اليهود والصهيونية.. وثمن اسرائيل

لندن ـ أمين غفاري

تعايشت في المنطقة العربية ثلاثة ديانات سماوية هي اليهودية والمسيحية والاسلام في اطار من التوافق قرونا عديدة من الزمن، وكانت المنطقة العربية منطقة حاضنة للجميع، وبالنسبة لليهود فقد كانت ملاذا للكثير من المهاجرين الذين ضاقت بهم اوروبا أثر الظروف السياسية والأجتماعية التي ألمت بها والتي انعكست بتأثيرها عليهم وأصبحت في حكم الدول الطاردة لهم، واختلف الأمر بالنسبة للمنطقة العربية التي أضحت منطقة جاذبة لهم، وذلك لعوامل مختلفة منها الأتساع الجغرافي للمنطقة العربية والأمكانات الطبيعية والأقتصادية التي تميزها، وكذلك للبيئة الأجتماعية والثقافية القادرة على الأستيعاب والهضم وبفضل موقف الأسلام المتسامح مع أتباع الرسالات الأخرى. كانت الفرص بناء على ذلك، متاحة على كبرها، والتفاعل على رحابته قائما، بحيث مارس اليهود حياتهم في اطار الدولة الحاضنة وباعتبارهم من رعاياها، لاجسما غريبا عليها أو دخيلا اعترض طريقها، فاليهودية ديانة، وليست قومية، واليهود أتباع دين، وليسوا شعبا له مقوماته الوطنية أو ملامحه العرقية أو الأصولية، ولذلك ظل اليهود ومنهم كثيرون حصلوا على الجنسية، يعيشون بين مواطنيهم من العرب المسلمين والمسيحيين على الأرض العربية يجمعهم الوئام والسلام في ظل القوانين والشرائع التي تحكم العلاقة بين الجميع، وان كانت ثمة خلافات او اختلافات فقد كان قوامها التنافس في اطار المهن أو النزاعات التي تذكيها عوامل الطموح أو التفوق أوالتميز، ناهيك عن أن الصراع الطبقي هو وحده هو الذي كان يمكن ان يحكم حركة المجتمع في اطار نظم اقتصادية أو اجتماعية مفتوحه لقوانين السوق ومعايير العرض والطلب. ظلت العلاقات تتسم بالتسامح بين الأديان ويغلفها الأحساس بالأمن والطمأنينة، حتى أطلت الصهيونية بعقيدتها ومزاعمها العنصرية، وماطرحته من شعارات، ومارسته من سياسات، وارتكبته من جرائم نتج عنها العديد من الكوارث، مما ترك آثارا مدمرة على العلاقات بين العرب واليهود، وعلى تزايد نسب الهجرة اليهودية خارج المنطقة العربية، وفيما يلي نموذج للحالة المصرية.

