لماذا تخلّت واشنطن عن الأكراد وامتنعت إسرائيل عن التدخل؟
تمكّنت سوريا من تجاوز استحقاق كاد يكون دراماتيكيا موجعا في علاقة دمشق مع الحالة التي شكلتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية، لكن في علاقة دمشق مع كل الحالة الكردية في سوريا وفي كل المنطقة أيضا. جرت مداولات ومفاوضات ومحادثات، تدخلت بها أطراف دولية، وأفرجت عن مشهد جديد من الواقعية السياسية الخبيثة التي بدّدت أحلاما وأوهاما كردية في سوريا تخيّلتها قبل ذلك كيانات كردية في المنطقة.
حُكم لعبة الكبار
هي لحظة إقليمية دولية مكثّفة شهدتها سوريا، مرة أخرى. بدا أن المواكبة الخارجية للتحوّل السوري الكبير يوم 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، أي يوم سقوط نظام بشّار الأسد، شهدت مذّاك مواسم تلو المواسم قادت إلى حالة “التمكين” التي حظي بها نظام الرئيس أحمد الشرع في سوريا. ومن تابع من كثب مؤشرات التوتر بين دمشق و “قسد”، أمكن له ملاحظة تدافع العواصم على رعاية مفترق جديد في راهن هذا البلد.
بدا أن قرار دمشق بإنهاء الحالة المسلحة في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب في كانون الثاني (يناير) الماضي باشر بداية لها النهايات التي شهدناها لاحقا. أدركت “قسد” أن الواجهة الحلبية ليست سوى حلقة من سلاسل لاحقة فسّر ابتعاد التنظيم الذي يقوده مظلوم عبدي عن الانخراط في معركة اعتُبرت خلفية، كما النأي بالنفس عن حالة مسلحة جرى بسهولة تعامل دمشق معها، وصولاً إلى إخلاء المدينة منها.
وفيما كانت سرعة الحسم صاعقة لمن توقعوا “أم المعارك” في المدينة، فإن “قسد” كانت تحاول تأجيل المعركة الكبرى، والعمل على إنكار احتمالها، والتعويل على “كلمة سر” من الراعي الكبير في واشنطن يفرض نهاية سعيدة لمسلسل ينزلق نحو درك تراجيدي مقيت.
في المعلومات أن “قسد” فوجئت بالتحرّك السريع لقوات دمشق، ليس بالمعنى العسكري فقط، بل بما وراء الأمر من فائض ثقة. أوحى التطوّر بأن ضوءاً أخضر مُنح للدولة السورية بفرض وقائع ميدانية متتالية قبل أن يتغيّر المزاج الدولي، لا سيما ذلك في واشنطن وداخل البيت الأبيض. كان اجتماع باريس الذي جمع مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس أوائل كانون الثاني (يناير) الماضي بحضور المبعوث الأميركي الخاص توم بارّاك قد أوحى بتقدّم نوعي قد سُجّل على طريق إبرام الاتفاق بين الطرفين.
لم ترشح معلومات بشأن شمول تلك محادثات ملف “قسد”. غير أن الصمت المريب الذي التزمت به المنابر الرسمية الإسرائيلية حتى حين صدرت “استغاثات” من بعض قيادات “قسد”، أوحى بأن ما تحقّق بين دمشق وتل أبيب في باريس أكثر وضوحاً ودقة، ودعماً من قبل واشنطن، من ذلك الذي خُيّل إنجازه في باكو عاصمة أذربيجان في تموز (يوليو) 2025. قيل حينها إن الطرفين توصّلا إلى تفاهمات بشأن ملف السويداء، قبل أن يكشف التدخل العسكري الإسرائيلي بعد أيام، بما فيه قصف دمشق، عمّا وصفه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حينها بـ”سوء تفاهم”.
