غني عن القول إن المجتمعات المعاصرة لا تتماثل في نوعية انحيازها إلى المستقبل. ويعد عدم التماثل حصيلة لتأثير مدخلات عدة في تحديد أنماط سلوك افرادها. ولعل من بين أبرزها المدخل الثقافي، هذا لخصوصية أهميته. وجراء تأثيره، تتوزع هذه المجتمعات على اتجاهين متناقضين: اتجاه يجعل الحاضر امتدادا للماضي، واتجاه يجعل الحاضر منطلقا لبناء المستقبل.

وقبل البحث في العلاقة بين الثقافة والانحياز العربي إلى المستقبل يعد ضروريا توضيح مفهوم الثقافة أولا.
1.في مفهوم الثقافة
تُعبر الثقافة عن كلمة تُعد من أكثر الكلمات استخداما، بل وربما غموضا، هذا لتداخلها مثلا مع مفهوم الحضارة، فضلا عن تعدد الآراء التي تناولت معناها. ويقول الأكاديمي العربي د. سلطان الشاوي في بحثه عن الثقافة السياسية أن لهذا المفهوم أكثر من مئة تعريف. وسواء تم إدراك الثقافة بهذه الدالة أو تلك، فغني عن البيان إنها تقوم على مكونات متعددة ومتشابكة ومعقدة تشمل كافة شؤون الحياة. وقد عمد المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية، الذي أنعقد في مدينة نيومكسيكو عام 1982, إلى تعريف الثقافة بمثابة: ” التعبير عن السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية، التي يتميز بها مجتمع بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات”.
وبهذا المعنى الواضح، للثقافة وظيفة محددة قوامها إعانة المجتمع على التفاعل مع المعطيات المتجددة للحياة وعلى وفق رؤية شاملة وانماط سلوكية محددة. ولهذه الوظيفة تصبح الثقافة، من المنظور الاجتماعي، بمثابة اسلوب للحياة الذي يُعبر عن الخصوصية النفسية والوجدانية والفكرية لاحد المجتمعات، فضلا عن تحيزاته القيمية وعلاقاته الاجتماعية.
ولدورها في التمييز بين المجتمعات، تجسد الثقافة، بالحصيلة ائتلافا فريدا بين الروحي الذي يسمو على الواقع، وبين المادي الذي يلتصق بمعترك الحياة، وكذلك بين اللغة باعتبارها أداة التفكير والتواصل، وبين الكلمة التي لا تقوم مقامها وسيلة مماثلة ولا تنوب عنها أداة مرادفة والتي بها أصبح الإنسان إنسانا. هذا فضلا عن انها تشكل ائتلافا فريدا بين العمل بوصفه وسيلة للارتقاء، وبين الإنسان باعتباره ذهنا وعطاء فكر ومصدر للإنتاج، وبين كل هذا والثقافة كأرض ووطن.
وفي ضوء هذا الائتلاف الفريد، ترتبط الثقافة والإبداع بعلاقة وطيدة، سيما وأن الإبداع هو الذي يحول دون أن تكون الثقافة ثقافة نصوص أو تأويل وإعادة إنتاج في عالم يتغير ويتجدد وينتشر فيه الإبداع على نحوٍ غير مسبوق. بيد أن الثقافة تصبح كابحا جادا للإبداع عندما يصار إلى توظيفها سياسيا لتقنين حرية الفكر وإعاقة التواصل الثقافي مع معطيات عالم اليوم وآفاقه الواسعة من ثم تضحى سبيلا لتعطيل الآخذ بالتليد والجديد، أي الأصالة والمعاصرة.
وعلى الرغم مما تقدم، إلا أن التأثير الإيجابي الممتد للغة العربية والدين والتاريخ قد أفضى إلى أن يتوحد الوجدان القومي بالوجدان الروحي الديني، والوجدان الروحي الديني بالوجدان التاريخي. ومن هنا لا مغالاة في القول: إن الثقافة والهوية العربية استمرتا تشكلان إحدى الحقائق التي ظلت ممتدة في حياتنا العربية. وبهذا الصدد يقول منح الصلح
وبهذا المعنى الواضح، للثقافة وظيفة محددة قوامها إعانة المجتمع على التفاعل مع المعطيات المتجددة للحياة وعلى وفق رؤية شاملة وانماط سلوكية محددة. ولهذه الوظيفة تصبح الثقافة، من المنظور الاجتماعي، بمثابة اسلوب للحياة الذي يُعبر عن الخصوصية النفسية والوجدانية والفكرية لاحد المجتمعات، فضلا عن تحيزاته القيمية وعلاقاته الاجتماعية.
