الجغرافيا قدر حاكم،لا يمكن معاندته،ولا يمكن التنكر لقوانينه ،وحين تحدد الجغرافيا المواقع،وترسم الخرائط، فانها تسطر بالتبعيه انواع العلاقات التي ينبغي ان تسود ، ذلك ان حرصت كل الأطراف على صياغة سياسات،تنتهج عمليات التنميه والتعاون فيما بينها ،بديلا عن التفتيش خلف النزاعات التي يمكن تواجدها بين طرف واّخر، خصوصا حين ترتبط هذه النزاعات بالحدود الجغرافيه، وما اعتورها من خلافات تاريخيه سواء في عمليات الرصد الأولى لتاريخ الجماعات ،أو بما فرضته القوى الأستعماريه ورسمته من حدود، ابان فترة احتلالها في زمن سابق .علينا في هذه الحالات ان نتفاهم ونتصالح عن طريق التحكيم ،وليس باشهار السلاح . ان ايران دوله من دول المنطقه الرئيسيه،ولذلك فعملية الوفاق بين دول الجوار،ضرورة ملحة من اجل مصلحة كل الاطراف.لكن يلاحظ ان علاقة ايران بجيرانها من العربـ ، لم تكن في عهود متعدده ،محل توافق أو رضي. حتى وان تفاوتت بين عصر وعصر ،أومن زمن الى اّخر. ذات يوم. ،لكن قواعد الجغرافيا الحاكمه،لم تتغير،وما زالت تفرض احكامها وهو حسن الجوار،وسياسة التفاهم ،وتحت اعتبار ان مايسمي بدول منطقة الشرق الوسط ،يرمز اليه بفعل التواجد المؤثر لهاتين الدولتين تركيا وايران، بالأضافة الى دول العالم العربي،حتى وان كانت حركة الزمن لم تتوقف ،كما ان حركة التطور التاريخي، لها على الدوام قوانينها،وقد كان من شأنها ان باعدت بين الأطراف،بحكم المصالح السياسية، والأيدولوجيات والعقائد التي اعتنقها كل جانب،قد كرست الانعزال ،وطوقت الكثير من الآمال ،فوضعت كل طرف في معسكر محدد . ايران تحت حكم الشاه ،كانت تعرف بشرطي الخليج ،والحارس على مصلحته ،من خلال مصالح معسكرها ،وهو المعسكر الغربي، بحكم الارتباط الوثيق بالولايات المتحده ، ولذلك قويت تبعا لذلك علاقتها باسرائيل حيث المعسكر الواحد، وكانت ايران نتيجة لذلك جزء رئيسي من احلاف الغرب،كما كانت تركيا منذ اتاتورك قد خلعت رداء الامبراطورية الاسلاميه،وغيرت ابجديات لغتها الى الحروف اللاتينيه،قد اصبحت بذلك مؤهله لكي تصبح عضوا في الحلف الأطلنطي ( الناتو) كما اعترفت كذلك باسرائيل.
