اليهود والصهيونية وثمن اسرائيل 2 – اسرائيل لم تكن حلما صهيونيا بقدر ما كانت مشروعا استعماريا

أمين الغفاري

كانت المنطقة العربية عبر العديد من القرون منطقة آمنه، لايعكر امنها سوى اقتحام الغزاة، وتسابق المحتلين. كان موقع المنطقة، وثرواتها، هو الدافع والحلم الحافز لبناء الامبراطوريات. كان ذلك هو الهاجس لبعض القادة الذين تاقت أحلامهم للهيمنة والسيطرة وبناء الأمجاد التاريخية، وكان المثل الصارخ لذلك نابليون بونابرت، والحملة الفرنسية على مصرعام )1798 مذ 1801م(، التي كان يتطلع من ورائها الى ان تكون قاعدة لتكوين نواة امبراطورية فرنسية في الشرق تساعده بمواردها في تحقيق غزوات اخرى له في اوروبا، كما أنها من جانب آخر تقطع الطرق بين المنافسة الأولى لفرنسا، وهي الأمبراطورية البريطانية، ومستعمراتها في الهند، وقد كانت تلك الحملة سببا في تنبيه بريطانيا الى ذلك الخطر كما أنها في نفس الوقت حركت المطامع البريطانية نحو المنطقة، لاسيما حين دخلت الامبراطورية العثمانية مرحلة الأفول. تعددت ألوان المستعمرين، وأجناسهم، ولكن رغم تاريخ تلك الحروب التي اشتعلت، فلم يتعكر صفو العلاقات بين اصحاب الديانات والعقائد المختلفة على الأرض العربية، حتى مع ارتداء اوروبا ثوب المسيحية حينا فيما سمي بالحروب الصليبية التي دارت رحاها على الأرض العربية ولم تشهد صفحات التاريخ على طول حقبة وتعدد أحداثه أضطهادا لأي طرف من الاطراف تحت اي ذريعة، فلم تصادرأو تحرم أو تحاصر اي شعائر لأي دين أو لأي معتقد في مذهب، وانما تمحورت حركة الصراعات داخل تلك المجتمعات في اطرها التقليدية المعتادة، تذكيها عوامل الطموح والتنافس والرغبة في النجاح أو الأستحواذ أوالصعود الى المراتب الأكثر ثراءا او المستويات الأكثر نفوذا، وطوال التاريخ الأسلامي منذ فتح عمرو بن العاص مصر)642 م( حتى الغزو العثماني )1517 م( كانت الأدارة المصرية تتعامل مع اليهود باعتبارهم من أهل الذمة، ولم يكن تعداد اليهود في مصرعلى أية حال كبيرا بالنسبة لعدد السكان، وانما كانت زيادة العدد وتكاثره أو نقصه وهبوطه، يتم وفق الأحداث والتطورات السياسية والأقتصادية التي يمر بها المجتمع المصري، وكانت هناك تبعا لذلك فواصل محددة لتزايد الهجرة اليهودية الى مصر، وهناك ايضا بالمقابل فواصل محددة للهجرة اليهودية العكسية من مصر، على النحو الآتي ذكره.

فواصل محددة للهجرة اليهودية الى مصر

أولا- عصر محمد علي

بدأت الهجرة اليهودية الى مصر في التزايد في عصر محمد علي ومحاولاته لدعم حكمه بتحديث مصر بعد فترة الركود العثماني الكبيرة التي امتدت الى نحو 400 عام مما سهل عملية الغزو التي قام بها نابليون )1897- 1801( وقام محمد علي بتكوين القوة العسكرية التي تحمي ولايته، سواء في مواجهة السلطان العثماني ان حاول عزله، أوأزاء المطامع الأوروبية، لاسيما بعد محاولة انجلترا ايضا غزو مصرعام 1807 )حملة فريزر( بعد خروج الفرنسيين وماترتب على ذلك من ضرورة قيام نظام اقتصادي قوي، يخدم مشروعه، ويعتمد على الاكتفاء الذاتي، من خلال عملية تنمية شاملة للمجتمع بأسره شملت بذلك قطاعات مختلفة من التعليم وارسال بعثات للخارج، الى التركيز على الزراعة واستصلاح الأراضي، ودخول محاصيل جديدة للأرض المصرية، مثل زراعة القطن، الذي فتح أبوابا واسعة للأستثمار كصناعة