ولدورها في التمييز بين المجتمعات، تجسد الثقافة، بالحصيلة ائتلافا فريدا بين الروحي الذي يسمو على الواقع، وبين المادي الذي يلتصق بمعترك الحياة، وكذلك بين اللغة باعتبارها أداة التفكير والتواصل، وبين الكلمة التي لا تقوم مقامها وسيلة مماثلة ولا تنوب عنها أداة مرادفة والتي بها أصبح الإنسان إنسانا. هذا فضلا عن انها تشكل ائتلافا فريدا بين العمل بوصفه وسيلة للارتقاء، وبين الإنسان باعتباره ذهنا وعطاء فكر ومصدر للإنتاج، وبين كل هذا والثقافة كأرض ووطن.
وفي ضوء أعلاه، تفيد الوظيفة التي تؤديها الثقافة أن بينها والإبداع علاقة وطيدة، سيما وأن الإبداع هو الذي يحول دون أن تكون الثقافة ثقافة نصوص أو تأويل وإعادة إنتاج في عالم يتغير ويتجدد وينتشر فيه الإبداع على نحوٍ غير مسبوق. بيد أن الثقافة تصبح كابحا جادا للإبداع عندما يصار إلى توظيفها سياسيا لتقنين حرية الفكر وإعاقة التواصل الثقافي مع معطيات عالم اليوم وآفاقه الواسعة من ثم سبيلا لتعطيل الآخذ بالتليد والجديد، أي الأصالة والمعاصرة.
وعلى الرغم مما تقدم، إلا أن التأثير الإيجابي الممتد للغة العربية والدين والتاريخ قد أفضى إلى أن يتوحد الوجدان القومي بالوجدان الروحي الديني، والوجدان الروحي الديني بالوجدان التاريخي. ومن هنا لا مغالاة في القول: إن الثقافة والهوية العربية استمرتا تشكلان إحدى الحقائق التي ظلت ممتدة في حياتنا العربية. وبهذا الصدد يقول المفكر العربي منح الصلح:” :” … إن الثقافة العربية هي أقوى ما في العرب وأضعف ما في العرب في الوقت نفسه. ونفضل نحن أن نتحدث عن ناحية الضعف في ثقافتنا على ألا نشكك في جوانب قوتها.”
ومع ذلك، ينطوي الواقع العربي موضوعيا على إشكاليات لم تؤد مخرجاتها مثلا إلى اقتران الثقافة العربية بعدد من السمات المهمة: كاتساع التباين بين الظاهر والباطن، وبين القول والفعل، فضلا عن بروز تيارات فكرية متضاربة داخل المجتمعات العربية وبمخرجات لم تؤد إلى دخول العرب، في نفق التراجع الحضاري منذ احتلال المغول لبغداد عام 1258صعودا فحسب، وإنما ادت أيضا إلى تعطيل انحيازنا الى المستقبل. وتبعا لذلك تنطوي ثقافتنا العربية على تأثير حاسم في دفع مجتمعاتنا إلى الآخذ بأنماط من السلوك تعطل انحيازها الى المستقبل. فرؤيتنا الثقافية لأبعاد الزمان هي التي أفضت إلى أن ينأى الإنسان العربي، في العموم، عن فكرة صناعة المستقبل ابتداء من الحاضر على وفق رؤية علمية واعية وإرادة حرة.
وتتعدد اجتهادات كثير من المستقبليين العرب ذات العلاقة بالمتغيرات التي افضت إلى محدودية الاستعداد العربي للمستقبل .فمثلا أكد، هادي الهيتي، أن” المستقبل لم يدخل في الوعي العربي.”. أما، خير الدين حسيب، فقد أشار إلى: ” غياب المستقبل عن تصوراتنا وغياب التنظير (بشأنه) عن إبداعنا ” . وبدوره أكد، سعد الدين إبراهيم، أن الحديث عن المستقبل، على صعيد الإنسان العربي، يستوي والحديث الذي: ” يتعلق بأمور لا طاقة له بها، ولا قدرة له عليها . فلا شيء يربط في ذهنه بين الماضي والحاضر والمستقبل…لذلك يبدو المستقبل (له) وكأنه عالم أخر.” أما، فواد زكريا، فهو يرى: أن هذا الواقع العربي يُعدّ حصيلة لمدخلات دينية، وحضارية، واجتماعية-سياسية
وعندنا تكمن بعض أبرز الإشكاليات التي أدت إلى ما تقدم في، أولا، غلبة العقلية الشاعرية العربية على العقلية الواقعية، وثانيا، في عموم الموقف العربي من تراث الماضي، أي الماضوية كتفكير وسلوك. وغني عن القول إن مخرجات تأثير كل من هذه المداخل وسواهما ايضا لا يشجع، عربيا، على الانحياز إلى المستقبل. وهنا تكمن الخسارة.