هذه المرة، اجتازت قوات دمشق بعد المحادثات في باريس “محرّم” نهر الفرات صوب الشرق، موحية بأن الخيار بات عسكرياً لحسم ملف النزاع. سهُل على المراقبين، وعلى “قسد” خصوصا، استنتاج أن ذلك الحراك يحظى بدعم الولايات المتحدة لدفع المفاوضات نحو خواتيم نهائية. فهمت “قسد” تماماً علامات التحوّل، وسعت لاستيعاب المزاج الأميركي. كان اجتماع بارّاك مع مظلوم عبدي في أربيل بحضور الرئيس مسعود برزاني واضح الرسائل وجليّ المتطلبات. بعد الاجتماع بساعات أُعلن عن توصل دمشق و”قسد” إلى اتفاق كامل ذيّله توقيع حضوري للرئيس الشرع وتوقيع إلكتروني عن بُعد للجنرال مظلوم عبدي انتهى بعد أيام بعد تردد إلى الاتفاق النهائي الذي عودة الدولة إلى شمال شرق سوريا.
في الساعات الأخيرة ما قبل الاتفاق كانت العواصم تتقاطع ما بين الرياض والدوحة وأنقرة وباريس وواشنطن لإقناع من لم يقتنع أن الملف يجب أن يُغلق. استدعى الأمر تواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الرئيس السوري أحمد الشرع، لتوحي إشادة ترامب بنظيره السوري بمزاج أوحى ما صدر لاحقاً عن بارّاك: انتهت مهمة قسد.
قست “لعبة الأمم” مرة جديدة على الأكراد في المنطقة. لم تشملهم “لعبة” سايكس-بيكو قديماً، واعترضت طموحات الرئيس مسعود برزاني في تمرير استفتاء عام 2017 كان يطمح أن يفتح طريق الإقليم للاستقلال، وفهم الزعيم عبدالله أوجلان مؤخرا عبثها. لم تصدق “قسد” بدورها قسوة تلك “اللعبة” وخبث مصالح الكبار التي تُسقط برمشة عين طموحات بدا أنها مجرد أوهام.
انحياز واشنطن إلى دمشق وأنقرة
تتحدث الأوساط الأميركية عن “قصة جميلة” سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تحقيقها في سوريا. استجاب لضغوط أصدقائه في المنطقة لرفع العقوبات عن هذا البلد وإعطاء الرئيس الشرع الفرص الضرورية لانتشال سوريا من غياهب العزلة إلى أنوار الوصل مع المجتمع الدولي والعودة إلى نظامه المالي. ومع ذلك تستنتج الولايات المتحدة أن إكراهات مصدرها حلفاء واشنطن تشوه تلك القصة وتهدد جمالها.
ووفق مصادر سورية، اضطر المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم بارّاك وقائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر إلى قيادة جهود مع الشرع وعبدي للوصول إلى “تهدئة” أوقفت إطلاق النار الذي أندلع حول أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب. بدا أن الحدث جلل، استدرج تدخل واشنطن لدى حليفيها، لوضع حدّ لتدهور قد يطيح بجهود ترامب وإدارته والكونغرس الأميركي لوضع سوريا على سكة الخلاص.
والمفارقة أن ظروف اندلاع المواجهات بين “قسد” والقوات الأمنية السورية نهلت أسبابها من إرسال تركيا (الحليف التاريخي للولايات المتحدة، والذي يتمتع رئيسها رجب طيب أردوغان بعلاقات اعجاب متبادل وتفهّم وتفاهم مع الرئيس ترامب) وفدا موسعا رفيع المستوى إلى دمشق، ضمّ وزيري الخارجية والدفاع ومدير المخابرات. بدا من الزيارة وخلفياتها وما صدر عن أطرافها، ما ولّد ظروفا مضادة فجّرت الوضع في حلب وبعثت بالنار، وربما إلى واشنطن بالذات، رسائلها.
مثّل الحدث انتكاسة ترقى إلى مستوى الفشل لجهود الولايات المتحدة في إنتاج “صفقة” تنهي النزاع بين “قسد” ودمشق. رعت واشنطن اتفاق الطرفين في آذار (مارس) 2025 الذي كان من المفترض أن يدخل حيز التنفيد في آخر ذلك العام. وقد فضحت اشتباكات حلب، وسرديات الطرفين المتناقضة، ركاكة انتقال الاتفاق من مرحلة الحبر والورق إلى التطبيق الفعلي. وبدا منذ يوم التوقيع على الاتفاق، أن “فتاوى” بارّاك المؤيدة لسوريا ووحدتها واندماج كافة المكوّنات بهياكل حكمها الجديد لم تصل إلى مستوى اهتداء “الحلفاء الأكراد” إلى وجهة البوصلة التي تريدها واشنطن في سوريا.
