صراع نفسي يقوده المال وشهوة السيطرة والاستحواذ
ليس دائمًا ما يسعى الإعلام نحو فكرته السامية في نشر الوعي والتثقيف في المجتمع، وإظهار الحقائق وتبيان الوقائع، وإصلاح ما يفسده اللغط العام! بل أنه قد يصبح أداةً للتخريب والتضليل في المجتمع، لارتباطه بمصالح سياسيّة وشخصيّة ضيّقة.
وهذا التضليل يقود إلى فكرة القتل العمد، و”الفتنة أشدّ من القتل ” كما جاء في القرآن الكريم، وكثيرًا ما نسمع عبارة مثل الإعلام الفتنوي، وهو ليس وليد الزمن الحالي، فالتاريخ يكتبه المنتصر، بمعنى من يسود يفرض الحقيقة وينشرها كما يراها حتى لو كان الواقع خلاف ذلك، وهو ما شهدناه ونشهده في حروب العصر، كلّ يدير الحقيقة من وجهته، من السودان حتى فلسطين وسوريا ولبنان!
لهذا نرى الكثير من الخلاف حول الكثير من القضايا السياسيّة والدينيّة والأخلاقية، المثير للغرابة اليوم أنّ الوقائع والحقائق تُفبرك وتغيّر “على عينك يا تاجر” كما يُقال، وعلى مرأى من الجميع ومن دون تردّد ، على قاعدة “إكذب وإكذب حتى يصدقك الناس..”!

فالسيطرة على وسائل الإعلام تقترن بالسيطرة على تدفق المعلومات وتداولها ونشر الأفكار والحوار حولها كما يشير الأستاذ عبد الحسين العطواني (في مبحث بعنوان “التضليل الإعلامي في بث المعلومات” نشر في مجلة الباحث الإعلامي، عن المركز العراقي لحرية الإعلام) الأخطر من ذلك أن هذا التلاعب في الحقائق ينتشر “تحت مظلة الخصوصيّة الثقافية وحماية الثقافة الوطنية والقيم السائدة والتراث وهذه المبالغة تؤدي إلى خلق نمط إعلامي ينظر إلى العالم بعين واحدة هي عين الرقيب أو عين المغربل، وتحاول أن تفصّل مقاييس معينة لما ينشر أو لا ينشر، أو يُذاع أو لا يُذاع ..”
التضليل الإعلاميّ في زمن مواقع التواصل الاجتماعيّ
يزوّد التضليل الإعلاميّ وسائل الإعلام على اختلافها، بمعلومات كاذبة لا تخلو من مزج واضح بين الوقائع وتفسيرها بشكل مقصود مخلطة بالأكاذيب، كي لا يفاجأ المتلقي عند تلقي التكذيب فلا يعد بإمكانه معرفة الحقيقة من التضليل. ويهدف إلى التعتيم على الأخبار، حجب المعلومات، إخفاء جرائم الحرب، تهميش القضايا المهمة وتسخيف الوعيّ الجمعيّ بإشغاله بحوادث وأخبار ترتبط بالمشاهير أو بقضايا شخصيّة لا تفيد الرأي العام.
وأدوات التضليل كثيرة وأخطرها على المجتمع، هو التضليل الإيديولوجي المبطّن، الذي تتقنه ما يُسمى بفئة المثقفين الانتهازيين الذين لا يصرّحون لأحد أنهم متواطئون مع أيّ جهة من أجل منافع ماديّة صغيرة.
وباستخدام وسائل عديدة، منها الصحف والتحقيقات والنشر على القنوات الفضائية وفي الإنترنت والمواقع الإلكترونية، ومجموعات الأخبارالمحلية المُستحدثة على برنامح الواتساب، حيث تنتشر الكثير من المجموعات والحسابات من دون حسيب أو رقيب. المؤتمرات والندوات واللقاءات كالدعوات اتي ترسلها الكثير من الجمعيات تحت عنوان محاضرات توعية وغالبا ما تتضمن رسائل تشويه وتضليل.