اليهود وفرقهم

هناك دراسات عديدة تناولت قضية اليهود، وقضية الصهيونية منها )موسوعة اليهود واليهودية( للدكتور عبدالوهاب المسيري، التي عالجت انتشار وانحسار الرؤية الصهيونية، كما أن هناك أيضا دراسات تناولت عصور تواجدهم في مصر خلال حقب طويلة من التاريخ، ومنها دراسة قيمة للدكتور قاسم عبده قاسم صادرة عن دار عين للدراسات والبحوث الانسانية والاجتماعية في مصر تناولت وجود )اليهود في مصر منذ الفتح الاسلامي حتى الغزو العثماني( تكشف فيها عن اعدادهم وبنائهم الداخلي بمعنى فرقهم وهي ثلاث )الربانيون والقراؤون والسامرة(. »1« الربانيون: )اليهود الربانيون هم أشهر الفرق اليهودية واكثرهم عددا في التارخ القديم والحديث على السواء، وهو الأمر الذي دعا الحكومة في مصر الى ان تختار عادة )رئيس اليهود( من طائفة الربانيين ليكون مسؤولا عن اتباع الطوائف اليهودية الثلاث في البلاد، وقد ذكرت المصادر التاريخية العربية ان اليهود الربانيين انفردوا عن غيرهم من طوائف اليهود بشروح لغوامض التوراة التي وضعها احبارهم. »2« القراؤون: يرى بعض الباحثين أن أصل هذه الفرقة يرجع الى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري )الثامن بعد الميلاد( حين دعا )عنان بن داوود( الى مذهب جديد في عهد )خلافة ابي جعفر المنصور( في العراق حيث كانت تموج بمختلف الميول والنزاعات الفلسفية والفكرية، الى مذهب جديد صاروا يعرفون باسم )القرائين( اشارة الى تمسكهم الحرفي بالتوراة ورفضهم ماعداها من كتب التشريع اليهودي )التلمود( وقد تواجد اليهود القراؤون في معظم المدن المصرية الكبرى أذ كانت الحياة السهلة وعدم التعصب الذي ساد الحياة المصرية في تلك الفترة دافعا الى التقارب بين الطائفتين أو الفرقتين، والتزاوج فيما بينهم في صيغ لاتلحق الضرر في أي من معتقدات اي طرف من الزوجين. » 3« السامرة: نشأت هذه الطائفة في فلسطين بعد تدمير مملكة اسرائيل التي انشقت بعد وفاة سليمان الحكيم، على يد ملك آشور عام 738 قبل الميلاد وقام هذا الملك الآشوري باجلاء اليهود عن فلسطين الى نواحي شمال ايران وأحل مكانهم بعض القبائل في سكنى عاصمة

دراسة موضوعية تكشف منهج التسامح والتعايش الذي لف الجميع  قبل ان تطل الدعاوى العنصرية الصهيونية برأسها على المنطقة

دراسة موضوعية تكشف منهج التسامح والتعايش الذي لف الجميع قبل ان تطل الدعاوى العنصرية الصهيونية برأسها على المنطقة

المملكة وهي مدينة )السامرة القديمه( وعلى الرغم من ان الباحثين من القرائين والربانين لايعتبرون السامرة فرقة من فرق اليهود، الا ان هناك ايضا من الباحثين من يذكرون ان المصريين قد اعتبروهم يهودا، وان السلطات المصرية عاملتهم باعتبارهم من أهل الذمة، وقد جاء في وصية لرئيس السامرة )انهم شيعة من اليهود لايخالفونهم في أصل المعتقد ولا في شيء يخرج عن قواعد دينهم لمن انتقد ولولا هذا لما عدوا من أهل الكتاب( وكان هؤلاء مثلا في عصر السلاطين من المماليك في مصر من أغنى الطوائف اليهودية ويشغلون معظم الوظائف العليا في الدولة فمنهم الصرافون ورجال الادارة، وان كان عددهم قليلا، وبمعزل عن بقية اليهود.

يقول الدكتور قاسم عبده أنه لم يحدث ان كانت لليهود رئاسة مستقلة حتى بداية العصر الفاطمي، حيث تحسنت أحوالهم كثيرا تحت هذا الحكم نتيجة اعتماد الفاطميين على عدد منهم في ادارة الدولة خصوصا في الأدارة المالية، ولقد ترتب على ذلك أمران الأول أن مصر أصبحت بلدا جاذبا للمهاجرين اليهود، والثاني ان مستواهم المالي المتقدم شكل موردا داعما للمدارس اليهودية التلمودية في كل من العراق وفلسطين

المهن والحرف

لابد من التأكيد على ان اليهود قد خدموا في الادارة الحكومية على مدى عصور مصر الاسلامية ويمثل العصر الفاطمي العصر الذهبي لكل اهل الذمة، وقد تولى الوزارة فيه ثلاثة من اليهودا، وفي عهد الدولة الأيوبية ايضا تمت الاستعانة ببعض الموظفين من اليهود ومنهم ذائع الصيت )موسى بن ميمون( كما ان ابنه ابراهام خدم في بلاط السلطان الكامل الايوبي، اما عصر المماليك فقد كان الاطباء يلون رجال الادارة في هذا العهد، وبرزوا في مقدمة الشرائح الاقتصادية والاجتماعية في ذلك العصر، كما اسهم اليهود في الحرف اليدوية والصناعات، وكان منهم الفرّانون والنجارون وصناع الحصر، والمرايات والأمشاط والمغازل والمنجمون، وان كانوا لم يحتكروا العمل في اي حرفة، ولم تقم عليهم.