والمفارقة أن استقواء دمشق و “قسد” بالحليف الأميركي قد يكون وراء انسداد منع تسييل اتفاق بدا منذ لحظة الإعلان عنه أن تنفيذه سيكون عسيرا وحتى مستحيلا. أيدت واشنطن من خلال بارّاك مركزية الحكم التي يتمسك بها الرئيس الشرع لإدارة سوريا. ولم يصدر ما يمكن أن يفهم من واشنطن تأييدا لفكرة الكيانية الكردية التي يبشّر بها عبدي على شكل لامركزية أو فيدرالية، كما لم يصدر عن العواصم الأوروبية، رغم علاقة فرنسا بأكراد سوريا، ما يعبّر عن تباين مع مسار دمشق-واشنطن في مقاربة ملف سوريا ومسألة مستقبل “قسد” داخل، وليس إلى جانب، الحكم الجديد في سوريا.
والظاهر أن زيارة الوفد التركي، بالشكل السياسي والعسكري والأمني، إلى دمشق كانت رسالة تبعث بها أنقرة إلى اجتماع ترامب مع رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا الذي كان موعده بعد أيام في نفس الشهر. وقد تكون مواجهات حلب التي بادرت إليها “قسد”، وفق تقارير محايدة استندت إلى شهود عيان، هدفت أيضا إلى بعث رسائل “قسد” إلى نفس المناسبة ونفس المجتمعين. ولئن سارعت واشنطن إلى التدخل عبر الثنائي باراك-كوبرالأكثر تماساً مع عبدي وقواته، فذلك أنها فهمت فحوى الرسائل وآثرت تعطيل الميادين والتموضع سياسيا وفق رسائلها.
الأرجح أن إسرائيل كانت تلعب دورا في تعطيل “القصة الجميلة” التي تتخيلها واشنطن لسوريا. وأن رسائل مواجهات حلب كانت تتوسّل موقفا أميركيا يعيد ضبط خطط لا تأخذ مصالح كافة الأطراف بعين الاعتبار داخل الصفقة المتوخاة بين الشرع وعبدي. كان أمام ترامب خيار صعب لمراضاة الحلفاء في صفقة لا يمكن أن ترضي الجميع. فما بين دمشق وتل أبيب وأنقرة وميلُ ترامب للتخلّص من أعباء يتكبدها جيشه في سوريا، كان هناك معادلة معقّدة كات تواصل “قسد” البحث داخلها عن موقع تبوأته خلال السنوات الماضية، وحوّلت خلالها الرعاية الأميركية حلم الانفصال الكردي، حتى المقنّع، إلى واقع بدا قريب المنال.
لماذا خيار دمشق العسكري مع قسد؟
بدا أن أساليب التفاوض اللامحدود ومناورات المماطلة والتلكوء قد استُنفدت، وأن دمشق امتلكت معطيات جديدة تمكنّها من التحوّل إلى أسلوب الحسم الذي كان ممنوعا قبل ذلك، والذهاب إلى ما يتجاوز حلب وما بعد حلب شرق الفرات. في 14 كانون الثاني (يناير) تدافعت تقارير تفيد بتبادل إطلاق نار بين الجيش السوري و”قسد” في دير حافر شرق حلب، مع اتهام دمشق لقسد بحشد قوات قرب مسكنة ودير حافر. كما ذكرت مصادر محلية أن “قسد” فجّرت جسر قرية أم تينة في ريف حلب، لقطع الطريق الوحيد إلى المنطقة، وسط مخاوف من هجوم للجيش السوري. كانت دمشق قد أعلنت قبل يوم منطقتي دير حافر ومسكنة شرق حلب “مناطق عسكرية مغلقة”، مطالبة قسد بالانسحاب إلى شرق الفرات، وشنت هجمات بطائرات مسيرة على محيط سد تشرين ودير حافر.
