33 صلاة في جوف الحوت، لـ يوسف رقّة

نسرين الرجب_ لبنان

»لم يكن لدي خيار آخر.. لم يبق سوى الدعاء والصلاة للخروج من جوف الحوت«

 لا يُدرك معنى الحرب إلّا من عايشَها، ومن لم يُعايش ويلاتها لن يكون بإمكانه أن يفهم معنى التضحيّة، الصبر، الصمود، والسر الالهي الذي يجعل من كائن ضعيف لا حول ولا قوة له، واثقا وهو يقف على خط المواجهة مع الآخر العدو، لا ترهبه ذخائره ولا اصطفاف العالم ضدّه، فالوطن الذي يغالب دمعه ويعرج على انكسارته كي يرفع راية انتصاره عاليا هو وطن لا يُهزم بإرادة شعبه وإيمانه بحق امتلاكه لسيادته.

 »33 صلاة في جوف الحوت« مسرحيّة ملحميّة، لمؤلفها يوسف رقّة، وهو نص مستوحى من حرب تموز 2006، كما هو معنَون على صفحة الغلاف، لا يبتدع المؤلف زمنا بعيدا، ولا ينغلق على حقبة زمنيّة رغم بيان دلالتها، بل إنّه ينفتح على ما هو أبعد من الرمز، هو يتناول المشهد من زاوية لا تقع في قلب الحدث فتصوره تصويرا دقيقا، ولا تبتعد في التقاطه لتغيب في مدلهمّات الفهم، أو تفاصيل لا شأن للمتلقي بها، بل هو يختار زاوية فنيّة معينة يطل من خلالها على العالم الأوسع ولربما هو الأصدق والأكثر تعبيرا عن موضوعة الحرب، من خلال مشهد العائلة التي تتلقى خبر الحرب من دون أيّة علامات سابقة، هنا يأتي هذا النص المسرحي ليصيغ رؤية جديدة للواقع، متناقضة جدا ومتوافقة جدا.

الواضح في دلالته

 في العنوان نقع على محاكاة وتماهٍ قريب في دلالته يعبّر عنه الرقم 33 وهو إشارة إلى الحرب الاسرائليّة على لبنان في العام 2006، التي بدأت في الثاني عشر من شهر تموز وامتدت على مدار ثلاث وثلاثين يوما، أما المحاكاة الثانيَة فهي تماه مع قصة النبي يونس التي وردت في القرآن الكريم، النبي الذي نادى ربه في ظلمات جوف الحوت أن مسّه الضر، فداوم على العبادة والدعاء حتى استجاب له الله ونجّاه من الغم، أما الترابط فهو يحمل قيمة توظيفيّة لا تخفى على من اطّلع وطالع وقائع هذه الحرب الّتي انعدم فيها توازن القوى، وقد كان للصلاة والدعاء

33 صلاة في جوف الحوت، لـ يوسف رقّة

33 صلاة في جوف الحوت، لـ يوسف رقّة

الدور الفاعل في تحصين الوطن من غيْ العدو، بالإضافة أوّلا إلى الإرادة والتضحية التي تجسدت في المقاومة، أما في إحالتها على البعيد، فالصلاة هي الصلة بالخالق، وهي محاولة للنجاة من الكرب والاستعانة بالقوّة الالهية للخروج من مأزق الحياة، على ما تنتجه ضعف الارادة وقلة الايمان من اهتزاز في الموقف وغياب الجديّة في التعامل مع أحداث العالم.

ما جاش في الصدر

 تبدأ المسرحية بمشهد القبعات الثلاث، يتناوب على العرض فيه ثلاثة مهرجين، يدخلون المسرح بشكل هزلي، وتنطلق ألسنتهم بسرد مصطلحات: )النظام العالمي الجديد، الشيطان الأكبر، ديمقراطية، نازية… مجزرة قانا، إرهاب، بروليتاريا…( وغيرها، التي قاربت 41 مصطلحا تعبّر عن مفاهيم سياسيّة معاصرة تجيش بها نفوس الناس، الّذين تتقاذفهم هبّات هذه المفاهيم لتفرض عليهم تخطيطات ومشاريع رجال السياسة في العالم، هذا التداعي الحر، لم يأت عبثا فهو يحمل سمات المضمون، والفوضويّة أو التظاهر بالعبثيّة والتي شكّلت مدخلا للدلالة على عبثيّة الحرب وتنظيمها في الحين ذاته، فالحرب خدعة كما قال الرسول »ص«، وهي تتظلل بالحجج الواهية لتبرّر مشروعيتها.

 تهبط من السقف مظلة، يردد الممثلون تحتها من جملة ما يرددون: »رايات وشعارات، أقنعة مزيفة..لا نرى إلا الحرب…..« يكررها الثلاثة على التناوب.

