هل قضى آخر امراء مدينة ’لكنو‘ نحبهم في قلعة للصيادين وسط دلهي؟

 

دلهي- جاد الحاج

المدن الهندية الكبرى، مومباي، كالكاتا، حيدر اباد، شناي، بانغالور، دلهي، قفران لا تعرف السكون ولم تتعرف على الهدوء منذ دهور. فالعجيج البشري المختلط بضوضاء الالات، خصوصاً ذات المحركات الجوالة، شرايين نابضة في صخب دائم. ثمة فوارق طفيفة في المشهد العام بين مدينة واخرى، الا ان كثافة الحضور السكاني تتجلى بالتهافت الكاسح على الوافدين الاجانب: متسولو كالكاتا دبابير مجنحة، تدربت على التشليح عبرقوانين تسمح بتطويق ’الضحية‘ وتسلق ضلوعها، وتفتيش جيوبها، واعتراض مساراتها حتى لو ’بقت

سكينة وشقيقها مع احد الخدام وكلب حراسة

البحصة‘. سائقو مومباي يصادرون حقائبك وقد ينطلقون بها إن لم تركب عجلاتهم بلا تردد، وفي دلهي ينضم فريق محزن من العميان الى المشهد، ينشدون تراتيل دراماتيكية، قد تجعلك متسولاً قبل ان تبلغ الفندق الذي لن يحميك الا قليلاً في كل حال!
ينصحك الضالعون في الهند أن تترك فؤادك في البيت قبل بلوغك أي من المدن الواردة اعلاه. لكن ماذا لو اضطرتك ظروف قاهرة، كعطل طارئ في رحلتك، اجبرتك على الهبوط في نيودلهي، وشحنتك شركة الطيران الى فندق مخمس النجوم والأقمار، طافح برائحة الكاري والتوابل الحارقة المرحبة بوصولك الميمون؟
’لماذا نيودلهي ودلهي؟‘ سألت صاحبي المراسل الاسترالي مارتن سمايلي الذي عمل سنوات مراسلاً لتلفزيون إس. بي. إس في القارة الهندية. قال مارتن:’ارادت السلطات الهندية تكوين عاصمة ادارية مستقلة على غرار واشنطن أو كانبيرا، لكن وجود معظم المواقع الحكومية والسفارات الأجنبية في دلهي نفسها دفعها الى اجتزاء الف وخمسمئة كلم مربع باتت تضم حوالى 11 مليون نسمة اضف اليهم 26 مليوناً في دلهي الأصيلة وستجد نفسك في اكثر مدن العالم اكتظاظاً وتلوثاً! وسوف يتغيّر لون ملابسك ولون سحنتك قبل حلول المساء!‘

 

لحسن ما تبقى لي من حظ ان مارتن يعرف دلهي عن كثب ويعرف اننا لن نمضي وقتاً طويلاً بانتظار استكمال رحلتنا الى سيدني، ويعرف ايضاً انني اهتم بالدرجة الاولى للفنون على اختلاف مظاهرها، فولكلورية، معاصرة، او تجريدية. ولذا عليه الا يسترسل في الإحصائيات المضجرة اذا كنا سنفعل شيئاً غير الاكل والنوم والانتظار. صَفَن مارتن وزم فمه علامة الإستقصاء بعيد المدى. اشعل سيجارة وتمشى في الفناء الخارجي للفندق. بدأت اشعر بالذنب لانني حشرته في زاوية كان بغنى عنها. لكنه عاد منفرج الاسارير بعدما اطفأ ’مصيبته‘ كما يسمي السيجارة وقال: ’سوف آخذك الى غابة الصيادين!‘
ـ اي صيادين؟ نحن في مدينة ملزوزة المباني مثل حبات البرغل يا رجل ووقتنا لا يسمح بمغامرات بعيدة من المطار.
ـ حوالى نصف ساعة في التاكسي. معنا جوّالنا وعندهم ارقامنا. هيا!
لن اعرف اي وحي هبط على مارتن لكنني لن اصرف وقتاً طويلاً في التأملات، بل سادخل في صلب الحكاية:

نعم ثمة غابة وارفة الى حدّ الإختناق باغصان الشجر المتشابلكة والاعشاب بالغة العلو، وهي ايضاً محتشدة بمخلوقات دغلية تظهر وتختفي عدا القرود الوقحة التي تتارجح من غصن الى غصن في مواكبة فضائية للضيوف الطارئين. وحول الغابة سور منهك يحتمل ان تهده رفسة خلفية مزدوجة من بغل مبيطر!
امام المدخل حارس حاضر لبيع الغابة وما فيها بسيجارتين، لكن مارتن اعطاه العلبة كلها فابتسم عن اسنان صبغتها رشاوى النيكوتين، وفتح لنا باباً اكل عليه الدهر وشرب فمحا محفوراته التي امست غامضة كالنسيان. الدرب الترابية الضيقة بالكاد اتسعت لقدمين في اتجاه واحد، وتلولبت بلا وجهة واضحة نحوخرابة يصعب التكهن بتاريخ هجرها، قناطرها متصدعة وجدرانها تتسابق على اللحاق بعالم الآثار.
ـ عندما كان الانكليز هنا كانت هذه الواحة وهذا المبنى نادياً للصيد، لكن مصير الابنية ليس افضل من مصير البشر، هه. في القرن الرابع عشراعتبروا هذا المبنى تحفة معمارية. ولفترة طويلة استعمله التاج البريطاني لإقامة الحفلات الصاخبة البعيدة من الفضوليين. ‘
جلستُ على حجر وسيع، صفحته المالسة تنم عن ذاكرة حافلة بزائرين وزائرات وجدوا سلواهم في كنفه المضياف، كأنه استقل من الجدار بالتراضي. ’تحت هذا السقف الهزيل عاشت عائلة اميرية غريبة الاطوار‘ قال مارتن واشعل سيجارة أخرى:’ آخر افرادها رحل منذ اقل من ثلاث سنوات‘. وجلس مسنداً ظهره الى القنطرة المقابلة، وبدأ يروي قصته العجيبة: ’بين منتصفي القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر حكمت اسرة ’عوض‘ امارة ’لكنو‘ في شمال الهند. وعدد سكان لكنو حوالى خمسة ملايين نسمة معظمهم من المسلمين الشيعة. سنة 1856 ضمت بريطانيا العظمى الشمال الهندي برمته، ونفت حاكم لكنو الامير النوّاب عوض رمضان الى النيبال، كما اخلت قصره ممن تبقى من عائلته. ويروى ان الملك ادوارد الثامن زار دلهي سنة 1911 وحاول استرضاء حفيدة النوّاب المنفي بإكرامية ملكية جزيلة لكنها رفضت قبول مكرمته.
بعد اسقلال الهند وغياب الشمس عن امبراطورية آل ويندسورمنح جواهر لال نهرو، رئيس الحكومة آنذاك سلالة عوض قصراً في كشمير. فانتقل الورثة اليه سنة 1947 حيث عاشوا في امان حتى 1971 عندما شبّ فيه حريق مجهول الاسباب. ‘
في الواقع لم يبق من عائلة النواب العوضي سوى ابنته ولاية محل، وولديها رضا وسكينة، وصلوا ذات يوم الى محطة قطارات دلهي مع 13 كلباً وسبعة خدام، وعدد غير موصوف من المتاع والحقائب. للتوّ احتلوا قاعة الدرجة الاولى للضيوف حيث اعلنوا للصحافيين انهم يتهمون الحكومة والانكليز بحرق قصرهم ويطالبون باسترداد ممتلكاتهم في لكنو، ولن يتراجعوا ولن يغادروا المحطة التي سرعان ما باتت تحت سيطرتهم فراحوا يتنقلون في اجنحتها وقاعاتها خصوصاَ تلك التي شيدها التاج البريطاني لرجاله وعائلاتهم مثل قاعة لويس مونتباتن الشهيرة.
بعد ثلاث سنوات على هذه الحال عرضت السلطات الهندية تسليمهم قلعة الصيادين مركزاَ دائما لإقامتهم. عزة النفس المبالغة لديهم حرمتهم من الطبابة وابسط مقومات العيش الطبيعي، فكانوا يرفضون كل عروضات السلطة والسكان على السواء. نحلت اجسامهم، وانهكتهم الأوبئة. وحين شعرت الاميرة ولاية بقرب اجلها طحنت مجوهراتها وابتلعتها مع السم فماتت منتحرة. تبعتها سكينة التي اصيبت بمرض جلديّ فتاك، ولم يبق حيّاَ سوى رضا الملقب بساويرس وهو من افسح في المجال للصحافيين الأجانب فقط امثال مارتن للحديث معه قبل ان يقضي نحبه وتغلق السلطات باب بيت الصيادين بانتظار مشروع من غير المستبعد ان يكون ناطحة سحاب اشد غموضاً من موئل آخر امراء لكنو.
ختم مارتن حكايته العجيبة بقوله: ’ ولكن ما من شيء مؤكد ونهائي في الهند، ففي لكنو يعتقد كثر ان اولئك الذين ماتوا في قلعة الصيادين محتالون ولا تربطهم صلة بنواب المدينة!‘

 

العدد 102 –اذار 2020