قراءة في الحرب بعد دخول اليمن على الخط

 مع دخول الصواريخ اليمنية في الحرب الدائرة اليوم في المنطقة ، الممتدة بين ايران ولبنان وفلسطين ، يتساءل البعض بشيء من السذاجة ، او بكثير من التشكيك، عن سبب  تأخر (أنصار الله)  مدة شهر عن المشاركة ، وهم الذين كانوا السباقين إلى المشاركة في كافة المواجهات السابقة ، منذ اوائل ملحمة طوفان الاقصى قبل عامين ونصف.

  هؤلاء المتساءلون ، او المشككون ، لم يدركوا بعد ان قيادات المقاومة اليوم من ايران إلى فلسطين ولبنان والعراق واليمن لا تتحلى بالايمان والشجاعة فقط ، بل أيضًا بعقل استراتيجي يعرف متى وكيف واين يتحرك ، بشكل جعل من مستوى مشاركتهم  في هذه المعركة “مفاجأة الأمة لنفسها” ، بل “مفاجأة للعالم نفسه” ، وهو الذي كان يعتقد ان حرباً تشنها واشنطن ويشارك فيها العدو الصهيوني لن تطول أكثر من ايام معدودة ، خصوصاً بعد نجاح أطراف العدوان في اغتيال المرشد اية الله خامنئي ، والعشرات من القادة الإيرانيين.

 ومع دخول رجال اليمن وابطالها مستهدفين العدو في جنوب فلسطين ، جنباً إلى جنب مع المقاومة اللبنانية التي تستهدف العدو في مستعمراته في شمال فلسطين المحتلة ، في حين تصب القوات الايرانية اغلب حممها في اواسط فلسطين المحتلة ، وصولاً إلى ديمونة.

طبعاً تستعد قوى المقاومة في الدفاع عن المنطقة لمواجهة موجة جديدة مرتقبة من الحرب  العدوانية اللئيمة عبر   محاولة اميركية مشبوهة لفتح مضيق هرمز في اطار معركة تستهدف الحفاظ على ماء وجه الدولة التي ظنّ الجميع انها اقوى دولة في العالم ، في الوقت الذي يخرج فيه ثمانية ملايين اميركية وامريكي في العديد من المدن   في الولايات المتحدة  في تظاهرات ضد الحرب التي لم يمر عليها شهر ، فيما استمرت حرب واشنطن في فيتنام عدة سنوات قبل أن تهزم الإدارة الاميركية في الداخل الاميركي قبل أن تهزم في هانوي.

 ولعل اعلان رئيس أركان الجيش الاسرائيلي  في اجتماع مجلس الحرب الصهيوني ان “جيشه على وشك الانهيار” هو  ما يلخص الواقع الميداني لدى الكيان  الصهيوني الذي لا يختلف كثيراً عن الواقع السياسي والاقتصادي والشعبي داخل الولايات المتحدة نفسها.

من حكايات رأس السنة ملحمة الطيبة (1975/1/1)