محمد علي شهد عهده بدايات تدفق اليهود على مصر

محمد علي
شهد عهده بدايات تدفق اليهود على مصر

المنسوجات أو تصدير خامة القطن ذاتها، وقصب السكر وأشجار التوت لتربية دود القز. وتحسين طرق الري عن طريق شق القنوات والترع بحفر ثلاث وثلاثين ترعة واشهرها ترعة المحمودية واقامة القناطر الخيرية للاستفادة بالمياه طول العام وانشاء مصانع للسلاح، كما اتسعت دوائرالصناعة، ونشطت حركةالحرفيين في مجالات متعددة، وقد اعتمد محمد علي على قيام نظام احتكاري يقوده، ويحدد معالمه في ضوء احتياجات مشروعه، ولذلك يمكن القول انه احدث انقلابا في الاقتصاد المصري، باعتبار ان الاقتصاد هو أساس السياسة. كان محمد علي رجل حرب ورجل سلطة، ومنها ادرك احتياجات الحرب واحتياجات الدولة. توافدت الهجرة اليهودية الى مصر بناء على ذلك السوق المفتوح للعمالة، وللأستثمار سواء الوافدين من الدولة العثمانية أو من الدول الأجنبية الأخرى مثل ايطاليا واليونان وانجلترا وفرنسا، وكان معظم نشاطهم يقتصر على الجوانب الأدارية وبعض الأنشطة الرأسمالية الربوية لحركة التجارة. ارتفع عدد اليهود بناء على ذلك من 1775 يهودي عام 1801 الى نحو سبعة آلاف يهودي عام 1836.

ثانيا – عصر الخديوي اسماعيل

رغم استمرار اليهود في مصر في عصري عباس حلمي الأول وسعيد الا ان تواجدهم قد تزايد، بل وتكثف في عهد الخديوي اسماعيل الذي كان شديد الطموح في القفز بمصر الى مستوى أوروبا الحضاري دون العناية بضرورات البناء التنموي أكثر من العمراني وان كان قد اقام بعض المصانع واصلاح بعض المواني وقام بزيادة مساحة الارض الزراعية كما نهض بالجانب التعليمي والثقافي مثل انشاء دار الاوبرا وانشأ اول مدرسة لتعليم الفتيات )المدرسة السنيه( الا انه أسرف في بناء القصور وانشاء الكباري بالأضافة الى البذخ الصارخ في حفلات افتتاح قناة السويس التي لم يعرف التاريخ لها مثيلا في حجم الاسراف والتبذير، وقد حضرها اعضاء من الاسر المالكة الاوروبية والعائلات الكبيرة، وقد اضطره ذلك الى اللجوء لمزيد من عمليات الاقتراض، وقد سهل له اليهود هذا الأمر عن طريق البنوك التي يديرونها في اوروبا، ومن جانب آخر فانه سعى للحصول على لقب )الخديوي( من السلطان العثماني، مقابل زيادة في دفع الجزية، اضافة الى الحصول على فرمان آخر بأن تكون خلافته في الحكم لأبنائه، وليس لأكبر أبناء اسرة محمد علي، وفي عام 1873 صدر له فرمانا يتيح له استقلالا اكثر عن الحكم العثماني، وقد عرف باسم )الفرمان الشامل( مع الالتزام بدفع الجزية وبلغت )750 ألف جنيه(.(، وتدخلت الدول الكبرى أزاء حالة التضخم في القروض، وفرضت وزيرين في الحكومة لمراقبة الميزانية وطرق الصرف وأهدافه، وتشكلت المحاكم المختلطة بالنسبة للتعامل مع الاجانب، كما فرضت امتيازات لرأس المال الأجنبي، وتزايدت عمليات الهجرة الى مصر في اطار عملية الأنفتاح الكبيرة للأستثمارات الكثير من العائلات اليهودية التي قامت بدورها بتأسيس البنوك والفنادق والمنشآت التجارية الضخمة ومنها، عائلات )قطاوي موصيري ذ سوارس ذ ورلو ذ منشه ذ شيكوريل ذ ساسون ذ كورييل ذ عدس ذ أوروزدي باك »عمر أفندي«( وغيرها، وقد توسعت حركتهم بشكل ملحوظ في بورصة القطن في الاسكندرية، وقد وصل النفوذ المالي والاقتصادي لليهود الى المستوى التنفيذي بعد ذلك، ونرى ان يوسف قطاوي باشا عميد الطائفة اليهودية قد اصبح وزيرا للمالية في وزارة )زيور باشا(، ثم اصبح وزيرا للمواصلات عام 1925 وتوسع نشاط العائلات اليهودية في مصر الى حد السيطرة على الأقتصاد والأراضي الزراعية، ومن خلال الاحصائيات نرى ان معظم الشركات التي انشئت من عام 1888 الى عام 1905 كانت تسيطر على ادارتها جماعات يهودية، ولابد ان يذكر ان في عهد الخديوي اسماعيل تم انشاء المحاكم المختلطة، ولم يعد مثول الاجانب امام المحاكم المصرية واردا.

