إسكندر حبش والشعر…عزف على نوتة “ماينور” 

لعلّ الكلمات مجرّد صدى لظلّ وطئ هذه الأرض، وما تبقّى ليس سوى أوراق سقطت من خريف عابر اشترك في حبّه بعض الشّعراء. 

الحياة درب نحو ليل طويل، ترافقه أجراس تبدأ برنينها القويّ لتدخل شيئًا فشيئًا في الخفوت، ثمّ في الصّمت المشاغب. الصّمت الكلمة المفتاح الّتي لا يتقن عزفها إلّا من تمكّن من القبض على القلم لتنبثق منه الكلمات. هكذا هم حرّاس الصّمت شعراء محترفون يطوون العمر متفّنّنين في صنع أشكاله، ومنها قصائد في لغة تتّسع لحبرهم كلّما ازدانت تجاربهم وحارت ذكرياتهم. 

إسكندر حبش، هل حقًّا توقفت عند مقتبل ريح الخريف أو أنّك مللت انتظار المطر؟ لعلّك الآن واقف عند حافّة الضفتين اللتين تحدثت عنهما وأنت تبدع في سماء كانت بعيدة عنك، واليوم اتّسعت لك لتكتب عنها وتقرّبها إليك، وأنت، بطلها كنت، قبل أن تصاب بمتلازمة الخريف ويصاب وجهك بالشحوب إنذارًا بوصول القتّال.  

كأنك وقفت تحت السماء مختنقًا تتقبّل الوقت كمن يتقبّل التعازي المسبقة في يومك الأخير، لكنك لم تمد يدك، ففي تلك اللحظة كانت موسيقى “الجاز” التي تلهم الشعراء، تلهيك عن كل شيء، ما عدا الكتابة، وفي الكتابة حياة. 

أتذكّر أنك تحدثت عن بابين، ولكلّ منا أبواب ثنائية: للدخول والخروج. وأنت يا إسكندر كنت تفتح الأبواب وتسهل الطريق لمن يقصدك، حبًّا بهم. 

هكذا التقيت باسكندر حبش للمرة الأولى، كان ذلك عام 2015 عرفته من بعيد، في إحدى الأمسيات الشعرية التي كنا نقوم بتنظيمها في منطقة الحمرا، كان إنسانًا متواضعًا، شاعرًا حقيقيًّا، مهتمًّا بالأدب والترجمة، وقد أصغيت إلى شعره مرارًا. في تلك الأيام، أرسلت إليه نصًا بعنوان “في مدن الخريف”، فنشره بعد فترة وجيزة. كنت حديثة العهد في تلك الأماكن التي لم تكن مخلصة لي بالقدر الذي أخلصت إليها ومنحتها الكثير من قصائدي. ومن “طلعة” جريدة السفير، شعرت أني عدت إلى الخريف الذي حملته معي من قرية ربيت وكبرت فيها، إلى مدينتي “بيروت”. 

 بعد مرور عامين تقريبًا، ومن الباب نفسه فتح لي إسكندر حبش الأرشيف الثقافي للسفير، وعام 2017، كانت المقالات بابًا جديدًا سهّل لي العملية النقدية في اكتمال كتابي “تحولات النقد الأدبي في الصحف العربية”. 

أمّا الباب الثاني، فكان في صحيفة العربي الجديد، جمعتنا الصدفة من جديد، وقد تغيرت ملامح إسكندر، وأيقنت يومها أنه مريض. على الرغم من ذلك دعاني لزيارته، وفي تموز 2025، عرفت أنه متعب، جئت إليه، وعلى وقع فنجان القهوة قرأنا الشعر، وأهداني كيسًا مليئًا بالكتب التي ترجمها لعدة دور نشر، هذا بالإضافة إلى كتب الحوارات التي أجريت معه، مع دواوينه. كان الإهداء بخطه على الصفحة الأولى من ديوانه الذي حمل عنوان “نتأخر في الحياة”: “العزيزة ليندا لك الحياة وكل الحب”. والكتاب الثاني وهو الأغلى على قلبه بحسب قوله، كان عبارة عن حوار مطوّل أجرته معه الصديقة الشاعرة دارين حوماني. هكذا خرجت من بيت إسكندر حبش مليئة بالشعر والحياة.  