ثم حدث التطور اللافت في تركيا
جاء ذلك في عهد الرئيس اردوغان،حيث كشفت تركيا ان جذورها التي ترتبط بالشرق مازالت قويه فرغم اعترافها باسرائيل وارتباطها بحلف (الناتو) الا ان مواقفها مع القضية الفلسطينيه كانت متقدمه جدا،دون ميليشيات ولا اذرع،وهي رغم تعاطفها السابق مع حكم الرئيس الراحل (محمد مرسي)وما ترتب عليه من مرور سحابه في العلاقات مع مصر،الا انها لم تجعلها قضية حاجبه عن تطور العلاقات معها،فهي تحترم اختيارات الشعوب،ثم انها تري ان المصالح العامه تكمن في تصفير االمشاكل،ودعم العلاقات ،وتنمية سبل التعاون ،واتساع حركة التجاره ،والاتفاقيات العسكريه في المقام الأول ،وليس تقديرها الشخصى لحاكم كان ذات يوم هو الرئيس .فاحترام ارادة الشعوب،قضية تحظي بالأهمية الأولى.انني لن اغوص في التاريخ، حين تشارك العرب وايران وتركيا في صنع الحضارة الاسلاميه ،التي اشعت بأنوارها على العالم .ولن استطرد كثيرا ،في بداية ظهور ،وبروز ظاهرة تستند الى علم جديد يتحدث عن القوميات،وصراعها المحتوم ،حين تختلف اللغه ،ويترتب عليها افتقاد عملية التفاعل الساخن بين المجتمعات،ومن ثم هناك وجود لقانون جديد ،اصبح يحكم العلاقات بين الدول .قانون طبيعي، وليس قانونا دستوريا، وهو( القوميات ) وعلى ذلك هناك (قومية عربيه) تظلل العديد من الدول العربيه ،وثانيا هناك (قوميه فارسيه)، تطل علينا من ايران، وثالثا توجد (قوميه طورانيه) تهيمن على تركيا وبعض دول تجاورها ،بل وتتحدث بلغتها.كانت السابقه لذلك التجربه الالمانيه (القومية الألمانية (Deutschnationalismus): هي أيديولوجية سياسية تاريخية وحالية، نشأت في القرن التاسع عشر وتعتبر ألمانيا الدولة القومية لجميع الأشخاص من أصل ألماني.)وكذلك التجربه الايطاليه في القوميه الإيطالية: Italiani)، وهي مجموعة عرقية وشعب أصيل يعيش بشكل رئيسي في إيطاليا ويتحدثون اللغة الإيطالية. تشكلت هويتهم القومية بناءً على تاريخ وثقافة مشتركة، وتأسست كدولة موحدة في القرن التاسع عشر تم خلالها توحيد إيطاليا.(لكن القوميه بخصائصها و تعريفاتها، ليست شرطا، ان تكون عنصريه،خصوصا في عالم اصبحت التحالفات فيه الأن هي قاعدة ومركز الأمان وضماناته ،وان وضعنا سلام المنطقه، هو ضمان التنميه التي ننشدها لشعوبنا، بل و ضمان استقرارنا واماننا ،كان المستقبل بكل امنه وسلامه ،يتسع لتطورنا الحتمي ،ووصوله لشواطئ الأمان. لقد استبشر العرب كثيرا بالثورة الأيرانيه،وزوال حكم الشاه،وكانت الأمال كبارا في علاقات اشد رسوخا وأكثر استقرارا وأمانا.لكن التجربه لم تكن على اي حال ،في حجم وطموحات العرب .
لمحة من التاريخ

كتب ( فتحي الديب) احد ضباط الثورة المصريه عام 1952،وقد تولى مع (زكريا محيي الدين) بناء جهاز (المخابرات العامه)من 1953 الى عام 1960 ،ثم عين سفيرا لمصر في سويسرا،وقد ذكر في