2. العقلية الشاعرية
تُفيد الخبرة التأريخية، إن الشعر، كأحد الفنون العربية الأصلية، يحظى عند أغلب العرب بقيمة تكاد تكون خاصة وممتدة عبر الزمان. وعلى الأكثر، تعود جذور هذه القيمة الخاصة إلى عصر الجاهلية الثانية قبل الإسلام. ففي وقته كان للشعر وظيفة مهمة. فالشاعر الجاهلي كان بمثابة الناطق بلسان قبيلته. إذ كان بأمجادها يُفاخر، ولمعاركها وانتصاراتها يُؤرخ. ولنتذكر هنا شعراء المعلقات السبع على سبيل المثال.
ولم تتغير قيمة الشعر بعد حلول الإسلام. فماعدا زمان عصر الخلفاء الراشدين، استخدم الشعر في العصور اللاحقة لأغراض متعددة تراوحت بين السياسة والحب وما بينهما. وقد برز خلال هذه العهود شعراء استمرت الذاكرة العربية تحتفظ بأسمائهم واشعارهم. وتكفي الإشارة، مثلا، إلى الاخطل، والفرزدق، وبشار بن برد، وأبو نؤانس، وأبو العتاهية، والمتنبي، …الخ
ونتيجة لتراكمات تأثير الشعر في الوجدان العربي تكونت تدريجيا، وخلال زمان طويل، عقلية شاعرية عربية لم تتأسس على مجرد الحنين السلبي إلى الماضي فحسب، وإنما ايضا على التطلع إلى المستقبل على وفق رؤية خيالية غير علمية. وغني عن القول إن الحنين إلى الماضي عندما يكون طاغيا، والمستقبل عندما يكون خيالا لا يدعمه العلم، فإنه يفضي، وبالضرورة، إلى دفع الإنسان إلى الانطلاق من ذهنية معادية للتخطيط الاستراتيجي، هي الذهنية الارتجالية، التي تعطل من قدرة الإنسان على التكيف الكفوء مع استحقاقات حاضر متغير ومستقبل مفتوح ومتعدد الاحتمالات.
ومن هنا تتناقض العقلية الشاعرية، في معظم ابعادها، مع العقلية الواقعية التي تعد مدخلا أساسيا للعقلية المستقبلية. وعندنا يكمن هذا التناقض في أن العقلية الواقعية، وعلى خلاف العقلية الشاعرية، تتأسس أصلا على القناعة بقدرة العقل اليقظ المتطور والفاعل، رائدا وضابطا وحاكما، على الابتكار والإبداع، وبضمن ذلك تجنب الإضرار الناجمة عن التعامل مع الواقع وتحدياته تعاملا يتغافل عن حقائقه الموضوعية.
فالعقلية الواقعية تدعو إلى ضرورة رؤية ما كان، وما هو كائن، على نحوٍ موضوعي وليس على وفق ما يتخيله المرء أو يتمناه. ومما يدعم هذه العقلية الواقعية هو اتجاهها إلى جعل المنهج العلمي أساسا لها في إدراكها للواقع وتعاملها معه، هذا فضلا عن البعد الاخلاقي الكامن فيها. فالعقلانية والاخلاق أمران متكاملان، سيما وإن العقلانية لا تستطيع أن تكون مدخلا للأبداع إلا إذا تزامنت مع التزام أخلاقي بها. فهذا الالتزام هو الذي يجعلها، ايضا، مدخلا مهما للاقتراب من الحقيقة.
3.الموقف العربي من تراث الماضي: الماضوية
تؤكد تجربة التاريخ أن الإنسان، ومن ثم المجتمع، لا يستطيع الهروب من تراث الماضي، سواء كان هذا خاصا يتعلق به، أو عاما يتعلق بمجتمعه أو أمته. وبالقدر الذي يتعلق بنا، نحن العرب، فغني عن القول إننا أمة كانت، في زمان مضى، تصنع التاريخ والحضارة. وهذه حقيقة تاريخية لا يستطيع الانسان العربي إلا الاعتراف بها. لذا لا نستطيع نحن العرب، مثل سوانا، الهروب من الماضي. فالماضي، بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات، يشكل جزءا مهما من تاريخ كل إنسان، وكل مجتمع أو أمة. لهذا لا يمكن نسيانه أو تناسيه، سيما وأنه يستوي وذلك السجل المحفوظ، الذي يذكر الإنسان أو المجتمع بإنجازات ماضي الزمان وكذلك بإخفاقاته .
