واشنطن ومقاربتها لمفاتيح الصراع.وبدا أن العزلة التي وجدت الإدارة الأميركية نفسها داخلها من أجل قضية افترض ترامب وصحبه أنها باتت هامشية مقارنة بمسائل باتت أولوية في الشرق الأوسط، تضاف إلى تلال من الملفات الداخلية التي تنمو على طريق السعي لمحاصرة ترامب وربما عزله.

على أية حال يبدو حدث القدس شأنا داخليا أميركيا، وربما عائليا متعلقا برجل البيت الأبيض وحاشيته.لم يفعل إعلان الرئيس الأميركي بشأن المدينة إلا تأكيد العالم بأسره أن الأمر مرفوض ولن يقود إلى إخضاع الأسرة الدولية لمزاج يرتبط بجاريد كوشنر وزوجته إيفانكا.وفيما ما زالت »خلية« صفقة القرن داخل البيت الأبيض تتحدث بثقة عن خطة سحرية تنهي صراع العقود السبعة الماضية، وفيما تعزف تلك الخلية أناشيد الحل الذي لا يناقشه الفلسطينيون بل ينفذونه بحرفيته، يبدو أصحاب الشأن، الفلسطينيون وخلفهم الموقف العربي والإسلامي والأوروبي والأممي الذي ظهر في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وللمفارقة أيضا، الإسرائيليون أنفسهم، غير معنيين وغير منخرطين بما هو جلبة أميركية ناشزة، ليس فقط عن ترسانة من المرجعيات والاتفاقات الدولية، بل عن ثوابت أميركية موثّقة وعدت قبل غيرها بعدم المسّ بوضع القدس وجعله خاضعا لاتفاق نهائي يصل إليه طرفا الصراع.

فشل الصفقة

يستطيع ترامب وصحبه أن ينشدوا إلياذتهم الطموحة.لكن لا حلّ نهائيا لصراع الشرق الأوسط دون الشركاء في المنطقة، ولا مكان في المنطقة لقرار يصدر عن واشنطن يُفرض على الفلسطينيين دون أي توافق يصدر عنهم.قدم العرب مبادرتهم للسلام في قمة بيروت عام 2002 وهم ما انفكوا يكررون ويرددون، لا سيما إثر قرار ترامب بشأن القدس، أن لا سبل أخرى يقترحونها سوى ذلك الذي يبادل الأرض وبالسلام ويقيم دولة فلسطينية على حدود عام 1967 تكون عاصمتها القدس الشرقية.وحتى حين أوحت الترامبية أن النظام السياسي العربي قابلٌ بقراره مصفقٌ لصفقته، بدا أن ما صدر عن اجتماع وزراء الخارجية العرب وما زال يصدر عن العواصم العربية لا يمنح الإدارة الأميركية أي غطاء إقليمي يوفر للبيت الأبيض »بركة« لوِرَشه.

على هذا يتحرك الفلسطينيون، وفق إيقاعات المنطقة كما وفق غطاء الموقف الدولي، من أجل جعل »الصفقة« المفترضة مناسبة لرفع سقف الموقف الرسمي لدى المنابر الدولية.لا تملك السلطة الفلسطينية ما تخسره في هذه الأيام.يفرض ترامب إزاحة القدس عن طاولة المفاوضات، ويفرض، من خلال قرار واشنطن وقف الدعم المالي لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين )انروا(، إزاحة قضية اللاجئين عن نفس الطاولة، وبالتالي يشعر الفلسطينيون أن البيت الأبيض لا يزيح الملفات عن طاولة المفاوضات، بل يزيح الطاولة برمتها منكراً على الطرف الفلسطيني بعد سبعة عقود على قيام دولة إسرائيل وبعد ما يناهز 25 عاماً على اتفاقات أوسلو الحق البديهي في تقرير مصيرهم ومصير كيانهم وحدود ومستقبل دولتهم.

قد يقول قائل إن الانقسام الفلسطيني الداخلي كما الانقسام الإقليمي المحصّن لهذا الانقسام يحرم الطرف الفلسطيني مناعة في مواجهة رياح ترامب بشأن القدس ومستقبل الدولة الفلسطينية.ومع ذلك فإن العلل الفلسطينية كما الآفات التاريخية التي تنهش بجسم المنطقة برمتها، ليست بالمعنى الموضوعي سببا لمنح المبضع الذي يشهره ترامب شرعية لتشويه ما بقي من ثوابت الحل النهائي: القدس، اللاجئين، الحدود، وانخراط المنطقة برمتها بما يفترض فعلا أن يعتبر »صفقة القرن«.

على أية حال يبدو حدث القدس شأنا داخليا أميركيا، وربما عائليا متعلقا برجل البيت الأبيض وحاشيته.لم يفعل إعلان الرئيس الأميركي بشأن المدينة إلا تأكيد العالم بأسره أن الأمر مرفوض ولن يقود إلى إخضاع الأسرة الدولية لمزاج يرتبط بجاريد كوشنر وزوجته إيفانكا.

ويبدو أن الخطة الأميركية التي أثارت سخط الفلسطينيين واستدعت اتخاذ قرارات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، لا تمس الكتل الاستيطانية وتؤجل التفاوض حولها إلى مرحلة لاحقة على إعلان الدولة الفلسطينية، بما يعني أن الخطة الأميركية تعترف أن الخطة ليست وصفة لسلام نهائي، بل خطوة قد تُدخل الطرفين في صراعات جديدة حول قضايا كبرى وقفت حتى الآن حائلا دون التوصل إلى التسوية التاريخية المتوخاة.