في 13 من نفس الشهر أكدت تركيا دعمها لدمشق في مكافحة “الإرهاب” شرق حلب، محذّرة “قسد” من التصعيد، وشنّت غارات على مواقعها قرب الرقة. كما اتهمت مصادر سورية قائد قسد سيبان حمو بالوقوف وراء محاولة اغتيال وزراء كانو يعقدون مؤتمرا صحفيا في حلب من خلال مسيرة انتحارية قصفت المبنى المتواجدين به. ونقلت حينها صحيفة “ذا ناشيونال” عن مصدر كردي قوله إن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أبلغت عبدي بتسليم أحياء حلب للجيش السوري ووقف مقاومته، وأن الطلب صدر قبل اجتماع المفاوضات بين سوريا وإسرائيل في العاصمة الفرنسية باريس، في 5 من ذلك الشهر برعاية الولايات المتحدة.
نقلت الصحيفة عن مصدر أميركي إن لديه انطباعاً بأن الرئيس دونالد ترامب سيضحي بقوات “قسد” طالما أن سوريا وتركيا توافقان على مسعاه لتحقيق التقارب بين سوريا وإسرائيل، وتتعاونان مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب. أضاف أن “قسد” تدرك أنه بدون الدعم الأميركي، سيكون من العبث الدفاع عن مواقعها، مثلما حصل في عفرين في ريف حلب الشمالي الذي سيطرت عليه فصائل سورية تدعمها تركيا في العام 2018، ما وسّع نطاق السيطرة التركية في سوريا.
لكن شيئا ما أبعد من ذلك قد حصل. قالت المعلومات إنه سبق تسليم حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية انضمام مقاتلين من القبائل العربية إلى الحكومة السورية، بينهم مقاتلون من قبيلة البكارة، سبق أن قاتلوا مع “قسد” ضد القوات الحكومية وأن القبائل العربية شرقيَّ سوريا ستفعل الشيء نفسه وستنقلب على “قسد”.
اعتبرالمراقبون أن دمشق تسعى إلى عملية عسكرية محدودة لإجبار “قسد” على مغادرة غرب الفرات، وأنه يمكن الترجيح أن دمشق تستفيد من دعم تركي ومن تساهل أميركي مؤقت ومنضبط في حلب وريفها الشرقي. فوق ذلك تحدثت مصادر عن أن واشنطن باتت تعتمد على الدولة السورية بعد انضمامها إلى التحالف الدولي ضد “داعش” ما يضعف دور “قسد” في مسألة مكافحة الإرهاب. لكن واشنطن بدت مع ذلك حريصة على اتفاق سلمي بين “قسد” الحليف القديم ودمشق الحليفة الجديدة. وفق تلك المعطيات بات شرق الفرات مفتوحا استعادت دمشق محافظات الرقة ودير الزو والحسكة (وفق تدابير خاصة).
لماذا صمتت إسرائيل؟
بعدما تحدثت “قسد” في لحظة معينة عن “انهيار” المحادثات التي جرت بين الشرع وعبدي في دمشق في 19 كانون الثاني(يناير)، وبعد صدور مواقف لقيادات من “قسد” تعوّل على تدخل إسرائيلي، تسلَّط الضوء على الموقف الذي قد تتخذه إسرائيل في ضوء مواقفها السابقة الداعمة للأقلية الكردية وسوابقها في التدخل العسكري دعماً للأقلية الدرزية في سوريا (وفق توصيف “الإقليات” الذي تستخدمه إسرائيل للمكوّنين).
يذكّر المحللون بأن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر كان بادر في أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، أي قبل أسابيع من بدء عملية “ردع العدوان” لهيئة تحرير الشام في 27 من ذلك الشهر، إلى الوعد بالتزام إسرائيل بالدفاع عن الأكراد والدروز في سوريا حماية للأقليات في هذا البلد. لكنهم لاحظوا أن التدخل العسكري السريع الذي قامت به إسرائيل دفاعاً عن الدروز في السويداء ضد قوات دمشق في تموز (يوليو) 2025، لم ينسحب على حالة “قسد” في ظل غياب مواقف علنية رسمية إسرائيلية متوعّدة في هذا الصدد.