لذا لا يستطيع الانسان مثلا مناهضة سياسة توظيف الماضي سبيلا لإضفاء سمة الشرعية على ثمة أفعال يُراد تبنيها في الحاضر من اجل تحقيق ثمة اهداف ايجابية منشودة ، بيد إن الاسراف في الآخذ بهذه السياسة يفضي إلى مخرجات سلبية عديدة. ولعل من أبرزها الاتي مثلا:
- أولا، الغاء العلاقة الطردية الموجبة بين التغيير وحركة التاريخ. ولنتذكر أن مخرجات هذه الحركة هي التي، افضت، ولازالت تفضي، إلى التغيير، الذي بدوره يجعل الزمان متجددا. والإسراف في إسقاط الماضي على أزمنة الحاضر والمستقبل اسقاطا غير مدروس يفضي بالضرورة إلى رؤية مجمل أبعاد الزمان وكأنها تستوي، مجازا، والبساط الممتد، الذي لا يتحرك، ولا يتموج، ومن ثم إدراك الزمان وكأنه زمان راكد وبمخرجات لا تساعد على الارتقاء بالاستجابة الإنسانية إلى مستوى تحديات عملية تغيير العالم.
- ثانيا، دفع المجتمع إلى العيش في زمان مضى لا يعود ، ومن ثم الحيلولة دون التجديد. والارتقاء في الفكر والعمل، ومن ثم إدامة واقع تراجع المجتمع وتخلفه الحضاري، ناهيك عن ديمومة الدوران في أفلاك التبعية بإبعادها المتعددة وبالمخرجات المعروفة الناجمة عنها.
بدوره يشخص المفكر العربي ، أحمد أبو زيد، هو الاخر سلبيات سياسة الاسراف هذه، بقوله : ” ليس من شك في أن التفكير الماضوي القانع بما هو قائم ومتوارث…هو بالضرورة تفكير سلبي وانعزالي يخشى الانفتاح على العالم حتى لا يتعرض لرياح التغيير التي تحمل التقدم الذي يهدد بالاندثار الكثير من ثوابت الماضي التي خبرتها مجتمعاتنا وارتاحت اليها رغم تعارضها مع حقائق الحياة الراهنة.”
ويؤكد الواقع العربي أن شريحة عربية واسعة لازالت تنحاز ثقافيا إلى الماضي. وقد افضى إلى هذا الانحياز الممتد زمانا تأثير ثمة مدخلات ثقافية، واقتصادية، واجتماعية، وغيرها. ويكفي هنا أن نتذكر عموما أن الحنين غير الواعي للماضي من قبل تلك الامم، التي كانت تصنع الحضارة، أو التي شاركت في صناعتها، وثم تراجعت حضاريا، كما هو الحال معنا نحن العرب، كان وما زال كابحا مهما عطل ويعطل انحيازها إلى المستقبل المرغوب فيه، خصوصا لأنها لم تأخذ بمقاربة إبداعية تجعل من تجارب الماضي، سلبا أو أيجابا، مدخلا داعما لصناعة مثل هذا المستقبل . لذا لنعمل على الاخذ بمثل هذه المقاربة الإبداعية ضمن مقاربات مهمة أخرى هذا إذا أردنا صناعة مستقبلنا العربي ابتداء من زمان الحاضر على وفق ما نريد وليس على وفق ما يراد خارجيا لنا.
وبصدد ما تقدم، تجدر الإشارة إلى أن المستقبل ليس محدد سلفا وانما هو مجموعة بدائل يستطيع الانسان اختيار منها ما يريد. وعليه من الخطأ علميا رؤية المستقبل وكأنه الامتداد لحقائق الماضي فقط . فالزمان في حركة ممتدة دوما إلى امام. لذا عندما يصبح الانحياز إلى المستقبل، كتفكير وأسلوب للحياة، ثقافة مجتمعية واسعة الانتشار، عندها يصير ممكنا، كما يقول المستقبلي العربي محمد إبراهيم منصور:” توسيع قاعدة المهمومين ببناء فراديس المستقبل لا الباكين على اطلال الفراديس المفقودة.”
ومثل هذه الثقافة إن توافرت، فإن مخرجاتها لابد أن تفضي، كما تؤكد تجارب ثمة دول بازغة في عالم الجنوب، إلى إعادة اكتشاف القدرات الكامنة للمجتمع وتجميعها وتحويلها إلى مصادر داعمة لكيفية التعامل مع مخرجات واقع التغيير واللايقين في عالم اليوم سبيلا للاستعداد للمستقبل بكفاءة اعلى. لذا لنعمد إلى نشر مثل هذه الثقافة داخل مجتمعاتنا العربية.