ومن أساليب التضليل، نذكر، -بالرجوع إلى مبحث العطواني-:
التخويف ( لغرض التلاعب بمشاعر الجماهير)، البساطة (التعقيد يولّد الملل، لذا يلجأ إلى البساطة في صياغة الرسالة التقليدية)، التكرار (التكرار يجعل الجمهور يعتاد ويتقبل)، الكذب الصريح (اختلاق الكذبات الكبييرة والمبالغة..)، استثارة الفضول (معلومات مطابقة لتوقعات المتلقي، استخدام الاستعارات البلاغية والفكاهة..)، إغراق وسائل الإعلام بأكثر الأخبار تناقضا بحيث تفقد أي معنى عند استعمالها، إضافة إلى الخداع، الإشاعة، التشويش، اختلاق وقائع مسرحية..
حروب وتضليل
هذا التضليل هو حرب نفسيّة يقودها المال، وشهوة السيطرة والاستحواذ، رأينا تجلياتها في الحرب التي اندلعت في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ نيسان العام 2023، بحيث تحولت المعلومات إلى جبهات قتال تتنافس فيها روايات الطرفين في ظل صعوبة الوصول إلى ساحة المعركة، بفعل انقطاع الاتصالات في مناطق النزاع.. أدى ذلك بحسب الصحفية السودانية “إسراء الشاهر (” في مقال بعنوان “حرب تضليل موازية يمارسها طرفا حرب السودان” ،8 ديسمبر 2025، في موقع إندبندت العربية) إلى موجات تضليل واسعة تتصدره حسابات منظمة وصفحات دعم تعيد تدوير مقاطع قديمة وبيانات غير قابلة للتحقّق، في وقت تتراجع قدرة غرف الأخبار على التثبت من التفاصيل. الأمر الذي يؤدي إلى اعتماد الصحافيين على ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي من فيديوهات وصور.. وفقد تكون المقاطع مفبركة بالذكاء الاصطناعي.”

وفي تقرير عن الأحداث التي حصلت في محافظة السويداء بين 12 و21 تموز وما تبعها من تداعيات سياسية، “التضليل السياسي في أحداث االسويداء التعمية والتعميم والتنميط في التغطيات التلفزيونية” للصحفيين: حامد فتحي، ومنار أبو حسون، في 3- 11- 2025عن الشبكة العربية لمدققي المعلومات من أريج) يعمد كاتبيْ التقرير إلى تبيان أوجه التضليل المعلوماتي عبر منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليديّة من خلال البرامج الحوارية في قنوات سورية محليّة وإقليميّة، تراوحت بين المبالغة أو التهوين في توصيف الأحداث وأعداد الضحايا وتنميط الآخر والتعميم، واختلاق الأكاذيب لتشويه الخصوم، تحت عناوين (انحيازات، تضليل، تعميمات غير دقيقة وغير موثّقة، تضليل بالتعميم) من خلال إنكار وجود تضامن سوري مع الأحداث، استهداف الخصوم بالتضليل والتعميم، تعزيز سرديات منحازة عبر تداول معلومات غير دقيقة، تضليل حول الفاعلين الدوليين.
ويُشير التقرير إلى الدور الذي يمارسه المضلّلون “المثقفون” من خلال استقدام متحدّثين في البرامج الحواريّة يحظون بقاعدة شعبيّة، كشخصيات سياسيّة ، أو تقديمهم مخبراء في العلاقات الدولية، أو باحثين، الأمر الذي يوحي بموثوقيّة تصريحاتهم،ويعمد هؤلاء انطلاقا من انحيازهم وأحادية تفكيرهم إلى تمرير معلومات غير دقيقة من دون تنبه أو تصحيح فوري من قبل المُحاور او الوسيلة الإعلاميّة التي تستضيفهم، مما يُبرز القصور المهني في الحوارات من جهة عدم التدقيق في الادّعاءات”..