في 20 كانون الثاني (يناير)، أعلنت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية إلهام أحمد عن التواصل مع شخصيات إسرائيلية، مؤكدة ترحيب قواتها بتلقي دعم من “أي مصدر” كان. وقالت أحمد إن “هناك شخصيات معيّنة من الدولة الإسرائيلية منخرطة في اتصالات معنا وننتظر أي شكل من الدعم”، مضيفة: “منفتحون على تلقي الدعم… أيا كان مصدره”. أتى موقفها في اليوم التالي لإعراب سيبان حمو، قائد “وحدات حماية الشعب” الكردية في سوريا، عن أمله في أن تتدخل إسرائيل لحماية الأكراد على غرار ما فعلته مع أقليات أخرى. قال: “نحن نعتبر إسرائيل دولة قوية في المنطقة ولها أجندتها الخاصة. ونأمل أن يتم توسيع نطاق الموقف نفسه الذي اتخذته دول أخرى في المنطقة تجاه بعض الأقليات في سوريا ليشمل الأكراد أيضاً”.
في 19 من نفس الشهر، نُقل عن رئيسة مركز “عَلما” للدراسات الأمنية في شمال إسرائيل، ساريت زهافي، قولها إن الاتفاق مع “قسد” يضع إسرائيل في “موقف ليس جيداً”، لأن “ما يحدث مع الأكراد يعزّز قوة الشرع بشكل كبير”. ولفتت إلى أن “الأوان فات كي تتمكن إسرائيل من أن تفعل شيئاً”، موضحةً أن الأميركيين هم عرابو هذا الاتفاق، وإسرائيل “ليست لاعباً أساسياً”. وقالت: “ليس مؤكداً أنه يتعين علينا الآن أن نسيء العلاقات مع الأميركيين، وإنما أن نعمل دبلوماسياً مع الأميركيين وأن نشرح لهم ما الذي يحدث هنا”.
في هذا السياق، نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت تقويماً يرى أن الأسوأ في اتفاق الشرع و”قسد” بالنسبة لإسرائيل، هو “تعزيز التأثير التركي في سوريا”، لأن “إسرائيل تريد إبعاد تركيا وأصرت على ألا يكون هناك تموضع تركي عسكري في سوريا”، لكن “الآن مع استسلام الأكراد، يبدو أن الأتراك هم المنتصرون الأكبر. وعلى إسرائيل أن تعتاد على الواقع الجديد في سوريا”. كما نُقل عن الباحث الإسرائيلي في الشؤون السورية إيال زيسر، إن “هجوم الشرع على الأكراد في شمال شرق سوريا، تم بدون شك بمساعدة تركيا في أعقاب ضوء أخضر من واشنطن، التي منحت حتى الآن رعاية وحماية للأقلية الكردية، الأمر الذي ساعدها على هزيمة داعش في العقد الماضي”.
في هذا السياق أيضا، رأى محلل الشؤون العربية في صحيفة “هآرتس”، تسفي برئيل، أن الاتفاق بين الشرع و”قسد” ينضم إلى “سلسلة إنجازات الشرع السياسية الداخلية والخارجية”، بينما “بالنسبة للأكراد، يُعتبر الاتفاق هزيمة مدوية”. واعتبر أن “خسارة الأكراد هي إنجاز لتركيا، التي عملت في الأيام الأخيرة من خلف الكواليس بالتنسيق مع الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق النار والاتفاق”، مشيراً إلى أن “الأميركيين أقروا المبدأ الذي يدعم سورية موحدة وذات سيادة وحكم مركزي”.
