لا تسألوني عن الأسطورة في لبنان!

تفترض الأسئلة في لبنان الفهم الصعب والمعقّد توخّياً للدقّة في كشف تاريخ وطني بتراكماته الطائفية والمذهبية.

لماذا هذه الاستهلالية؟

لأنني أرى لبنان مسكوناً بأجوبة مسكونة بدورها بأسئلة لا تنتهي لكأن اغتيال الرئيس رفيق الحريري والإمام موسى الصدر متشابهين وحافلين أبداً بالاستحضار اليومي لتداعيات الانقسامات واللجوء إلى توليد مناخات تتجدد لكونها مقيمة في مقدمات الذاكرات السياسية وقُل الحزبية.

موتان أسطوريان يصعب محوهما ذاكرة تاريخ لبنان المعاصر. لا أقصد أن اللبنانيين أقاموا جميعاً كي لا أقول إنهم مقيمون بحقّ في جريمتي خطف الإمام موسى الصدر وقتله في ليبيا في 31 آب/أغسطس عام 1978 واغتيال الشيخ الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير عام 2005 في قلب “بيروت: المدينة العريقة للمستقبل”. أقصد هنا التوليد لتداعياتهما المُقيمة في المُقال والمكتوب. تغيّرت ملامح السلطات والطوائف والإعلاميين ومدى توزعهم بل تشتتهم في لبنان بحيث بدت مستقرّة على الأرجح، وهذا صحيح، لكن البذرة بقيت حية. هكذا…… يبدو لبنان الصغير بحجمه وبمواقعه وصلاته العالمية المتنوعة جاهزاً، للأسف، للانخراط بأحداث أسطورية خفت أو قوي صداها بما يُشغل أو يُشعل انتباه الدول الإقليمية والعالمية.

ما يُكابده اللبنانيون وإخواننا العرب اليوم يبلغ حدّ الأسطورة في تلمّس ملامح المستقبل ووجهة العالم بكلّ ما تضمره هذه العلاقات في دنيا رقمية يغطس فيها الجميع تمكّناً من سلطاتٍ تفيض بالذكاء الطبيعي برأيي لا الاصطناعي إذ بات الإعلام أمامنا السلطة الأولى لا الرابعة وفقاً لما أثبته الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو معلناً النظام الديمقراطي عقب الثورة الفرنسية عام 1789. 

لو سألتني: ما هي هذه الأسطورة أو ماذا تقصد بالغياب أو الموت الأسطوري للحريري أو للصدر وغيرهما مع أن اغتيالات حصلت في التاريخ لرؤساء أميركا من إبراهام لينكولن وجون كينيدي وجيمس جارفيلد ووليم ماكينلي وثيودور روزفلت ودونالد ترامب الرئيس الحالي الذي أصيب على يد توماس ماثيو كروكس وأنور السادات 1981 وأنديرا غاندي.. على سبيل المثال لا الحصر اللذين لم يصل موتهم حدود الأساطير، لأجبتك على الفور ناقلاً ما كتبه القديس أوغسطينوس حرفيّاً في كتابه: “اعترافات”:

“إنني أعرف جيّداً ما هي الأسطورة، بشرط ألا يسألني أحد عنها، ولكن إذا ما سئلت، وأردت الجواب فسوف يعتريني الاحمرار والتلكؤ والخوف”. وإليه أضيف: اللبنانيون وعددهم المقيم 6 ملايين نسمة تقريباً مسكونون أبداً بالخوف والانقسام الطائفي والمذهبي والدولي كما بالهجرة والتشرد والموت بمعنى القتل فلا تنس إذن مشقّة أنك تُفكّر وتكتب وتتذكر في لبنان ومنه، هذا الوطن الصغير عاشق الكلام والمبالغات المذهبية والطائفية والأسطورية والحروب بما جعل عدد اللبنانيين المنتشرين في العالم بسبب الحروب والأزمات يتجاوز ال 15 مليون.