مبادرات تدقيقيّة
حرب التضليل هذه، يعيها الكثير من الإعلاميين، ومدققي المعلومات، وينشط في تتبُعها قسم من المتخصصين، ومنهم الصحفيّ اللبنانيّ “محمود غزيل” والذي يعمل في مجال تفنيد الأخبار والمعلومات منذ العام ٢٠٠٢، ويتعاون مع عدد من المنصات والمبادرات، ولديه برنامج إذاعي بعنوان “كاذب مش كاذب” ينشر مقتطفات منه على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو من الأعضاء المؤسسين لـ ” الشبكة العربية لمدققي المعلومات –AFCN ” بإدارة الصحفية “سجى مرتضى” التي انطلقت رسمياً نهاية العام 2020، ضمن ملتقى أريج السنوي أثناء جائحة كورونا، والحاجة المتزايدة حينها لجهة تدقيق المعلومات الصحيّة.
تهتم الشبكة التي مقرها في الأردن بتعزيز الشفافية والحيادية في تدقيق المعلومات في المحتوى العربي حول العالم و تحديداً في المنطقة العربية.
وتضم –بحسب غزيل- أكثر من 30 مبادرة تدقيق معلومات، ومئات مدققي المعلومات العرب من حول العالم، الذين يحصلون على دعم مستمر من الشبكة لتطوير مهاراتهم، والتشبيك والخروج بأفكار جديدة لتطوير هذه المهنة.
ويشير أنّ الشبكة تهتم بتدقيق المعلومات ما قبل النشر وما بعد النشر، وهو أمر نادر في غرف الأخبار وبين منصات النشر في المنطقة العربية.
وعن عمله المستقل في تدقيق الأخبار، يشير إلى أنّ هناك العديد من الأدوات التي يستخدمها للكشف عن حقيقة الخبر، وبحسب الحاجة، ويلفت أن خبرته المتراكمة عبر السنوات باتت تمكنه من الكشف عن تزييف وتضليل أسرع من الأدوات ، وهو ما يمكنه من وضع الاستنتاجات بشكل أفضل، والوصول الى أجوبة بأقل وقت ممكن- كما يقول-.
إلّا أنّ هناك أوقات يصبح من العسير فيها حسم جدل الادّعاءات حول حقيقة بعض الأخبار، خاصة مع فورة الذكاء الاصطناعي، وهنا يقول غزيل ” يوجد بعض الأوقات التي لم أستطع فيها حسم الادعاءات بشكل كامل، ولكن على الأقل أضع الجهة التي تستفسر أمام كلّ المعطيات التي قد وصلت إليها والتي قد تفسر فيما إذا كانت المادة أقرب الى الحقيقة أو أقرب إلى الخيال والتزييف”.
ويختم غزيل: أحاول الانتباه دومًا حتى لا أقع في شرك الأخبار المضلّلة، عبر التأكد من معلوماتي قدر المستطاع، بخاصة التي أنوي مشاركتها مع الآخرين.
التضليل في زمن الذكاء الاصطناعيّ..

في زمن الحرب، وزمن الثورة التكنولوجيّة الرابعة، والتي من فروعها الذكاء الاصطناعي، حيث الآلة ترصد الأهداف العسكريّة وتجمع البيانات وتحلّلها، وتأخذ القرار بتنفيذ الهجوم من خلال برنامج مسؤول عن اتخاذ القرار، وبالاعتماد على جدول زمنيّ لتحقيق هذا الهجوم. ومن دون التأكّد إذا ما كان هذا الاستهداف سيتم بطريقة أخلاقيّة، متلائمة مع المعايير الإنسانية، والقانونية العالمية، أم لا؟!.
يظهر التساؤل؛ كيف هو الحال مع الإعلام، فنحن أمام واقع آلي يفرض وجوده شئنا أم أبينا، ويتدخل في شؤوننا!
في السياق عينه يشرح “نبيل عبدون” دكتور وأستاذ جامعي محاضر في الذكاء الاصطناعيّ والأمن السيبرانيّ، لمجلة “الحصاد”؛ كيف يؤثر الذكاء الاصطناعيّ على تغيير الرأي العام؟!