*أستاذ العلوم السياسية/ السياسة الدولية ودراسات المستقبلاتالثقافة العربية والانحياز إلى المستقبل
أ.د. مازن الرمضاني*
غني عن القول إن المجتمعات المعاصرة لا تتماثل في نوعية انحيازها إلى المستقبل. ويعد عدم التماثل حصيلة لتأثير مدخلات عدة في تحديد أنماط سلوك افرادها. ولعل من بين أبرزها المدخل الثقافي، هذا لخصوصية أهميته. وجراء تأثيره، تتوزع هذه المجتمعات على اتجاهين متناقضين: اتجاه يجعل الحاضر امتدادا للماضي، واتجاه يجعل الحاضر منطلقا لبناء المستقبل.
وقبل البحث في العلاقة بين الثقافة والانحياز العربي إلى المستقبل يعد ضروريا توضيح مفهوم الثقافة أولا.
1.في مفهوم الثقافة
تُعبر الثقافة عن كلمة تُعد من أكثر الكلمات استخداما، بل وربما غموضا، هذا لتداخلها مثلا مع مفهوم الحضارة، فضلا عن تعدد الآراء التي تناولت معناها. ويقول الأكاديمي العربي د. سلطان الشاوي في بحثه عن الثقافة السياسية أن لهذا المفهوم أكثر من مئة تعريف. وسواء تم إدراك الثقافة بهذه الدالة أو تلك، فغني عن البيان إنها تقوم على مكونات متعددة ومتشابكة ومعقدة تشمل كافة شؤون الحياة. وقد عمد المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية، الذي أنعقد في مدينة نيومكسيكو عام 1982, إلى تعريف الثقافة بمثابة: ” التعبير عن السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية، التي يتميز بها مجتمع بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات”.
وبهذا المعنى الواضح، للثقافة وظيفة محددة قوامها إعانة المجتمع على التفاعل مع المعطيات المتجددة للحياة وعلى وفق رؤية شاملة وانماط سلوكية محددة. ولهذه الوظيفة تصبح الثقافة، من المنظور الاجتماعي، بمثابة اسلوب للحياة الذي يُعبر عن الخصوصية النفسية والوجدانية والفكرية لاحد المجتمعات، فضلا عن تحيزاته القيمية وعلاقاته الاجتماعية.
ولدورها في التمييز بين المجتمعات، تجسد الثقافة، بالحصيلة ائتلافا فريدا بين الروحي الذي يسمو على الواقع، وبين المادي الذي يلتصق بمعترك الحياة، وكذلك بين اللغة باعتبارها أداة التفكير والتواصل، وبين الكلمة التي لا تقوم مقامها وسيلة مماثلة ولا تنوب عنها أداة مرادفة والتي بها أصبح الإنسان إنسانا. هذا فضلا عن انها تشكل ائتلافا فريدا بين العمل بوصفه وسيلة للارتقاء، وبين الإنسان باعتباره ذهنا وعطاء فكر ومصدر للإنتاج، وبين كل هذا والثقافة كأرض ووطن.
وفي ضوء هذا الائتلاف الفريد، ترتبط الثقافة والإبداع بعلاقة وطيدة، سيما وأن الإبداع هو الذي يحول دون أن تكون الثقافة ثقافة نصوص أو تأويل وإعادة إنتاج في عالم يتغير ويتجدد وينتشر فيه الإبداع على نحوٍ غير مسبوق. بيد أن الثقافة تصبح كابحا جادا للإبداع عندما يصار إلى توظيفها سياسيا لتقنين حرية الفكر وإعاقة التواصل الثقافي مع معطيات عالم اليوم وآفاقه الواسعة من ثم تضحى سبيلا لتعطيل الآخذ بالتليد والجديد، أي الأصالة والمعاصرة.
وعلى الرغم مما تقدم، إلا أن التأثير الإيجابي الممتد للغة العربية والدين والتاريخ قد أفضى إلى أن يتوحد الوجدان القومي بالوجدان الروحي الديني، والوجدان الروحي الديني بالوجدان التاريخي. ومن هنا لا مغالاة في القول: إن الثقافة والهوية العربية استمرتا تشكلان إحدى الحقائق التي ظلت ممتدة في حياتنا العربية. وبهذا الصدد يقول منح الصلح
وبهذا المعنى الواضح، للثقافة وظيفة محددة قوامها إعانة المجتمع على التفاعل مع المعطيات المتجددة للحياة وعلى وفق رؤية شاملة وانماط سلوكية محددة. ولهذه الوظيفة تصبح الثقافة، من المنظور الاجتماعي، بمثابة اسلوب للحياة الذي يُعبر عن الخصوصية النفسية والوجدانية والفكرية لاحد المجتمعات، فضلا عن تحيزاته القيمية وعلاقاته الاجتماعية.