ثالثا- تصريح 28 فبرير واستقلال مصرعام 1922

تضمن هذا التصريح البريطاني باستقلال مصرأربعة تحفظات منها)حماية المصالح والأقليات الأجنبية( ولذلك ساهم هذا التصريح في حرص الأجانب المقيمين في مصر على استمرار احتفاظهم بجنسياتهم الأصلية، وعدم السعي للحصول على الجنسية المصرية،، كما ساهم من جانب آخر في استمرار تدفق الأجانب على مصر للأستثمار ماداموا تحت الرعاية الأجنبية، وتمييزهم في التعامل عن المواطنين المصريين، ثم كان الأنفتاح الديموقراطي أو الليبرالي الذي انتشرت ظلاله على الساحة السياسية بعد ثورة 1919 وتشكيل لجنة وضع الدستور المصري عام 1923 من ثلاثين عضوا منهم يوسف أصلان قطاوي )عين وزيرا للمالية في وزارة زيوار باشا ثم وزيرا للمواصلات، وانتخب عضوا في مجلس النواب عن دائرة كوم امبو عام 1924 ثم عضوا في مجلس الشيوخ، وكانت زوجته وصيفة للملكة نازلي ثم الملكة فريده(.  تواجدت الصحف اليهودية والصهيونية، في اطار حركة النشروالتوسع في اصدارالصحف الخاصة والحزبية، وقد تعددت الأحزاب بجوار حزب الاغلبية)الوفد( مثل حزب الأحرار الدستوريين والحزب السعدي وحزب مصر الفتاة وجماعة الاخوان المسلمين، وقد قامت الدكتورة عواطف

الخديوي اسماعيل الأنفتاح الكبير لتوافد اليهود والتوسع في الأقتراض

الخديوي اسماعيل
الأنفتاح الكبير لتوافد اليهود والتوسع في الأقتراض

عبدالرحمن بنشر قائمة بأسماء الصحف والمجلات اليهودية التي صدرت في مصر في ذلك الوقت، وهي أكثر من عشرين مطبوعة منها )اسرئيل( وهي جريدة اسبوعية تظهر بثلاث لغات )العبرية والعربية والفرنسية( ومدير الجريدة )البرت موصيري( و)التسعيرة( جريدة سياسية جامعة خاصة بنشر التسعيرة اسبوعية )صاحبها البرت مزراحي( و)الشمس( جريدة اسبوعية جامعة صاحبها ورئيس تحريرها)سعد يعقوب مالكي( وغيرها من الصحف. ونعرض صورا لبعض الاعلانات التي كانت تنشرها الصحف اليهودية والصهيونية في مصر للترويج لبيع الاراضي الفلسطينية. اعلان نشر في جريدة )الشمس( بتاريخ 11 يناير 1935 يتصدره عنوان )اخواتي الإسرائيليين( ان فلسطين تناديكم بأعلى صوتها طالبة منكم انتم ابنائها الابراران تشتروا قطعة أرض بالنقد أو بالتقسيط وذلك بواسطة البنك على يد الوكيل الوحيد بالقطر المصري مع تسهيلات بالدفع وفي زيارة واحدة في منزله تشهدوا بصدق قولنا ويعطى العنوان واسم الوكيل الوحيد ابراهيم يعقوب سيرييل والمقابلة محددة بمواعيد. ثم عنوان آخر )امضوا اجازتكم في جبل الكرمل(مع التفاصيل عن المواعيد والأسعار. كانت جريدة )المقطم( وهي اللسان الناطق باسم الاحتلال البريطاني في مصرتقوم بدور رئيسي في الدعوة والترويج للفكر الصهيوني طوال الفترة السابقة على صدور الصحف الصهيونية في مصر، بل ونرى صحيفة)السياسة( لسان حال حزب )الأحرار الدستوريين( وهي تروج للتفاهم بين العرب واليهود وتطرح ان حل المشكلة الفلسطينية يكمن في تحقيق هذا التفاهم من اجل اقامة الوطن المشترك، وكان لتلك النغمة في ذلك الوقت صدى مقبولا لدي الدوائر الصهيونية عبرت عنه صحيفة )هارتس( الصهيونية التي ارسلت ردا نشرته صحيفة )السياسة( في عددها الصادر في 28 سيبتمبر 1929 تؤكد فيه أسفها الشديد لأنها لأول مرة فقط تسمع صوتا مستنيرا في العالم الاسلامي يشجب »سياسة العنف التي يسلكها الشعب الفلسطيني«لتحقيق امانيه. وهكذا كانت القضية الفلسطينية بتفاصيلها غائبة عن الكثير من النخبة في الحركة الفكرية والثقافية المصرية، وقد تم بالفعل اختراقها وجذب اهتمامها بعيدا عن جوهر المشكلة وأبعادها، وعن الضحية الحقيقية على الأرض وهم الفلسطينيون.