الحياة الأجتماعية

لم تتيسر مصادر كثيرة، عن حياة اليهود الأجتماعية، في بعض العصور ومنها مثلا فترة حكم الدولة الطولونية أو الاخشيدية، فلم نعرف منها سوى شذرات كالتي حدثت عندما اشتد المرض بأحمد بن طولون، وطلب من الرعية الدعوة بالشفاء فخرّجت أفواجا من سائر العلماء المسلمين، كما خرج الصبيان من المكاتب )الكتاتيب( والألواح على رؤوسهم، وكذلك النصارى بأناجيلهم، واليهود بتوراتهم وهم يدعون الله تعالى بالعافية والشفاء للحاكم أحمد بن طولون.على صعيد العلاقات الاجتماعية شارك اليهود غيرهم تطورهم الاجتماعي وقد دخلوا النسيج الاجتماعي شأنهم شأن سائر المصريين مسلمين ومسيحيين، وذكر الرحالة اليهودي »ميشولام« )أن اليهود يسلكون مسلك المسلمين »في جميع بلاد السلطان«فهم لايدخلون المعبد بأحذيتهم، ولوعلى سبيل الزيارة، وانما يتركون أحذيتهم خارج المعبد بجوار الباب ويجلس الجميع على الارض المفروشة بالسجاد أو الحصير داخل المعبد، ولم يكن ممكنا لليهود المصريين الا ان يتأثروا بالجو الاسلامي المحيط بهم، والعادات التي تحكم ابناء هذا المجتمع على الرغم من اختلاف الديانة، وهذا السلوك حتى داخل المعبد اليهودي استرعى انتباه الرحالة القادمين من الغرب الأوروبي وقد حرص كل من )ميشولام وعويديا( وكلاهما رحالة على تسجيل ذلك لغرابته بالنسبة لهما.وقد استطرد عويديا بتسجيل العادات اليهودية التي تتفق مع المصريين فذكر طريقة الأكل على الأرض حيث يفرش الحصير او السجاد ويأكلون من طبق واحد كبير، ويتم تبادل عبارات المجاملة مثل )بالهنا والشفا(، ويمكننا ان نكتشف ان تصرف اليهود ذلك كان يرجع باعتبارهم مصريين ولم تكن تلك )عادة يهودية( وقد اقتصر التنظيم الداخلي لهم على الجانب الديني فقط ولم ينسحب على دورهم الاجتماعي.

 النشاط الثقافي

في تلك الفترات التي نعني بدراستها كان النشاط الثقافي لليهود محكوما بالحقيقة التاريخية وهي انهم ذابوا في محيط الثقافة العربية وتخلوا عن اللغة الآرامية واللغة العبرية، واتخذوا من اللغة العربية لغة للكتابة ولكل الوان الانتاج الادبي، وفي مصر اصبحت اللغة العربية هي لغة الحياة اليومية ومن خلال اللهجة المصرية، وظلت اللغة العبرية مرتبطة الى حد كبير بالتراث الديني والعقيدي لدى اليهود، وبقيت لغة مكتوبة أكثر منها لغة حية، وتستخدم في معابدهم، وفي المدارس والكتابات الفقهية، مع ملاحظة ان هناك كثيرا من الكتابات الدينية للأحبار والعلماء اليهود في مصر قد كتبت باللغة العربية، ومرد ذلك واضح فالأبداع الفني والأدبي وحتى المؤلفات العلمية تحتاج الى جمهور عريض لمتابعتها، كما انها ليست في حاجة الى مفاهيم عقائدية او ايدولوجية، وكانت العربية هي اللغة الأسهل في التداول والانتشار.