بدا أن تقارير متعجّلة أوحت للطاقم القريب من رجل أميركا القوي أن اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل لن يكون إلا تفصيلاً عرضيا قد يُقابل بموقف هنا وتظاهرة هناك دون أي يربك ذلك ورشة طموحة يعمل عليها هذا الطاقم لتحقيق رؤية ترامب المتأسسة على قاعدة »بزنس« مفادها أن »لا شيء يمنع من عقد صفقة، أي صفقة«.

كلينتون وبوش واوباما والقدس

بيل كلينتون1993 -2001

أعلن الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون تأييده للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، في الانتخابات التمهيدية بالحزب الديمقراطي، في فبراير 1992.

وخلال حملته للرئاسة، انتقد كلينتون سلفه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب، لتحديه سيادة إسرائيل بشأن القدس الموحدة، وتعهد بأن يعترف بها عاصمة لإسرائيل.

وبعد وصول كلينتون إلى البيت الأبيض، بدأت الحركات المؤيدة ليهود إسرائيل بالعمل على إقناع الرئيس الديمقراطي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إلى هناك، وهذا ما وجده كلينتون أمرا أكثر تعقيدا مما توقع.

وبحلول عام 1995، وجدت إدارة كلينتون نفسها تعارض قانون نقل السفارة إلى القدس، والذي تم تمريره في الكونغرس وسط تأييد كبير، إلا أن فشل محادثات السلام وقتذاك، جعل الأمر وشيكا.

وأعلن كلينتون بعد فترة قصيرة، أنه سيعمل على نقل السفارة الأميركية إلى القدس، في نهاية عام 1995، وذلك بسبب غضبه الشديد من موقف الرئيس الفلسطيني، آنذاك، ياسر عرفات، من معاهدة كامب ديفيد، والذي قال له: »إذا أنت بدك ياني أنا أمضي على هذا الاتفاق، أنا بدعوك إلى جنازتي«.

وقال كلينتون، وقتذاك، إنه رغب دائما في نقل السفارة إلى القدس، ولكنه خشي أن يؤثر ذلك على دور »الوسيط المحايد« الذي تلعبه أمريكا في عملية السلام.

وتلاشت الفكرة تماما، بعد تحذيرات مسؤولين بارزين في إداراته بالمخاطر المترتبة على هذه الخطوة، فترك كلينتون الأمر للرئيس المقبل.

جورج دبليو بوش 2001 -2009

في حملته الانتخابية عام 2000، تعهد المُرشح الجمهوري آنذاك، جورج بوش الابن بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، وانتقد سلفه بيل كلينتون على فشله في تنفيذ وعوده.وقال بوش إنه سيبدأ في تنفيذ عملية النقل فور تنصيبه رسميا رئيسا للبلاد.

أجرى بوش عدة محادثات مع المنظمات اليهودية الرائدة في الولايات المتحدة، وأكد لهم أنه يأخذ الأمر على محمل الجد، إلا أن الأمر لم يختلف كثيرا عما حدث لكلينتون، فبعد وصوله إلى البيت الأرض، وجد أن الأمر أصعب مما يتصور، فأرجأ الأمر.

وبحسب ما نقلته صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن مسؤولين بارزين في إدارة بوش، فإنه أكد لهم أن نقل السفارة الأميركية إلى القدس لن يحدث في أي وقت قريب.

وفي مارس 2001، قال كولين باول، وزير الخارجية آنذاك، لأعضاء الكونغرس إن عملية نقل السفارة ما تزال جارية، إلا أنه لم يمدهم بأي تفاصيل أخرى.

وبحسب دانيال كيرتزر، السفير الأمريكي لدى إسرائيل في إدارة بوش، فقد علم الجميع إن بوش لن ينفذ وعوده، ربما لأسباب سياسية، ولم يتوقع أحد أن تنقل السفارة.

وقال كيرتزر إنه عمل في إدار بوش لأربعة أعوام ونصف، ولا يتذكر في أن الرئيس الأمريكي السابق اتخذ قرارا حاسما بشأن نقل السفارة، أو الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

باراك أوباما 2009- 2017

لم يختلف البرنامج الانتخابي لباراك أوباما، المرشح الديمقراطي لرئاسة الولايات المتحدة عام 2008، عن غيره من أسلافه، إذ تضمن وعدًا بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى العاصمة الجديدة.

وبحسب تقارير إعلامية، فإن النسخة الأولى من البرنامج الانتخابي للمرشح الديمقراطي، آنذاك، لم تتضمن هذا الوعد، ولكنه أضافها في النسخة الجديدة من البرنامج، بعد استغلال منافسه الجمهوري ميت رومني للأمر، واتهمه بالتراجع عن تأييد إسرائيل، الحليف الأقرب للولايات المتحدة.

وأكد أوباما في خطابه أمام منظمة أيباك المؤيدة لإسرائيل أن القدس ستبقى عاصمة إسرائيل، ويجب أن تبقى موحدة، وفي وقت لاحق، قال في حوار لشبكة »سي إن إن« الأمريكية إن مطالبة الفلسطينيين بحقهم في اتخاذ القدس عاصمة لهم متروك للتفاوض بين طرفي الصراع.

ودعا سياسيون في الكونغرس الأميركي أوباما إلى تنفيذ القرار، والاعتراف بإسرائيل عاصمة للقدس، والبت في مسألة نقل السفارة.وفي ديسمبر 2016، استخدم أوباما حقه في تأجيل نقل السفارة الأميركية إلى القدس ستة أشهر أخرى، وترك الأمر في يد الرئيس المقبل.

 

* صحافي وكاتب سياسي لبناني