 يدخل الراوي ويبدأ الكلام بمقطع من دعاء »الجوشن الصغير« وهو دعاء معروف عند الجنوبيين والمقاومين، منقول عن الرسول لدفع شر العدو والحفظ من البلاء، فالجوشن لغة هو الدرع أو الصدر ومنه تعبير »ما جاش في الصدر«، احتمى الجنوبيون بهذا الدعاء أيام الحرب، في سياق الأحداث يطلب الشاب من حنان أن تقرأه :« ليتك تقرئين دعاء الجوشن الصغير عند الثامنة مساء..«، »صلي كي يحفظ الله شجرة البلوط التي تحمينا بجذورها الرطبة..« فـ«الجميع سيشاركون في هذا الدعاء ليحفظنا الله، ويحمي أرضنا وشبابنا..وسننتصر بإذن الله….«

الإطار الدرامي

 البناء الفني في النص المسرحي غير تقليدي، لا يقوم على الصراع التأزم والعقدة والذروة، هناك مداخلات ومشهديّات لا تخضع لنظام قصصي متواصل، تحمل كل منها دلالتها المنفصلة والمكمّلة في آن لرمزيّة التناوُل.

 يعتمد يوسف رقّة في كتابته المسرحيّة هذه؛ المنهج البريختي وهو منهج معروف لدى المسرحيين والذين يمتلكون معرفة فيما خص نقد المسرح، في محاولته تخليص الحدث )الحرب( من عاديَته، يبتعد ليقترب، يذهب في التفاصيل المتّصلة بالموضوع : )مشهد الفراغ، الخوف، الاتصالات بين المرأة وزوجها الّذي يطمئن اليها، ما تنقله الشخصيات من أخبار الحرب، النزوح، انشغال الناس بأنفسهم وأنانيتهم، الصليب الأحمر..(، يتعمّد المؤلف أن يُحدث نوعا من القطيعة بين المشاهد من خلال وجود الراوي أولا، والمشهديات المختلفة ثانيا والتي تحمل كل منها حدثها الخاص.

 يؤدّي الراوي دورا مهمّا في إحداث عمليّة النقل، يُهيء المتلقي للمشهد التالي، ليُبقيه متيقّظا بأن ما يراه أبعد من الموقف الدرامي المُشاهد، حتى يقيه سطحيّة الاندماج في السياق فيتوقف ذهنه عن التأويل، وهذا ما يتلاءم مع تقنية التغريب في المنهج المشار اليه، والذي يهدف من خلالها إلى تنحيَة عاطفة المتفرّج جانبا، والمراهنة على وعيه في التفكير بما وراء المشهد وتحليل المواقف كـ)الحوار الذي دار بين شخصية سيزيف الأسطورة مع سيدة المكتب، سيدة القطار والغزال )نازح البصرة( : »إنني أتبع هذا القطار لعلني أتمكن من قطع بعض المسافات نحو الهدوء والاستقرار«(.

 لكل شخصية صوتها الذي يُخبر عنها ويُحدّد موقفها: حنان الأم التي تخاف على ولديْها من تأزم الأوضاع، عودة أدهم إلى بلدته بعد نجاح والدته في الوصول إلى منطقة آمنة، ليشارك في مقاومة العدو:« الحرب بشعة ولكن أن نعيش كنازحين فتلك مأساة كبيرة…«

 الراعي الّذي خسر قطيع الماعز وظل صامدا، العجوزان اللذين يتسايران بالأحاديث الطريفة ليُشتتا خوف حنان، سيدة المكتبة التي تعيش بين الكتب، سيدة القطار الصحافية التي تتنقل من بلد إلى بلد، الشابين الّلذين يظهران من حين لآخر ليوثقا الصلة بين المُتوقع والواقع، حضورهما الخفيف وتجاهل أسئلة حنان عن الرجال والأحصنة على ما يحمله ذلك من دلالة وثيقة الصلة بالمقاومة وحرب تموز.

 هذه الشخصيات لا تعيش صراعا داخليّا مما يدل على أن العدو ليست الذات بل هناك آخر، آخر لا نقع على ملمح واضح لكيانه ولكن النتائج تظهر وحشيته وعبثيته، تواجه الشخصيات صراعا ديناميكيّا في رفض الاستسلام للمصير، وتختار المواجهة، تحمل كل منها رمزيتها واللافت في النص غلبة الشخصيات النسائية، فلا تبدو المرأة في المشاهد الكائن الذي يتلقى، فهي الأم الحنونَة كما حنان التي تربي أبناءها على حب الأرض والوطن، تخشى عليهم وتضحّي في سبيل بقائهم، تدعم جنود المقاومة وتشاركهم الدعاء، وهي المستمع الجيّد وهي السؤال في سيدة لمكتبة، الساعيّة كما سيّدة القطار: »طبيعة مهنتي تتطلب التنقل من مكان لآخر…مهنة المتاعب..مهنة الصحافة..وما إن أصل إلى محطة حتى أتوجه إلى محطة أخرى« وهي العجوز الصامدة في دارها مع زوجها، اللذان يعيشان غير عابئين بمخاطر الخارج..