كتاب اصدره منذ سنوات، بعنوان(عبدالناصر والثورة الأيرانيه ) ،وقد جاء فيه انه استقبل في مقر اقامته في سويسرا(ابراهيم زايدي) احد الرجال الذي شكلوا تنظيما يستهدف االثورة، على حكم (الشاه) في ايران. وكان (ابراهيم زايدي) هو نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجيه في وزارة (مهدي بازركان) وهو رئيس أول حكومة في إيران بعد الإطاحة بالشاه (الثورة الإسلامية عام 1979) الذي عينه آية الله الخوميني رئيساً للوزراء في الحكومة المؤقتة في 5 فبراير 1979، وذلك قبل السقوط النهائي للنظام الملكي في 11 فبراير من نفس العام.كتب (فتحي الديب) تحت عنوان(عبدالناصر يدعم الثورة الايرانيه)،وفي المبحث الأول يقول تحت عنوان (حركة الحريه الايرانيه)،وفي السطور الاولى التي تشير الى ترحيب عبدالناصر بالتعاون مع (حركة الحريه الايرانيه) يكتب هذه السطور ( لم يمض على تسليمي الرئيس عبدالناصرتقريري سوى ثلاثة ايام، حتى استدعاني للقائه ليناقشني، فيما جاء بتقرير (ابراهيم زايدى) من فكر ووجهات نظر (لحركة الحريه الايرانيه)،التي يمثلها سواء في مجال الاعداد اوالتخطيط،مشيرا الى ان عملية الاعداد والتهيئة للثورة على نظام الشاه،بالصورة التي جاءت في التقرير،تحتاج لا شك الى جهد ووقت ،وان كان سيادته يري في ارتباط الحركة بالزعامات الدينية امرا حيويا ومهما ،وكما ورد في الأسباب التي طرحوها ،تعتبر ضرورة ملحة تتماشي وطبيعة المجتمع الايراني وتأثره الكبير بالعقيدة الدينيه ،الأمر الذي سيتيح لهذا التعاون السياسي الديني ثماره الأيجابيه،والفعالة في مواجهة أجهزة حكم الشاه، والتفاف الجماهير الشعبيه العريضه حول قيادات هذه الحركة .كسبت الحركة ثقة النظام الناصري،بعد ان تم الاتفاق على سياسات محددة تناولت اسس السياسة الداخليه ومعالمها بعد الخلاص من (الشاه) ونظام حكمه ومنها معارضة الاحلاف العسكريه ومقاومة النشاط الصهيوني واعطاء الاكراد الايرانيين جميع الحقوق المكتسبه لأي فرد ايراني .الاحتفاظ بالتراب الايراني الحالي كحقيقه واقعه للوطن الايراني واهمال كل مايثيره (الشاه) من مشاكل بالنسبة الى الامارات العربيه بالخليج واعتبار ان كل مايطالب به (الشاه) مثل (البحرين ..الخ) خلق لمشاكل لا وقع لها ولا اساس. وبعد ان تم الاتفاق ،قامت الجمهورية العربيه المتحده بواجبها،في التدريب والتسليح والتمويل ان لزم الأمر.الى جاء طلب(حركة الحريه الايرانيه) بضرورة انتقالها الى بيروت ،لدواعي امنيه، بعد ان توصل الى علمهم ان هناك حركة رصد ومتابعه ،من نظام (الشاه) والعلاقة مع القاهره ،ووافق عبدالناصر على طلبهم ،وقال انهم ادرى بدواعي امنهم وسلامتهم .انتقل عبدالناصر الى رحاب الله،وقامت الثورة الأيرانيه ،وباركها الشعب العربي على اتساع رقعته. وتولى (ابراهيم زايدي) صاحب اللقاء الاول مع (فتحي الديب) السفيرالمصري في سويسرا في ذلك الحين ،منصب نائب رئيس الوزراء ووزيرا للخارجيه الايرانيه،ولكنه لم يعمر طويلا لاختلافه مع السياسة الأيرانيه الجديده،فقدم استقالته،وهنا نذكر بمواقعه التي شغلها ،فلم يكن الوحيد الذي اعترض على مسار السياسة الايرانيه. (تولى الأمانة العامة (لحركة الحرية الإيرانية ،وهي حزب معارض ليبرالي) من 1995 إلى 2017. كان مستشاراً للخميني في باريس، وعاد معه إلى إيران، وعُين نائبا لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية، لكنه استقال أواخر 1979 احتجاجاً على أزمة الرهائن الأمريكيين. عُرف كمعارض سياسي ليبرالي، وتم اعتقاله عدة مرات بعد عام 2009 : توفي في 27 أغسطس 2017 في إزمير بتركيا عن عمر ناهز 85 عاماً،وتعد الحركة التي قادها من أقدم الأحزاب المعارضة في إيران وتم حظرها رسمياً. كان ذلك مسارالعمل مع الثورة الايرانيه،في حقبة النظام الناصري،والتفاهم مع القوى الثوريه في ايران ضد نظام (الشاه) والسياسة التي تحافظ على الحقوق المشروعه لدول المنطقه ، بعد التحرر من ذلك النظام الذي قام بدور الشرطي في ربوعنا ،ضد تطلعات واّمال شعوب المنطقه في الحرية والأستقلال.