فواصل محددة للهجرة العكسية من مصر

أولا – الحرب العالمية الثانية :كان تقدم القوات الالمانية بقيادة الجنرال روميل نحو العلمين بما حمله من تهديد للدخول للاراضي المصرية أثره في حدوث حالة من الفزع لدي اليهود في مصر نظرا للمذابح المنسوبة لهتلر أزاء اليهود، فتعددت تبعا لذلك في صفوفهم حالات الهجرة من مصر، وليس شرطا انها توجهت الى اسرائيل.

ثانيا – حرب 1948 :أدى رفض العرب لقرار التقسيم الذي صدر عن الامم المتحدة عام 1947 وقيام دولة اسرائيل في 15 مايو عام 1948 الى دخول العرب في حرب معها، ونتج عن ذلك تزايد مشاعر الغضب العربية تجاه اليهود في العالم العربي، ولذلك فقد شهدت تلك المرحلة أيضا تزايد عمليات الهجرة من اليهود الى الخارج

ثالثا – عملية سوزانا :عملية سرية اسرائيلية تعرف باسم )عملية سوزانا( كانت تستهدف تفجير أهداف أمريكية وبريطانية في شهر يونيو عام 1954 وذلك في محاولة لعرقلة مفاوضات الجلاء البريطاني عن مصر، وكذلك منع أي تقارب أمريكي معها على اعتبار ان خلية مصرية ارهابية قد قامت بها وقد اكتشفتها أجهزة الأمن المصرية وقد اتهم )بنحاس لافون( وزير الدفاع الإسرائيلي بأعطاء توجيهاته لتنفيذها، وقد تمت محاكمة بعض المتهمين بالتخطيط والتنفيذ لها في المحاكم المصرية، كما صدرت فيها احكام بالسجن، وقد تم هرب بعض المتهمين كما تسببت في هجرة البعض الآخر. قدم لافون استقالته عام 1955، وأفرج عن المتهمين في تلك القضية عام 1968 في تبادل للأسرى بعد نكسة 1967. عجلت تلك القضية بانشاء جهاز المخابرات المصري.

رابعا – حرب 1956 : تسبب العدوان الإسرائيلي البريطاني الفرنسي على مصر من التهاب المشاعر الوطنية، وايجاد مناخ لم يعد ملائما لبعض اليهود في مصر، مما جعلهم يغادرون البلاد والهجرة الى بلاد أخرى، فقد هاجر في المدة من 12 نوفمبر 1956 الى مارس 1957 حوالي

يوسف اصلان قطاوي رئيس الطائفة اليهودية عضو لجنة دستور 23 ووزير المالية ثم المواصلات

يوسف اصلان قطاوي رئيس الطائفة اليهودية
عضو لجنة دستور 23 ووزير المالية ثم المواصلات

14 الف يهودي، وقد جرت محاولات عديدة لتهريب ألأموال في تلك الفترة، وتُقدّر جملة ماتم تهريبه في تلك الفترة بحوالي ثمانية ملايين جنيه مصري

خامسا – عملية التمصير وانشاء المؤسسة الاقتصادية، جرت عملية التمصير عام 1957 للشركات الأجنبية في مصر، وكانت هناك شركات تجارية وعقارية وبنوك وفنادق يملكها يهود لايحملون الجنسية المصرية ولم يحرصوا على اكتسابها باعتبار انهم يستفيدون من الأمتيازات الأجنبية، وقد أدت عملية التمصير الى نزوح عدد أكبر من اليهود،.