ولدورها في التمييز بين المجتمعات، تجسد الثقافة، بالحصيلة ائتلافا فريدا بين الروحي الذي يسمو على الواقع، وبين المادي الذي يلتصق بمعترك الحياة، وكذلك بين اللغة باعتبارها أداة التفكير والتواصل، وبين الكلمة التي لا تقوم مقامها وسيلة مماثلة ولا تنوب عنها أداة مرادفة والتي بها أصبح الإنسان إنسانا. هذا فضلا عن انها تشكل ائتلافا فريدا بين العمل بوصفه وسيلة للارتقاء، وبين الإنسان باعتباره ذهنا وعطاء فكر ومصدر للإنتاج، وبين كل هذا والثقافة كأرض ووطن.
وفي ضوء أعلاه، تفيد الوظيفة التي تؤديها الثقافة أن بينها والإبداع علاقة وطيدة، سيما وأن الإبداع هو الذي يحول دون أن تكون الثقافة ثقافة نصوص أو تأويل وإعادة إنتاج في عالم يتغير ويتجدد وينتشر فيه الإبداع على نحوٍ غير مسبوق. بيد أن الثقافة تصبح كابحا جادا للإبداع عندما يصار إلى توظيفها سياسيا لتقنين حرية الفكر وإعاقة التواصل الثقافي مع معطيات عالم اليوم وآفاقه الواسعة من ثم سبيلا لتعطيل الآخذ بالتليد والجديد، أي الأصالة والمعاصرة.
وعلى الرغم مما تقدم، إلا أن التأثير الإيجابي الممتد للغة العربية والدين والتاريخ قد أفضى إلى أن يتوحد الوجدان القومي بالوجدان الروحي الديني، والوجدان الروحي الديني بالوجدان التاريخي. ومن هنا لا مغالاة في القول: إن الثقافة والهوية العربية استمرتا تشكلان إحدى الحقائق التي ظلت ممتدة في حياتنا العربية. وبهذا الصدد يقول المفكر العربي منح الصلح:” :” … إن الثقافة العربية هي أقوى ما في العرب وأضعف ما في العرب في الوقت نفسه. ونفضل نحن أن نتحدث عن ناحية الضعف في ثقافتنا على ألا نشكك في جوانب قوتها.”
ومع ذلك، ينطوي الواقع العربي موضوعيا على إشكاليات لم تؤد مخرجاتها مثلا إلى اقتران الثقافة العربية بعدد من السمات المهمة: كاتساع التباين بين الظاهر والباطن، وبين القول والفعل، فضلا عن بروز تيارات فكرية متضاربة داخل المجتمعات العربية وبمخرجات لم تؤد إلى دخول العرب، في نفق التراجع الحضاري منذ احتلال المغول لبغداد عام 1258صعودا فحسب، وإنما ادت أيضا إلى تعطيل انحيازنا الى المستقبل. وتبعا لذلك تنطوي ثقافتنا العربية على تأثير حاسم في دفع مجتمعاتنا إلى الآخذ بأنماط من السلوك تعطل انحيازها الى المستقبل. فرؤيتنا الثقافية لأبعاد الزمان هي التي أفضت إلى أن ينأى الإنسان العربي، في العموم، عن فكرة صناعة المستقبل ابتداء من الحاضر على وفق رؤية علمية واعية وإرادة حرة.
وتتعدد اجتهادات كثير من المستقبليين العرب ذات العلاقة بالمتغيرات التي افضت إلى محدودية الاستعداد العربي للمستقبل .فمثلا أكد، هادي الهيتي، أن” المستقبل لم يدخل في الوعي العربي.”. أما، خير الدين حسيب، فقد أشار إلى: ” غياب المستقبل عن تصوراتنا وغياب التنظير (بشأنه) عن إبداعنا ” . وبدوره أكد، سعد الدين إبراهيم، أن الحديث عن المستقبل، على صعيد الإنسان العربي، يستوي والحديث الذي: ” يتعلق بأمور لا طاقة له بها، ولا قدرة له عليها . فلا شيء يربط في ذهنه بين الماضي والحاضر والمستقبل…لذلك يبدو المستقبل (له) وكأنه عالم أخر.” أما، فواد زكريا، فهو يرى: أن هذا الواقع العربي يُعدّ حصيلة لمدخلات دينية، وحضارية، واجتماعية-سياسية
وعندنا تكمن بعض أبرز الإشكاليات التي أدت إلى ما تقدم في، أولا، غلبة العقلية الشاعرية العربية على العقلية الواقعية، وثانيا، في عموم الموقف العربي من تراث الماضي، أي الماضوية كتفكير وسلوك. وغني عن القول إن مخرجات تأثير كل من هذه المداخل وسواهما ايضا لا يشجع، عربيا، على الانحياز إلى المستقبل. وهنا تكمن الخسارة.