أمّا عن ديوان “نتأخّر عن الحياة”، الصادر عن دار دلمون للطباعة والنشر والتوزيع، فالكلام يطول. حمل الديوان مجموعة عناوين عريضة مهداة لأصدقائه، يتضمّن كل عنوان مجموعة عناوين فرعية وكأنها مهداة لكل العابرين أيضًا.  

في هذا الديوان، تنحى قصائد إسكندر حبش منحى الحزن النابع من نوتات “الماينور”،  وتنفتح على احتمالات الحياة، وكأنه ينشد الشعر، وقد اختار لها إطارًا خاصًّا يليق بنغمات من يعنيه خريف الزمن، وكأنّ الشاعر يكتب على وقع الانتظار، وماذا ينتظر الشعراء سوى قصائد تغنيهم عن الحياة بأكملها؟  

تسير الجمل الشعرية في فضاء يعبّر في الشاعر، عن عالم غير مكتمل وكأنه في حالة من الضبابيّة بحيث تتكوّن الوظيفة الشعرية من الأسئلة الجمالية التي تفتح المجال للدلالة على الانتقال إلى عالم أكثر ثباتًا يصنعه الشاعر في القصيدة من خلال تجميل صورة العالم. إننا أمام صوت شعري وحيد يوحي بما يريد أن يقوله من خلال الصور المشحونة والتي أتت في قالب مكثّف، وسط أنفاس متقطّعة. فالمشاهد توحي بالسجن المادي كما بدا في حديثه عن الضوء الذي حوصر في مربّع، وفي ذلك انتقال من الروحي إلى المادي، ثمّ  الانتقال من الحضور إلى الغياب. 

مربّع أخير للضوء: هو مربّع أخير للضوء/ كأنّ صلاة لا نفهمها أو ربما/ إذا مر طفل من بعيد دعه يغرق في الضوء/لا تقل له إنه صباح معتم/ لأن لا شيء يرتفع من وراء الجسر/ مزق نصائحهم/ ما يلمع/ ليس سوى موت ينتظره. 

 في نصوص إسكندر حبش  اقتصاد في اللغة والصورة تولّد صورة أخرى يبتدعها الشاعر من ذات وحيدة في نهايتها ليخلق مناخًا من فقدان القدرة على تغيير تشوهات الوجود. لعله يكتب هذه القصائد ليطرح الكثير من الأسئلة التي لا تحتملها سوى القصيدة، وكأن الشاعر في نصوصه، يبحث عن اللحظات الضائعة ويقف موقف المتفرج البارد على الرغم من هذا الكم من الألم الذي ينتظره، يراقب تباطؤ الزمن وجموده الذي أتى كردة فعل على الحركة الحقيقية. وكأن ثنائي الحياة والموت هو الثيمة الكبرى، أو المظلة التي جمعت نصوص إسكندر حبش في ديوان تأخّر فيه عن الحياة وهو الباحث، في معنى العبور، عن حياة تأخر عنها. 

حافة طريق: كل من مر بقي هنا/ لم ينهوا الرحلة/ التقوا بمنازل خالية عند حافة الطريق/ ثمة هواء يذكرنا بالغائب/ يذكرنا بأن الصباح لا يريد اجتياز هذه الأشجار المتناثرة/ كأنها قطعة من زمن/ لتقف وحدك أمام حياتك. 

نتأخر في الحياة: نتأخر في الليل/ نتأخر في الحياة./ لا أحد في هذه الساعة يسير فوق أرصفة المدينة.