يقول: ” يُستخدم الذكاء الاصطناعيّ كآداة في تشكيل الرأي العام، ويؤثّر على السياسات العامة في جميع المجالات، فتطبيقات مثل ” ChatGPT ”، قادرة على توليد النصوص، وإعداد مقالات وكتابة التقارير ونشرها، وهذه التقنيات الجديدة سرّعت عملية إعداد الأخبار، وزادت من كمية المحتوى للجمهور، وبالتالي زيادة انتشار الأخبار المزيّفة والمعلومات المضلّلة. وهناك تقنيّة Deepfake المستخدمة لغرض تزييف وتغيير الوجوه والأصوات والأشخاص .. ”
ويشرح عبدون كيف تعمل خوارزميات في الذكاء الاصطناعيّ على تحليل النصوص على مواقع التواصل الاجتماعيّ، وتحديد الاتّجاهات وطبيعة الآراء السائدة عند الرأي العام، مما يساعدها على تعزيز الترويج لموضوع معيّن أو لتسلّط الضوء على قضايا معيّنة، وهذه الخوارزميات بطبيعة الحال خاضعة لتحيّزات ومصالح أشخاص يديرونها، وبالتالي فهي تؤثر على الجمهور وعلى السياسات العامة وعلى صناعة القرار السياسيّ في أي بلد.
وبعضها يقوم أيضًا بتحليل عاطفيّ لفهم مشاعر الجمهور وآراءه اتجاه قضيّة معينة، وتقييمها بطريقة أسرع وأكثر دقّة، بالاعتماد على داتا المعلومات وليس على أشخاص، وهي خوارزميات تعمل بطريقة سريعة وفعّالة، ويلفت إلى ضرورة التنبّه للدور السلبيّ للذكاء الاصطناعي في موضوع الخصوصيّة والأمان، جراء التحيّز الموجود في الخوارزميات أو في الداتا، ويجب اتباع إجراءات موازية لتعزيز الشفافية الديمقراطية والمساءلة الأخلاقية، و استخدام الذكاء بحذر ومسؤولية.
ويوضح: قديما كنا نعتمد على الملاحظة الشخصيّة، وعلى الحواس وعلى الاتصال بالمصدر للتأكد من صحة الخبر، ولأننا أمام حجم معلومات كبير جدًا، ووجود تداخل بين الأخبار والصور والفيديوهات الحقيقية بمثيلها المزيفة، فالتمييز لغرض التحري من دقة الخبر لكشف التلاعب ومعرفة الحقيقة، بات صعبًا.
الذكاء الاصطناعي صديقًا!

يلفت عبدون، إلى أنّه يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون حليفًا لنا في مكافحة المعلومات المضلّلة، والمغلوطة، فهو يحتوي على تطبيقات وأدوات توفّر الوقت وتعمل على أتمتة المهام الروتينيّة، والتحقّق من المصادر والمراجع، وتقاطع المعلومات مع أكثر من مصدر لمحتوى دقيق.
يضيف: “ومع هذا كلّه تبين الدراسات أن اللجوء لهذه الأدوات للتحقق من المحتوى الرقمي يوفر فقط ٥٠٪ من الوقت المستغرق، بينما تواجه هذه الأنظمة الآلية للتحقق الصحيح من الحقائق صعوبات كثيرة في دقّتها، لذلك لا بدّ من التدخل البشريّ، الذي يُلاحظ السياق والفروق الدقيقة بين الأخبار ويستطيع اتّخاذ القرار المناسب. ومن هنا لا بدّ من وضع سياسات تكامليّة وبروتوكولات، تجمع بين الذكاء الاصطناعي والخبرة البشرية.”
- وختامًا: الحرب على العقول من خلال التضليل الإعلامي أشدّ فتكًا، ومداها يمتدّ لأجيال، والحقد الذي تزرعه في النفوس يُتوارث، ما لم تواجهها قوّة مثيلها تحقّ الحقّ وتعلنه!