2. العقلية الشاعرية
تُفيد الخبرة التأريخية، إن الشعر، كأحد الفنون العربية الأصلية، يحظى عند أغلب العرب بقيمة تكاد تكون خاصة وممتدة عبر الزمان. وعلى الأكثر، تعود جذور هذه القيمة الخاصة إلى عصر الجاهلية الثانية قبل الإسلام. ففي وقته كان للشعر وظيفة مهمة. فالشاعر الجاهلي كان بمثابة الناطق بلسان قبيلته. إذ كان بأمجادها يُفاخر، ولمعاركها وانتصاراتها يُؤرخ. ولنتذكر هنا شعراء المعلقات السبع على سبيل المثال.
ولم تتغير قيمة الشعر بعد حلول الإسلام. فماعدا زمان عصر الخلفاء الراشدين، استخدم الشعر في العصور اللاحقة لأغراض متعددة تراوحت بين السياسة والحب وما بينهما. وقد برز خلال هذه العهود شعراء استمرت الذاكرة العربية تحتفظ بأسمائهم واشعارهم. وتكفي الإشارة، مثلا، إلى الاخطل، والفرزدق، وبشار بن برد، وأبو نؤانس، وأبو العتاهية، والمتنبي، …الخ
ونتيجة لتراكمات تأثير الشعر في الوجدان العربي تكونت تدريجيا، وخلال زمان طويل، عقلية شاعرية عربية لم تتأسس على مجرد الحنين السلبي إلى الماضي فحسب، وإنما ايضا على التطلع إلى المستقبل على وفق رؤية خيالية غير علمية. وغني عن القول إن الحنين إلى الماضي عندما يكون طاغيا، والمستقبل عندما يكون خيالا لا يدعمه العلم، فإنه يفضي، وبالضرورة، إلى دفع الإنسان إلى الانطلاق من ذهنية معادية للتخطيط الاستراتيجي، هي الذهنية الارتجالية، التي تعطل من قدرة الإنسان على التكيف الكفوء مع استحقاقات حاضر متغير ومستقبل مفتوح ومتعدد الاحتمالات.
ومن هنا تتناقض العقلية الشاعرية، في معظم ابعادها، مع العقلية الواقعية التي تعد مدخلا أساسيا للعقلية المستقبلية. وعندنا يكمن هذا التناقض في أن العقلية الواقعية، وعلى خلاف العقلية الشاعرية، تتأسس أصلا على القناعة بقدرة العقل اليقظ المتطور والفاعل، رائدا وضابطا وحاكما، على الابتكار والإبداع، وبضمن ذلك تجنب الإضرار الناجمة عن التعامل مع الواقع وتحدياته تعاملا يتغافل عن حقائقه الموضوعية.
فالعقلية الواقعية تدعو إلى ضرورة رؤية ما كان، وما هو كائن، على نحوٍ موضوعي وليس على وفق ما يتخيله المرء أو يتمناه. ومما يدعم هذه العقلية الواقعية هو اتجاهها إلى جعل المنهج العلمي أساسا لها في إدراكها للواقع وتعاملها معه، هذا فضلا عن البعد الاخلاقي الكامن فيها. فالعقلانية والاخلاق أمران متكاملان، سيما وإن العقلانية لا تستطيع أن تكون مدخلا للأبداع إلا إذا تزامنت مع التزام أخلاقي بها. فهذا الالتزام هو الذي يجعلها، ايضا، مدخلا مهما للاقتراب من الحقيقة.
3.الموقف العربي من تراث الماضي: الماضوية
تؤكد تجربة التاريخ أن الإنسان، ومن ثم المجتمع، لا يستطيع الهروب من تراث الماضي، سواء كان هذا خاصا يتعلق به، أو عاما يتعلق بمجتمعه أو أمته. وبالقدر الذي يتعلق بنا، نحن العرب، فغني عن القول إننا أمة كانت، في زمان مضى، تصنع التاريخ والحضارة. وهذه حقيقة تاريخية لا يستطيع الانسان العربي إلا الاعتراف بها. لذا لا نستطيع نحن العرب، مثل سوانا، الهروب من الماضي. فالماضي، بكل ما فيه من إيجابيات وسلبيات، يشكل جزءا مهما من تاريخ كل إنسان، وكل مجتمع أو أمة. لهذا لا يمكن نسيانه أو تناسيه، سيما وأنه يستوي وذلك السجل المحفوظ، الذي يذكر الإنسان أو المجتمع بإنجازات ماضي الزمان وكذلك بإخفاقاته .
