الحرب وصرخة العدالة الغائبة

قرأنا عبر التاريخ عن حروب كثيرة تركت آثارها العميقة في مصير البشريّة. فالحرب ليست مجرّد تغيّر في الخرائط أو إعلانٍ للنصر بعد تحقيق المكاسب والأهداف، بل هي لحظة مفصلية يبرز فيها سؤال جوهري: ما مصير الإنسان، وتحت أيّ قانون سيعيش بعد أن تضع الحرب أوزارها؟ وفي خضمّ هذه التحوّلات، جاء الأدب شاهدًا على تلك التجارب الإنسانية القاسية، فدوّن وقائع النزاعات الكبرى وكشف تعقّد العلاقة بين الإنسان والحرب، ولا سيّما حين تغيب القوانين وتضعف العدالة، فيعلو صوت القوّة على حساب الإنسان المقهور. وهنا يبرز دور الأدب بوصفه ذاكرة إنسانية حيّة توثّق معاناة البشر، وتعيد التفكير في التناقضات التي تخلّفها الحروب، حيث يخفت صوت المظلوم تحت وطأة الخوف، وتغيب العدالة، وتنهار القوانين. ومن خلال ذلك كلّه، يصبح الأدب مساحةً للتأمل والنقد، ومحاولة لاستعادة صوت الإنسان والدفاع عن قيم العدالة والإنصاف.

في هذا الإطار لفتني مقطع قصير شاهدته عبر الإنستغرام، يظهر قاعة محاضرات واسعة يجلس فيها عدد قليل من الطلاب منصتين إلى أستاذهم. فجأة، ومن دون مقدّمات، يطلب الأستاذ من إحدى الطالبات أن تغادر القاعة فتمتثل الطالبة للأمر وتخرج بصمت.

بعد لحظات يسأل الأستاذ طلاب:  ما الغرض من القوانين؟

تتوالى الإجابات: لحماية النظام الاجتماعي، لحماية حقوق الأفراد، لكي نتمكن من الاعتماد على الحكومة… ثم تأتي الإجابة الأخيرة :العدالة.

يسألهم الأستاذ مجددًا:
هل كنت غير عادل مع زميلتكم؟
يجيب الطلاب: نعم.

فيتابع سؤاله: لماذا لم يحتجّ أحد منكم؟ لماذا لم يحاول أحد إيقافي؟ لماذا لم يقف أحد في وجه الظلم؟

ذلك المشهد البسيط، الذي ينطلق من صرح أكاديمي، يكفي ليعلّم جيلًا كاملًا معنى العدالة وجدوى القوانين. فالحق لا يعيش إلا إذا وجد من يشهد له، والظلم لا ينتصر إلا حين يواجه الصمت. فمن يقف موقف المتفرّج يبتعد شيئًا فشيئًا عن دائرة الإنسانية، لأن الدفاع عن المظلوم ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل مسؤولية إنسانية تربّينا عليها، ومن يختبر الظلم مرة يدرك أن الصمت ليس حيادًا، بل شكل آخر من أشكال المشاركة فيه.

هذا المشهد أعاد إلى ذهني صورة الحرب التي نعيشها، تلك الحرب التي تبدو وكأنها عالم مصغّر يعكس الوجه الأكثر قسوة للبشرية. فمن يراقب ما يحدث حوله يكتشف بسهولة أن الإنسانية تفقد أحيانًا أبسط معانيها.

أين العدالة؟ وأين القوانين الدولية؟ وأين تلك التفاهمات التي يفترض بها أن تضع حدًا للدمار في لبنان، بل في الشرق الأوسط بأكمله؟ ومن يمسك اليوم بزمام الأمور لينقذ البشرية من هذا الانحدار؟

عندما نتأمل الحروب بعمق نكتشف أن جذورها لا تكمن فقط في الصراعات السياسية، بل في الأهواء البشرية المظلمة: الطمع، والرغبة في السيطرة، وهيمنة القوى الكبرى التي تسعى إلى التحكم بمصائر الشعوب الضعيفة. فهل هذا هو مفهوم الوطن الذي حلم به الإنسان؟ وهل هكذا يُبنى مستقبل الشعوب؟

في خضمّ هذه الأسئلة يعود الأدب ليطرح حضوره. فالأدب، الذي يشكّل سجلّ الإنسان وذاكرته، قال كل شيء تقريبًا، بما في ذلك الحروب. ومع ذلك ما زلنا نسأل: ما جدوى الأدب؟ وما رسالته؟ وهل ما زال قادرًا على تغيير العالم أو على الأقل فضح الاستبداد وكشف قسوته؟

وسط كل هذه الدماء، يبحث الإنسان اليوم عن لحظة سلام، ولو كانت قصيرة، ونحن نعيش حالة دائمة من الترقّب والانتظار، كأننا نقف عند حافة زمن مضطرب لا نعرف متى ينتهي.

وفي كل مرة تنتهي حرب، نتساءل إن كانت الأخيرة. لكننا نكتشف أن الحرب تشبه الجمر الذي يلفظ آخر شظاياه ليترك شرارة قادرة على إشعال العالم من جديد. فالحرب لا تنطفئ بسهولة، لأن النار تبقى كامنة في الأعماق. ومع استمرارها في التدمير، تحوّل الحرب الإنسان أحيانًا إلى كائن خالٍ من الشفقة، منفصل عن القيم التي بُنيت عليها الحضارات. وأمام هذا العالم الذي تحكمه المصالح والقوة، يجد الإنسان نفسه داخل صراعات لم يخترها، فينحدر تدريجيًا نحو واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.

أظن أن قصتنا مع الحرب بدأت منذ ما قبل عام 1981. لقد وُلدنا في زمن الحرب، وعشنا حربًا ثانية وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة. وفي كل مرة كنّا نقول إن هذه الحرب ستكون الأخيرة. لكن السؤال نفسه كان ينتظرنا دائمًا عند نهاية كل حرب:  متى تنتهي الحروب حقًا؟

حين يتحكّم القوي بالضعيف يضيع ميزان العدالة. وحين يصبح القانون مجرد نصوص بلا قوة، تفقد المعاهدات الدولية معناها. فما قيمة تلك الاتفاقيات إذا كنا نقف اليوم على شفير الانهيار، متجهين نحو هاوية جديدة؟

لقد ظنّ الإنسان يومًا أنه يقف على عتبة التقدم، وأن العالم يتجه نحو مرحلة أكثر عدلًا ورقيًا، مرحلة تقضي على الفقر وترسّخ العدالة بين الشعوب. لكن الواقع قادنا فجأة إلى ملعب الوقت الضائع، حيث تتقدّم الحروب على كل مشاريع السلام. فمن يمسك اليوم بمصير البشر؟

ربما كانت الحياة، كما لمح الكاتب” ميلان كونديرا” في رؤيته الأدبية، في مكان آخر… مكان أكثر هدوءًا، وأكثر إنسانية، عالم يستطيع الإنسان فيه أن يعيش من دون خوف من حرب جديدة.