فيما كان العديد من اللبنانيين غارقا في آخر سهرة لرأس السنة يمضونها قبل اندلاع الحرب الملعونة في ربيع 1975، وفيما كان بعضهم الآخر قد آوى الى الفراش طاويا عاما انقضى ومستعدا لاستقبال عام جديد، كانت قوة إسرائيلية مؤللة تتقدم داخل قرية جنوبية حدودية بقصد تأديب أبنائها الوطنيين، حيث لم يكن في (الطيبة) آنذاك، ولا بعدها، قواعد للفدائيين الفلسطينيين. وكان الجنود الاسرائيليون ما زالوا تحت تأثير سحري لكلام قائدهم السابق موشيه دايان بعد حرب حزيران 1967: »احتلال لبان لن يكون لنا أكثر من نزهة تقوم بها مجنداتنا على الدراجات«، وكان بالطبع يغمز من قناة دول عربية أكبر بكثير من لبنان، وذات جيوش أكثر عددا وعدة، لم تصمد سوى أيام أمامه. فإذا كان احتلال لبنان بأسره نزهة، فكيف يكون إذن حال غارة مدججة بكوماندوس ومدرعات على قرية عاملية صغيرة معزولة وعزلاء لا تفصلها عن حدود فلسطين المحتلة والمستعمرات الصهيونية فيها إلا أمتار قليلة. فوجئ الجنود الاسرائيليون بالنار تطلق عليهم من بيت قروي متواضع في مدخل القرية، وتقتل منهم من تقتل وتصيب آخرين. بل فوجئ الغزاة بهذا البيت يتحول الى متراس مدجج بالنار، وقد كانت كل استطلاعاتهم الدقيقة تشير الى خلو القرية برمتها من فدائيين أو مقاتلين. جن جنون الجنود وقائدهم وغرفة العمليات التي توجههم، وصبوا جام قذائفهم على البيت واستدعوا مروحياتهم، وفتحوا مع هذا البيت البسيط جبهة نار استمرت عدة ساعات. وصمتت نيران المدافعين، وتقدم الغزاة بعد تأكدهم من استشهاد من كانوا في البيت ليجدوا فيه جثثا ثلاث والى جانبهم بنادق إحداها آلية روسية والثانية نصف آلية والثالثة بندقية إنكليزية من مخلفات الحرب العالمية الأولى، بل وجدوا جريحا رابعا يئن بصمت وحزن وكبرياء. وتضاعفت مفاجأة الجنود الغزاة حين عرفوا ان الذين استشهدوا وجرحوا كانوا أفراد عائلة جنوبية واحدة هم الشهيد السيد علي شرف الدين وولداه السيدان عبد الله وفلاح وان الجريح كان السيد حسين النجل الثالث في العائلة. طبعا لم يفهم الطغاة، وقد أمدهم الله »بطغيانهم يعمهون«، ان الشهداء البعثيين الثلاثة وابن بلدتهم الشيوعي الشهيد الرابع محمود قعيق، هم طلائع مقاومة جنوبية متنامية ستتحول مع الأيام الى إحدى أخطر الظواهر المهددة للأسطورة الصهيونية والمربكة »لجيشها الذي لا يُقهر«. وطبعا لم يدرك الغزاة أيضا أنهم سيواجهون على امتداد عقدين أو أكثر حالة من الجسارة الجنوبية التي تختزن في داخلها حباً غير محدود للأرض، وإيمانا غير مسبوق بالحق، وتراثا ممتدا من الروح الحسينية الاستشهادية. وطبعا لم يقرأ المحتلون جيدا اسم »العائلة الشهيدة« شرف الدين، ليدركوا انه وصية أكثر منه اسما، انه دعوة للدفاع عن الأرض لأنها »شرف«، وللدفاع عن الحق لأنه »دين«. وظن أركان المطبخ العنصري في تل أبيب، انهم بإشعالهم الحرب الملعونة في لبنان بعد أشهر على تلك المعركة الملحمة قادرون على وأد تلك المقاومة الوليدة وتحويلها الى مجرد ذكرى في مستودع النسيان الكبير. ولكن الحرب الملعونة التي اشتعلت في كل أرجاء الوطن لم تستطع ان تطفئ شعلة أنارها أبو حسين شرف الدين وولداه، وقبلهم أمين سعد (الأخضر العربي) وواصف شرارة وحسين علي قاسم صالح، وبعدهم الشهيد أبو علي حلاوي، بل لم تستطع تلك الحرب على ضراوتها، أن تمنع تلك الشموع التي أشعلها قبل ربع قرن أولئك الرواد في زوايا جنوبهم المنسية من أن تتحول اليوم الى شمس تضيء سماء الوطن كله، شمس المقاومة، التي وان تعددت رايات مجاهديها وتنوعت، فهي واحدة مستمرة حتى التحرير. قبل »السادة« علي وعبد الله وفلاح شرف الدين، و»سيد« شهداء المقاومة عباس الموسوي، و»السيد« العاملي بلال فحص، و»السيد« الطبيب حكمت الأمين، و»السيد« الرفيع هادي حسن نصر الله وكل شهداء المقاومة، سادة الوطن والأمة، كانت كلمة »سيد« لقبا موروثا يتصل بنسب شريف وعريق، وبعدهم تحولت الى رمز لبطولة وتصميم بدونهما لا تكتمل »سيادة« وطن أو أمة. في رأس السنة الجديدة سنسهر مع حكايتهم وحكايات كل شهدائنا والأبطال… فهي الأجمل والأمتع والأبقى. معن بشور