لبنان المعاصر مقيم اليوم على عتبة المتاهة وأمامه موتان أسطوريان يستلزمان سؤالاً أسطورياً: أكان يُدرك العالم تداعيات تلفّظه المخزونة بالحكم على أحفاد الخميني أعني مقاوماً واحداً من حزب الله باغتيال رفيق الحريري؟

أقصد ببساطة هنا، أن ما لحق ويلحق وسيلحق بهذين الغيابين سواء أكانا محكومين بالصدفة أو بالواقع أو بالخيال من قبل المخيلات الشعبية والحملات الإعلامية والشبكات التواصليّة، جاءا ليحوّلا الموت إلى مشجبٍ تاريخي تعلّق عليه الفئات والأحزاب والأفراد والجماعات والطوائف ما تشاء أو ترغب أو تحلم من أفكارٍ مكبوتة أو غير مكبوتة محلية أو مستوردة أو مدفوعة مذ عبس المسلمون في وجوه بعضهم البعض فتفرقوا أيدي سبأ. قد يصل الأمر إلى اختلاق أقاصيص تشارف الملاحم والأساطير وروايات تواريخ اليونان والفراعنة اليوم مع أهوال ما يحصل حيث اختلط الفكر للأسف بالخيال، والسحر بالوجدان والعلم بالتركيب التاريخي والطائفي نبشاً للحكايات والأحداث المنسيّة والمواقف المتجددة التي لم ترقد بعد في الرماد. وفقاً لهذا المناخ الذي أنقله بورعٍ عظيم، بدا هذا النوع من الموت أو الغياب حاجةً روحية تضخمت كأنه لا غنى عنها لأن فيها ومنها ترصد انفعالات الناس الشعورية واللاشعورية وتأملاتهم المستقبلية المدفونة، وتصبح تلك الأسطورة فنوناً سياسية وحزبية وإعلامية خطرة بل متاهة وطنيّة عظمى وخطيرة.

نعم، يعيش لبنان بعد هذين الاستشهادين في قلقٍ عظيم.

كيف؟ بسطرين:

خرج الإمام موسى الصدر والشيخ الرئيس رفيق الحريري في رحلتين أسطوريتين متباعدتين. الأوّل نسيب الإمام الخميني في إيران، جاء من قم في 1958 ليمنحه الرئيس اللبناني فؤاد شهاب الجنسية اللبنانية بعد فترةٍ قصيرة على حضوره. أسس “حركة المحرومين” ثمّ “حركة أمل” وهندس العلاقات الخاصة السورية-الإيرانية التي بدأت لبنتها الأولى في لبنان وتأسّس حزب الله. خرج الحريري من جرح سمكةٍ شاردة في الشاطئ الصيداوي جنوبي لبنان نحو بستانٍ برتقال قريبٍ ومألوف، ومنها حمل زاده في القوميّة العربيّة مهاجراً الى المملكة العربية السعودية وفي ذهنه ولدت بيروت: «مدينة عريقة للمستقبل” فكنت معه ومعه رجعت بعد هجرة علمية وإعلامية سياسية طويلة نحو باريس. طمح الى إخراج لبنان من جروحه المثخنة بالحروب الأهليّة الى وطنٍ متين جعله “زهرة الشرق” وفقاً لتعبيره المألوف. كانت ابتسامته الضبابيّة تخفي رجلاً تتخطّى أحلامه لبنان والعرب والشرق الأوسط.

سأل صحافي الحريري في قصر قريطم بحضوري:

–        تستعمل، على الدوام، تعبيراً يحفظه اللبنانيون وهو أنّ الله قد أكرمك.

–        نعم، فعلاً أكرمني الله.

–        تستطيع دولة الرئيس أن تقتني ما تشاء وفقاً لهذا الإكرام. مرّةً أجبت عن حجم ثروتك الشخصية بأنّ الجواب يتغيّر عند طرح السؤال وبعده…أعذرني… أين تريد الوصول يا دولة الرئيس؟ قفز الاحمرار الى صفحته، ولمعت عيناه ببريق دمعةٍ لم تصل وقال بصوتٍ لا يُوصف:

–        اسمع. الله أكرمني…لو يرجع لي ولدي الذي قتل بحادث سيرٍ في أميركا، ليستعد منّي ما أكرمني وسيكرمني به. 

لا تحتمل الأسئلة الأسطورية الإجابات إذا ما اتّشحت بالأسرار في الأغوار.