في اطار دراسة الدكتور قاسم عبده قاسم يقول انه لايمكن ان تكون دراسة واحدة كافية او قادرة على معالجة حياة المصريين اليهود خلال فترة تمتد منذ دخلها عمرو بن العاص فاتحا تحت راية الاسلام حتى دخلها سليم الاول العثماني غازيا، انها فترة تاريخية طويلة تمتد في رحاب الزمان الى نحو ثمانية قرون ونصف القرن شهدت البلاد خلالها احداث هامة ساهمت واثرت في بنية المجتمع المصري كله وفي ثقافته.لكن المهم الاشارة الى بعض الحقائق التي كشفت عنها هذه الدراسة لتوضيح الاطار الاجتماعي والتاريخي التي عاش فيه اليهود المصريين.

ان النسبة العددية لليهود المصريين كانت ضئيلة بالفعل طوال الفترة التاريخية التي اهتمت بها الدراسة على الرغم ان اليهود لم يتوقفوا عن القدوم الى مصر من شتى انحاء العالم المعروف آنذاك، وقد ظلت تتضاءل حتى عصر سلاطين المماليك، كما ان المجتمع المصري لم يعزل اليهود في )جيتو سكاني( ولم يكن هناك قيد على حركتهم.

ان تنظيماتهم الداخلية قامت على اساس ديني ولم تكن على اساس سياسي، وان كانت الجماعة اليهودية قد نشطت في القيام بالخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية لأبناء الطائفة، فقد كان ذلك من طبيعة الأمور في ذلك الزمان حيث لم تكن الحكومات تلزم بهذه الخدمات وانما تركتها للطوائف الدينية والحرفية لتقوم بها، ولم يكن ذلك نوعا من الحكم الذاتي لليهود كما تروج الكتابات اليهودية.

ان الوجود الاجتماعي لليهود كان برهانا على ان اليهود لم يعيشوا في )جيتو سكني( أو )جيتوحرفي( أو )جيتوثقافي( وتكشف المصادر التاريخية ان المجتمع لم يعتبر اليهود جالية اجنبية، وانما اعتبرهم مصريين يعتنقون الديانة اليهودية، فقد عاشوا في الاحياء نفسها التي عاش فيها المسلمون والمسيحيون، بل انهم شاركوهم أحيانا في نفس البيوت التي يسكنونها

كانت علاقة الدولة بالجماعة اليهودية المصرية محكومة طوال الفترة التاريخية التي اهتمت بها الدراسة بالوضع القانوني لأهل الذمة داخل الدولة التي قام نظامها القانوني والسياسي على اساس الشريعة الاسلامية، ولم تكن لليهود في علاقتهم بالدولة في مصر أي خصوصية تميزهم عن غيرهم من الطوائف اهل الذمة، واخيرا فان البحث عموما توصل الى انه ينبغي بحث تاريخ اليهود المصريين باعتبارهم مصريين اولا واخيرا.

ان هذا العرض الذي تقدم يعد الجزء الاول من موضوع محدد، يتناول تلك العلاقة التي سادت مع اليهود في هذه المنطقة من العالم وهي المنطقة العربية بدياناتها المختلفة، والتي اتسمت بالسماحة والتعايش على اسس متكافئة، وقد قدمنا نموذجا لها، وهو )الحالة المصريه( عبر عدة عصور مختلفة من قرون قديمة، وفي الطرح القادم نقدم )التاريخ السياسي(ليهود مصرفي العصر الحديث، ثم ما طرأ علي تلك العلاقة حين أطلت)الحركة الصهيونيه(المتعصبة بشعاراتها ودعاواها لاقامة وطن قومي لليهود وما هو الثمن الذي دفعته تلك العلاقة نتيجة هذه الدعاوى، لقد كتبت وعارضت بعض الأقلام اليهودية التي تصدت لقيام ذلك الكيان العنصري، ولعل أشهر من تكفل بذلك الكاتب اليهودي )الفريد ليلنتال( في كتبه )هكذا ضاع الشرق الأوسط( و)ثمن اسرائيل(.وموعدنا العدد القادم التاريخ السياسي لليهود في مصر

أمين الغفاري

قبل ان تطل الدعاوى العنصرية الصهيونية برأسها على المنطقة