لماذا لم تتخل إسرائيل؟ رأت مصادر دبلوماسية أن إسرائيل تركّز بشكل أساسي على منع أي تهديد لأمنها على حدودها مع سوريا، وقد أجرت اتفاقاً أمنياً مع دمشق بوساطة أمريكية وفرنسية في باريس 5 كانون الثاني (يناير) يشمل تبادل معلومات استخباراتية وتخفيض التصعيد. ويُعتقد أن هذا الاتفاق قد سمح ضمناً لدمشق بالتقدم ضد “قسد” في الشمال الشرقي لسوريا، حيث لا ترى إسرائيل في التنظيم الكردي حليفاً استراتيجياً مباشراً مثل الدروز في الجنوب. ويُعتقد أيضاً أن إسرائيل تتعامل مع ملف “قسد” تحت السقف الأميركي، وأن غياب رد الفعل الإسرائيلي يعود إلى الالتزام بالضوابط الأميركية في هذا الملف.
تداعيات الاتفاق على “الساحل” والسويداء
طرح الاتفاق بين دمشق و “قسد” ودخول القوات الحكومية إلى محافظات منطقة الجزيرة التي كانت القوات الكردية تسيطر عليها، أسئلة بشأن تداعيات الأمر على السجال بشأن نظام المركزية واللامركزية في البلاد، كما في مستقبل علاقة دمشق مع منطقة “الساحل” شرقاً ذات الوزن الديمغرافي العلوي ومحافظة السويداء الدرزية الطابع.
في 13 كانون الثاني (يناير)، طالب رجل الدين الدرزي في السويداء الشيخ حكمت الهجري بإقليم درزي مستقل متحالف مع إسرائيل. وقال في مقابلة مع صحيفة “يديعوت أحرونوت”: “نطالب ليس فقط بالإدارة الذاتية، بل بإقليم درزي مستقل”، مضيفاً أن: “المطلب المركزي هو الاستقلال الكامل، مع إمكانية المرور بمرحلة انتقالية من الحكم الذاتي تحت إشراف طرف عربي خارجي”. ورأى الهجري أن إسرائيل يمكن أن تلعب أيضاً هذا الدور، وهي “الطرف المناسب للقيام بهذا الدور. نرى أنفسنا جزءاً لا يتجزأ من الإطار الاستراتيجي لإسرائيل، وكذراع متحالفة معها”. ويقوم مطلب الهجري على أثر صدام دموي جرى بين قوات دمشق وقوات تابعة لتنظيمات درزية في تموز (يوليو) 2025، اتهمت القوات الحكومية خلالها بارتكاب انتهاكات ضد الدروز.
قبل موقف الهجري، في كانون الأول (ديسمبر) 2025، تجددت مطالب جماعات وشخصيات علوية بإقامة نظام لامركزي يمنح منطقة “الساحل” إدارة ذاتية. وقد سارت مظاهرة ضخمة في المنطقة بدعوة من الشيخ غزال غزال أحد رجال الدين العلويين. وراجت خلال الأشهرقبل ذلك أنباء عن تحضيرات لفلول النظام السابق من خلال تمويل وتسليح خارجي للقيام بعمليات عسكرية تهدف إلى فصل منطقة الساحل عن سلطة دمشق وإقامة إقليم ذاتي.
تقول مصادر سورية مراقبة إنه رغم الطابع العنيف لمواجهات دمشق مع فصائل وجماعات علوية ودرزية في الشرق والجنوب، استمرت الدولة السورية برئاسة أحمد الشرع متمسكة بمركزية الدولة رافضة كل أشكال اللامركزية دفاعاً عن وحدة البلد وخوفاً من تطوّر الأمر إلى التقسيم. بالمقابل، ورغم الضغوط التقليدية التي تمارسها العواصم الغربية في العالم العربي منذ عقود دفاعاً عن الأقليات، لم تحظَ حركات “التمرد” على دمشق في “الساحل” والسويداء ببيئات دولية حاضنة ترعى احتمال تطوّر تلك الحراكات إلى مستويات معادية لخطاب دمشق.
فقد لاحظ المراقبون تجنّب واشنطن والعواصم الأوروبية اتهام دمشق بارتكاب الانتهاكات في “الساحل”. وفيما اتهم الاتحاد الأوروبي فلول النظام السابق بالوقوف وراء تلك المواجهات، استنكرت واشنطن الانتهاكات “مطالبة دمشق” بملاحقة الجناة.
