كلما تقدمت السياسة تراجعت الثقافة

نعيم تلحوق

في العرف فكرة ثابتة، كلما تقدّمت السياسة تراجع العمل الثقافي، وهذه آفة من آفات الفكر نقع فيها ولا نُحسن التعامل معها…

الثقافة لأجل السياسة شأن خطير، والسياسة لقتل الثقافة شأن أخطر… لذا، من المفيد لنا أن تبقى الثقافة عنواناً أو نبراساً في معركة الوجود لتسلم بنا الحياة…

تأتي جمعية نيزك، بالتعاون مع بلدية الشويفات والمركز المهني ليجسدوا »قراءة الحياة.. كم كتاب تقرأ وماذا تقرأ«، معرض كتاب، أعمال درامية ، أشغال يدوية دمى متحركة، شعر محكي وآخر فصيح، مسابقات أدبية، وورش عمل عن الرجل الآلي، وأغانٍ ورقص للصغار والكبار وتواقيع كتب…

معرض كتاب هو معرض للأفكار لا للورق ، للتبادع بين الآراء ، لخلق مساحات من الحوار بيننا وبين الأغراض الحيَّة التي تؤثِرُ جمالاً وتبتغي فكرةً جديدة …

ممثل وزير الثقافة مع شعراء الزجل

ممثل وزير الثقافة مع شعراء الزجل

الثقافة يا سادة، ثلاث: عطاء ذ محبة ذ احترام، وكل خروج عن صناعة هذا المثلث، هو لغو وحشو خارج التثقيف، لأن الثقافة تلتزم النص وصاحبه، بدلالة حقيقة صادمة، فالانزياح في اللغة هو غيره الانزياح في المعنى… ولكي نتثاقف، علينا أن نعطي دون منّة أو حساب… والكتابة مثلث أيضاً، فلا يمكن أن نطلق على إنسان لقب كاتب قبل تفعيل ثلاث: الهوية ذ المكان ذ الرؤيا…

في الهوية نخاف بياض الصفحة لا سواد الحبر… والمكان صناعة الروح أي كل متخيّل يفضي بنا، في المكان والزمان، وعليه فإنه يجب أن نعلم أيضاً الى أين نحن متجهون، وما القصد من الكتابة ، الهدف أو المرمى الذي نبتغيه …

لذا، الثقافة شيء آخر غير السياسة والاقتصاد والحسابات، وخلاصتها تؤكد أن بمقدور أي مثقف حقيقي أن يصنع ألف سياسي، وليس بمقدور ألف سياسي أن يصنعوا شاعراً أو رساماً أو موسيقياً واحداً…

هل سمعتم أن شاعراً عُيِّن بمرسوم أو موسيقياً صدر بقانون؟؟

هل نحظى بالمفارقات ونحن في جمعية نيزك، نفتتح معرضاً للكتاب، والقراءة أصبحت عملة قديمة، والسيدة إيلدا ابو فخر تصرّ على الدخول في معركة الكتاب، لتؤسّس مع الجادين إعادة خلط الأوراق، فلا تنظروا يا سادة الى الفن من شعر ورسم وموسيقى ومسرح على أنه مادة للتسلية والمتعة فحسب… هو حقيقة لاكتشاف الذات، فالإبداع علاج لمرض النفس البشرية ، لمداواة الذات ، والموهبة هدية من الأعلى، لنكتشف أمراضنا ونعالجها بالخلق … فلنحرص إذاً، وما علينا سوى الاسراع في ضخ منشّطات الفن لنستعيد عافيتنا،ولا يكون ذلك بغير القراءة ، وبغير هذا الفهم، لن نسعى لنكون أمة حيّة بين الأمم أو وطناً يستحق شرف الانتساب الى الحرية والحياة..

هل وُجدنا كي نأكل ونشرب ونتناسل؟.. سؤال؛ لماذا نحن؟

أن نضيف على وجودنا بصمة فنكتشف المعنى من وجودنا والغرض من الموهبة التي أعطيت لنا… لنعيد رسم صورة المستقبل المتحدي مرة تلو مرة…

الأسبقون قاموا بما يجب وعلينا نحن أن نبتكر أسلحة جديدة كي نقوم بما يجب أن نقوم به… لنستحق شرف الانتساب الى المعنى والى الحرية؟!

إنه المعرض الثاني للكتاب في الشويفات، عسى أن لا تتوقف هذه المحاولات في ظل أشرس حملة تُقام على مجتمعاتنا، فمن الشويفات، الصورة المصغّرة عن الوطن الذي نريد، أشكر القيّمين على هذا العمل، والشكر لكم جميعاً…