هل العلمانية مشروع أم مواجهة؟

قد تكون الأسس التي بُنيت عليها العلمانية أو العَلمانية هي الشرائع، سواء كانت هذه الشرائع علماً، أو اختراعاً إنسانياً، فتعارف عليه صار مع مرور الزمن عُرفاً فاتجاهاً فقانوناً…

القانون هو العلم، والعلم هو شريعة المنطق والعالم المتطوّر. وكل شريعة منبتها العقل، هي الحاضر والمستقبل، ولا يكون الغد مبنياً على الغيب، فالغيب حالة اللاوعي واللامدرك واللامرئي، واللاملموس واللاحسّي، وهو ما لا يكون علماً ذهنياً قائماً على المنهج والمنطق… قد يستسلم العالم للغيب ويصير معه العالم خطاباً لا واعياً، أو غير محسوس. فتدخل عناصر العلم مرحلة الالتباس المضمر ويقع العالم والعلم في شريعة الوهن والتجزئة والانقسام ولا يعود الفعل الذهني عاملاً على منهجه المفروض… فالطائفية مثلاً، مرضٌ مُعدِ، آفته الانقسام والتفرقة والعنصرية والتعصّب… ولا تقبل منطق الأمور لأن منطلقها جزء من كلّ، وهي تداعيات غريزية لا يعيرها العقل اهتماماً… من هنا، يبدو أن وظيفة العلم واحدة هي اعتمادها على العقل كشرط رئيسي لولوج العالم الإنساني…

فليس العلم والإنسان منفصلين عن عقل الكون بغموضه ومشتقاته، وإنما هما أدواته لاستخراج الحقيقة وبغيرهما لا يكون الوجود فاعلاً بحلقاته وفضاءاته.. بل يبقى الوجود سديماً أغبر لا قِبل لنا به…

وكي تكون العلمانية ديمقراطية فهي ليست مستباحة لتقتل الروح، إنها حرّة بحركتها، واصبة بتفكيرها، لا تفكر بإلغاء غيرها كي لا يطالها مشقّة الآفات المتعصّبة التي تجيء ردّاً عليها…

العلمانية، لا تكون متطرفة، فالتطرف تهوّر، والتهوّر جنون يقود إلى سوء العاقبة: »الإنعزال والتخلّف«…

العلمانية، روح العلم ومنطق المادة، تبنى الأشياء منها، لتصير عليها، وهي متحركة في الزمان والمكان، مقعدها الأثير، الطبيعة واحتها، الفضاء المتسع امتداداً على عمر الزمان رقعتها، الأمكنة المستنيرة الهادية إلى معرفة الله، لا المضلّة التي تُعمي الأبصار وتظلم على المعرفة

انطوان سعادة

انطوان سعادة

والحقيقة…

العلمانية خيار، ولأنها معرفة فلا إشكالية لها، الجميع متّفق على العلم كخيار، والخطاب الأيديولوجي بأسره يحمل فرادتها، حتى أقصى خطاب متطرّف في لاوعيه… وهذا يدلّ على أن العلمانية ليست شعاراً للغناء والترف… إنها قراءة ممنهجة تدخل في متون المفاهيم الداخلة في الحوار والاختلاف، في النسيج الاجتماعي والثقافي والسياسي والديني حتى…

هي حالة فكرية تندرج في سياق الوعي التاريخي للمشكلة، فليست العلمنة كفراً وهرطقة، لنحاسبها على أشياء نعتمدها يومياً في حياتنا… ومدلولاتها يحسن تعليمها في المدارس والمناهج على أنها روح المعتقدات… فلا تصحّ واقعة دون أدلّة عليها… وهكذا المعرفة، فهي حركة تفاعلية بين المادة والروح كي تصير الحداثة وتصبح…

الموروث يعتمد العلم لكنه غائب… والعلم يشرح الغائب بصفة الحاضر والمستقبل… والعالم العربي بأسره يحتاج إلى روحه كي يواجه الشتات الإثني العرقي الذي يُنتج مذاهب وطوائف تقع في معالمها التأسيسية على لاوعي ذهني لحقيقة التاريخ العلمي…

من هنا، حاجتنا الى علمانية وسطى لا تطرّف فيها ولا تقع في حسابات الربح والخسارة، ولا في منطق التسويات والحرتقات الصغيرة… وقد شهد العالم أن الطوائف طوفانٌ يأتي على الجماعات الحيّة فلا يعود لها خلاص منها إلآ بالعلم، والإنسان لن يتمكن من مواجهة عالم الغابة إلآ بالعقل والمعرفة…

العلمانية هي الخروج من الغابة الى رحاب المدينة التي تترك للأشياء أن تأخذ مجراها، دون تكلّف في حسابات الزمن… ومن دون تأزّم في اللاإستقرار المفاهيمي لها، فهي أيديولوجية إذاً كانت حاجة لكل المعتقدات، وهي علمية إذا نكرتها الأيديولوجيات. وبهذا، لا يعود لدينا إشكالية في فهمها…

نفتح هذا السجال كي يبقى مفتوحاً على مرمى العلم لا أن يكون العلم في مرمى الغيب؟!

فإذا كان »الدين هو ما يدين به الفرد لا ما يدين به الجمع« حسب قول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه »طبائع الاستبداد«، فهذه الفكرة نسيجة وحدها في الإسلام الحداثوي كونها تصنيف هام لناحية »فصل الدين عن الدولة«، ومنها ننطلق الى فكرة المجتمع المدني الذي لا بديل لنا عنه…

تقتضي الحكمة أن تكون الدولة الراقية التي دعا إليها الكواكبي هي دولة حديثة علمانية عادلة نستطيع فيها ومعها أن نخرج من أوكار التعصّب والفئوية والنزعات الإثنية والعرقية والقبلية والطائفية ليحل محلّها مفهوم الخير العميم والدولة العصرية الحديثة التي تحيا بالإخاء القومي والإنساني…

وهنا يأتي فهم أنطون سعادة للمشكلة الطائفية والدينية حيث هو مع الدين ضدّ المؤسسات الدينية التي لم تستعمل الدين لتشريف الحياة، حتى باتت الحياة بنظره هي لتشريف الدين لا العكس…

بهذا الاعتبار »منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة والقضاء القوميين«، حيث الإفادة من جوهر هذه المقولة لناحية اعتماد العلم لمصلحة الأمة وإخراج الدين من دائرة الاجتماع والسياسة… فالدين بمفهومه هو من »شؤون الوجدان الفردي الخاص« التي لا يجب أن تثير قضايا إجتماعية أو سياسية، لأنه يمكن للفرد أن يكون مؤمناً بالدين لكنه غير مؤمن في السياسة… )رسالة أنطون سعادة إلى غسان تويني(…

ومع الكواكبي وسعادة وجبران وأفكار كثيرين نُحيل القراءة الى موضوع للنقاش يحتمل التأويل والحوار…