لذا لا يستطيع الانسان مثلا مناهضة سياسة توظيف الماضي سبيلا لإضفاء سمة الشرعية على ثمة أفعال يُراد تبنيها في الحاضر من اجل تحقيق ثمة اهداف ايجابية منشودة ، بيد إن الاسراف في الآخذ بهذه السياسة يفضي إلى مخرجات سلبية عديدة. ولعل من أبرزها الاتي مثلا:
- أولا، الغاء العلاقة الطردية الموجبة بين التغيير وحركة التاريخ. ولنتذكر أن مخرجات هذه الحركة هي التي، افضت، ولازالت تفضي، إلى التغيير، الذي بدوره يجعل الزمان متجددا. والإسراف في إسقاط الماضي على أزمنة الحاضر والمستقبل اسقاطا غير مدروس يفضي بالضرورة إلى رؤية مجمل أبعاد الزمان وكأنها تستوي، مجازا، والبساط الممتد، الذي لا يتحرك، ولا يتموج، ومن ثم إدراك الزمان وكأنه زمان راكد وبمخرجات لا تساعد على الارتقاء بالاستجابة الإنسانية إلى مستوى تحديات عملية تغيير العالم.
- ثانيا، دفع المجتمع إلى العيش في زمان مضى لا يعود ، ومن ثم الحيلولة دون التجديد. والارتقاء في الفكر والعمل، ومن ثم إدامة واقع تراجع المجتمع وتخلفه الحضاري، ناهيك عن ديمومة الدوران في أفلاك التبعية بإبعادها المتعددة وبالمخرجات المعروفة الناجمة عنها.
بدوره يشخص المفكر العربي ، أحمد أبو زيد، هو الاخر سلبيات سياسة الاسراف هذه، بقوله : ” ليس من شك في أن التفكير الماضوي القانع بما هو قائم ومتوارث…هو بالضرورة تفكير سلبي وانعزالي يخشى الانفتاح على العالم حتى لا يتعرض لرياح التغيير التي تحمل التقدم الذي يهدد بالاندثار الكثير من ثوابت الماضي التي خبرتها مجتمعاتنا وارتاحت اليها رغم تعارضها مع حقائق الحياة الراهنة.”
ويؤكد الواقع العربي أن شريحة عربية واسعة لازالت تنحاز ثقافيا إلى الماضي. وقد افضى إلى هذا الانحياز الممتد زمانا تأثير ثمة مدخلات ثقافية، واقتصادية، واجتماعية، وغيرها. ويكفي هنا أن نتذكر عموما أن الحنين غير الواعي للماضي من قبل تلك الامم، التي كانت تصنع الحضارة، أو التي شاركت في صناعتها، وثم تراجعت حضاريا، كما هو الحال معنا نحن العرب، كان وما زال كابحا مهما عطل ويعطل انحيازها إلى المستقبل المرغوب فيه، خصوصا لأنها لم تأخذ بمقاربة إبداعية تجعل من تجارب الماضي، سلبا أو أيجابا، مدخلا داعما لصناعة مثل هذا المستقبل . لذا لنعمل على الاخذ بمثل هذه المقاربة الإبداعية ضمن مقاربات مهمة أخرى هذا إذا أردنا صناعة مستقبلنا العربي ابتداء من زمان الحاضر على وفق ما نريد وليس على وفق ما يراد خارجيا لنا.
وبصدد ما تقدم، تجدر الإشارة إلى أن المستقبل ليس محدد سلفا وانما هو مجموعة بدائل يستطيع الانسان اختيار منها ما يريد. وعليه من الخطأ علميا رؤية المستقبل وكأنه الامتداد لحقائق الماضي فقط . فالزمان في حركة ممتدة دوما إلى امام. لذا عندما يصبح الانحياز إلى المستقبل، كتفكير وأسلوب للحياة، ثقافة مجتمعية واسعة الانتشار، عندها يصير ممكنا، كما يقول المستقبلي العربي محمد إبراهيم منصور:” توسيع قاعدة المهمومين ببناء فراديس المستقبل لا الباكين على اطلال الفراديس المفقودة.”
ومثل هذه الثقافة إن توافرت، فإن مخرجاتها لابد أن تفضي، كما تؤكد تجارب ثمة دول بازغة في عالم الجنوب، إلى إعادة اكتشاف القدرات الكامنة للمجتمع وتجميعها وتحويلها إلى مصادر داعمة لكيفية التعامل مع مخرجات واقع التغيير واللايقين في عالم اليوم سبيلا للاستعداد للمستقبل بكفاءة اعلى. لذا لنعمد إلى نشر مثل هذه الثقافة داخل مجتمعاتنا العربية.