خصوصيّة الحدث

 تتبدى قدرة المؤلف في التعامل مع خصوصيّة الأحداث الــ«فوق عادية« في حياة الشخصيات، فلكل بيئة معتقداتها ورؤاها التي تنسجم مع طريقة تفكيرها وفهمها للأمور، يختلط الخيالي بالواقعي، لينقل الحال والأقاويل التي راجت في تلك الحرب.

 في سيدة المصعد مشهد طارئ وعجيب لامرأة حامل عالقة في مصعد، بسبب انقطاع الكهرباء تصرخ وتتحرك فيأتي تساؤلها: » لن أتمكن من الخروج قبل أن يحين موعد ولادتي..«، »متى يحين موعد ولادتي… هيا عجل بظهورك..ماذا تنتظر؟…هل تريدني أن أموت في مصعد سخيف؟« هناك أزمة يعبر عنها المصعد، انقطاع الكهرباء وما يعنيه ذلك من استحالة الصعود من دون وجود طاقة شاحنة، في مقابل امرأة حامل، عبثا تستنجد كي يسمعها أحد ولا من مجيب، »فحتى حارس الفندق قد رحل برا إلى دولته المجاورة« عندما تقول مخاطبة جنينها )عجّل ظهورك(، فهو إدراك واع من المؤلف، الذي على يقين بأنّ المشهد الحربي هو على تماس قوي مع المحتوى الثقافي الديني لمنطقة الجنوب اللبناني، وفرضيّة المخلص والمهدي المنتظر الذي سوف يظهر في آخر الزمان، وينتهي المشهد في رمزية راقصة لممثلين بثياب بيضاء، هناك دفق دلالي يشغل بال المتلقي ويجعله في حالة تأهب فكري وتحليل للرموز والاشارات كقول الراعي : »سأبقى هنا على الرغم من تكوّم الذباب على الجراح..هذا الذباب كان مرشدي إلى مكمن الجراح..«

 مشهد الفرسان والسيوف والدروع والأحصنة، الّذي رصدته شخصية حنان مؤكدة بأن ما تراه هو حقيقي وليس خيالا، فراحت تنادي عليهم وتحذرهم وتسألهم فيما إذا كان سلاحهم مشروعا؟؟ قصد المؤلف أن يلفت المتلقي ليعكس رؤية الناس إلى المقاومين الذين يجاهدون العدو، فهم يروْنهم ملائكة وأشخاص أسطوريين »إنني لا أرى إلا بساطا أخضر يفترش الهضاب والحقول، وعيونا شاخصة نحو الشمس والحرية«، وكيف يتحدث هؤلاء الأبطال عن أنفسهم بتواضع أو يتجاهلون وينكرون هذا الحديث عنهم كي لا يقعون في حب الذات »رفاقي يختبأون تحت شجر البلوط ولا يظهرون إلا عند الضرورة..«.

 هذا النص المثير للقلق من غير أن يغرق في التضليل، هو متضامن متماسك في ذاته، يحيل على الأسطورة »سيزيف في المكتبة« تقول سيدة المكتبة في بداية المشهد: »القيَم الانسانيّة تتدحرج إلى الحضيض«، وتختم مداخلتها بقول الأديب ميخائيل نعيمة: »متى ستبلغ الانسانية سن الرشد؟« ليتماهى مع الكثير من الأخبار التي كانت متداولة حينها عن النصر الأسطوري على الأعداء، فكل شيء قابل للتأويل حتى الأساطير والتي نتعامل معها كخُرافة هي قابلة للتنمنطق.

 يضع المؤلف، في كلمته بداية الكتاب، نصه في موقع التحدي أمام المخرجين، طالبا منهم أن ينقلوا الحدث لا بنمط الأداء المباشر إنما برؤية إخراجيّة ترصد الموقف الدرامي بمعناه من غير أن تترجمه كحدث سردي آلي، وهو نص قابل للتعميم على أنه لا يعلق في حصريّة المسميّات على الرغم من وضوحها، لذلك قد يتماهى مع المبدأ العام القائل بمشروعيّة المقاومة والدفاع عن حق العيش والأرض، ولقد أبدع المؤلف في صياغة ملحمته المسرحية التي يختلط فيها الواقعي بالخيالي، لتستحق الجائزة الكندية باشراف اتحاد كتاب الدراما في مونتريال 2007.

.