لاحظ المراقبون أيضاً، أنه في ما عدا التحرك الإسرائيلي العسكري الذي جرى لحسابات درزية داخل إسرائيل وأخرى تتعلق بسياساتها الأمنية الجديدة تجاه الحدود السورية في ظل نظام الشرع، فإن نفس العواصم بقيت متحفّظة محايدة غير داعمة لدعوات الانفصال والحكم الذاتي في السويداء.
وفي موقف اعتبر داعماً لدمشق، رأى المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، أن اللامركزية لم تنجح في أي مكان في منطقة الشرق الأوسط، وأن “هذا موضوع ينبغي أن نمضي 5 سنوات في محاولة مناقشته”. ويعتبر مراقبون أن وجهة نظر باراك تلتقي مع توجه الرئيس دونالد ترامب في دعم الاستقرار من خلال أنظمة مركزية قوية، وأن تعداده لأمثلة الفشل في المنطقة يكشف إعادة قراءة في واشنطن لنماذج فاشلة شاركت في قيامها. ويعتقد أن الولايات المتحدة التي عملت على ممارسة نفوذها للتوصل إلى اتفاق بين دمشق و “قسد|” تدعم بشكل قوي بسط سيادة الدولة السورية على كامل الأراضي، بما في ذلك السويداء و “الساحل”، كجزء من انتقال مستقر وموحد.
والتقدير أن غياب إسرائيل عن أي تدخل في الصراع بين دمشق و “قسد” مردّه غياب المصلحة الاستراتيجية والالتزام بإكراهات أميركية في هذا الملف، وأن سلوك إسرائيل في ملف السويداء قد يتغير إذا ما ثبت أن اتفاقاً بين دمشق وتل أبيب برعاية واشنطن بات أولوية في الاستراتيجيات الإسرائيلية. ويرى محللون أن اتفاق دمشق-قسد يقضي على فكرة الحكم الذاتي والأقاليم والاستقلال، لكنه قد يعزّز فكرة لامركزية إدارية مرنة. وتتوقع مصادر دبلوماسية تحركاً أميركياً بمشاركة أردنية لترتيب اتفاق بين دمشق والسويداء ينسجم مع اتفاق دمشق-قسد واحتمال التوصل إلى اتفاق ترتيبات حدودية وأمنية بين إسرائيل وحكومة الشرع في دمشق.
تعليق: لماذا صمتت إسرائيل؟
قست “لعبة الأمم” مرة جديدة على الأكراد في المنطقة. لم تشملهم “لعبة” سايكس-بيكو قديماً، واعترضت طموحات الرئيس مسعود برزاني في تمرير استفتاء عام 2017 كان يطمح أن يفتح طريق الإقليم للاستقلال، وفهم الزعيم عبدالله أوجلان مؤخرا عبثها. لم تصدق “قسد” بدورها قسوة تلك “اللعبة” وخبث مصالح الكبار التي تُسقط برمشة عين طموحات بدا أنها مجرد أوهام.
أيدت واشنطن من خلال بارّاك مركزية الحكم التي يتمسك بها الرئيس الشرع لإدارة سوريا. ولم يصدر ما يمكن أن يفهم من واشنطن تأييدا لفكرة الكيانية الكردية التي يبشّر بها عبدي على شكل لامركزية أو فيدرالية، كما لم يصدر عن العواصم الأوروبية، رغم علاقة فرنسا بأكراد سوريا، ما يعبّر عن تباين مع مسار دمشق-واشنطن في مقاربة ملف سوريا ومسألة مستقبل “قسد” داخل، وليس إلى جانب، الحكم الجديد في سوريا.
غياب إسرائيل عن أي تدخل في الصراع بين دمشق و “قسد” مردّه غياب المصلحة الاستراتيجية والالتزام بإكراهات أميركية في هذا الملف، وأن سلوك إسرائيل في ملف السويداء قد يتغير إذا ما ثبت أن اتفاقاً بين دمشق وتل أبيب برعاية واشنطن بات أولوية في الاستراتيجيات الإسرائيلية.