سادسا – القرارات الأشتراكية والتأميم عام 1961. جاءت القرارات الأشتراكية لتمتد حركة التأميم الى الكثير من المنشآت وفق ضوابط محددة لحجم رأس المال، بصرف النظر عن جنسية المالكين فقد شملت المصريين، ولم يكن تعداد اليهود كبيرا، فقد هاجرت أعدادهم الأكبر عبر تلك المراحل الماضية

سابعا – حرب 1967 : جاء العدوان الإسرائيلي في تلك الحرب فشمل كل الأرض الفلسطينية وسيناء المصرية والجولان السورية لكي تشتعل المشاعر العربية من جديد، ويشعر اليهود على نحو آخر، بمرارة الأزمة، وتشهد العلاقات مرحلة أخرى من النزوح والهجرة، ويقدر بعض الباحثين من حوارات لهم مع بعض الشخصيات اليهودية الباقية في مصر بأنهم لايتجاوزن عدد سبعة أفراد.

ثمن اسرائيل

تلك هي الحلقة الثانية التي قدمناها عن اليهود والصهيونية وثمن اسرائيل، وقد تناولنا في الحلقة الأولى أوضاع اليهود في المنطقة العربية منذ الفتح الاسلامي حتى الغزو العثماني، وقد كانت العلاقات تتسم بالتفاهم والمعايشة في اطار علاقات متساوية يخضع فيها الجميع لأحكام القانون ونصوص الشريعة باعتبارهم من أهل الذمة، وكانوا في بعض العهود يتمتعون بأوضاع اكثر قربا من أهل الحكم كما كان الوضع في عهد الخلافة الفاطمية، وفي العصر الحديث، وكما رأينا الحال في )مصر( كانت الابواب مفتوحة للمواطنة وللمبادرات في انشاء البنوك وللأستثمار كما في كبرى شركات الأزياء وفي الشركات العقارية وفي السياحة كاقامة الفنادق، والمشاركة في السلطة من خلال الوزارة وعضوية مجلس الوزراء، ناهيك عن نجوم الفن في الموسيقى والغناء والتمثيل والأخراج. ثم جاءت الصهيونية لكي تستبيح الأرض وتفرش الدم وتضرب العلاقات التي كان يسودها السلام والطمأنينة للغد. لقد هاجر الكثير من اليهود، بعد ان ولدوا في ارض كانت لهم وطنا، ومنهم من ذهب الى فلسطين لكي يساهموا في طرد شعب من وطنه، واذا كان بعض اليهود قد تعرضوا لمحنة على يد هتلر، فلقد أصبح للضحايا ضحايا على ارض فلسطين. كان ثمن اسرائيل فادحا، شارك في دفعة الشهداء العرب من الكثير من الدول العربية الذين شاركوا في التصدي للمطامع الإسرائيلية، ودفعة في المقدمة شعب فلسطين، الذي مازال يعاني من البطش الصهيوني، كما دفعه بعض اليهود الذين كانوا ينعمون في العيش بسلام في اوطانهم الأم في العالم العربي. كان ثمن اسرائيل جحيما عانى منه الجميع من مختلف الأديان. علينا كذلك ان لاننسى ان اسرائيل لم تجهز للحرب، الا من خلال المعسكر الأستعماري، وأنها قد استخدمت للعدوان على مصر في عام 1956 قبل دخول القوات البريطانية والقوات الفرنسية الى ارض المعركة، بل ان حرب عام 1967 لم تكن سوى عدوان امريكي تم تنفيذه بأياد اسرائيلية.

في النهاية اسرائيل مشروع استعماري للسيطرة على المنطقة استخدم النزعة الصهيونية العنصرية وقام بدفع الثمن العرب واليهود.