اتذكر حوارا دار بين الكاتب الصحفي الراحل (محمد حسنين هيكل) وبين شاه ايران ،سأل هيكل الشاه عن كم الاسلحه التي يقوم بحشدها في ايران،ولمن يوجهها، واستطرد قائلا (لا تقل لي انها ضد الأتحاد السوفييتي لقربه منك ،فتلك الأسلحه لاتجدي نفعا اذا هاجمك السوفييت،فقوتهم اكبر وفي ظنى ان اسلحتك ستوجه الى دول المنطقه ،فما هو ردك ؟ أجاب (الشاه) انظر الى ثورة(ظفار) في سلطنة عمان . معلوماتي انها ثورة شيوعيه،وذلك يدعوني الى القلق. وحرب (ظفار) لم تكن ثورة وانما كانت نزاعا مسلحا وقد استمر من عام 1965 حتى عام 1976 1جنوب سلطنة عمان ،وقد انتهت بولاية السلطان قابوس وتم تحقيق الكثير من الاصلاحات.اجاب هيكل انني اعتقد ان تلك الاسلحه مع تعاظمها موجهة لدول المنطقة لتحقيق تطلعات ايرانيه. عاد الكاتب محمد حسنين هيكل الى مساندة الثورة الايرانيه الى حد ان قال ( كيف يقلق العرب من احتمال حصول ايران على السلاح النووي،ولايقلقون من السلاح النووي الاسرائيلي وهو متعدد القنابل النوويه ؟ والحقيقه ان العرب يقلقون من الجانبين،لكن يضاف الى القلق من ايران هو تصريحاتها المتتاليه ( ان بغداد ستكون عاصمة الامبراطوريه الفارسيه) و( اصبح نفوذنا يمتد الى خمس عواصم عربيه) بألأضافه الى حلفائها ولا اقول أذرعها،أو ميليشياتها في عالمنا العربي ،وعملها على تصدير الثورة اليه. اننا ندرك تماما تطلعات اسرائيل ،ونخشي من تطلعاتها وهي تعمل على تحقيقها ونشرها للخرائط التي ترنو اليها في اتساعها واضح وجلي، لكن ايران تجمعنا معها روابط ،ونحن نخشي عليها من العدوان ،ونخشى منها في التغلغل الذي تقوم به في ربوعنا . ايران دوله رئيسيه من دول المنطقه،ليست غريبه أو دخيله،وشعبها تربطنا به مصالح وتاريخ ،بالأضافة الى ان العدوان عليها ،سوف تصاحبه كوارث وماّسي انسانيه وعمرانيه للمنطقة بأثرها ولذلك نتمني لأيران السلامة والنجاة من العدوان ،بقدر مانتمني ان تدرك ان المنطقه لا تحتمل المزيد من الأزمات ،وان السلام الأولى بالرعاية والأهتمام، هو السلام بين شعوب المنطقه،لا سيما في لبنان وفي العراق ،وفي اليمن ،وفي سوريا ،وبين حماس وفتح ،وان يحل التفاهم والتعاون محل الصراع. . واخيرا

في أحدث تلك التهديدات قال الرئيس ترمب محذرا إيران إن (الوقت ينفد)، وإنها ستواجه هجوما (أشد وطأة بكثير) من الضربات الأمريكية التي استهدفت منشآتها النووية في الصيف الماضي،وفي المقابل.
، تقول طهران إن قواتها (على أهبة الاستعداد)، وتحذر ترمب من أنه قد يشعل حربًا ستكون عواقبها خارجة عن سيطرته،.وترى جريدة نيوزويك أن إيران لا تزال قادرة على الرد على أي هجوم أمريكي بترسانتها من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مستهدفةً القواعد الأمريكية في دول الخليج التي تشعر بالقلق من أنها ستكون الأهداف الأولى للانتقام، سواءً بصواريخ إيرانية أو بطائرات مسيرة من جماعة الحوثيين في اليمن. ووسط هذه المخاوف تقوم عدة دول في المنطقة بالضغط على واشنطن من اجل تجنب أي إجراء عسكري ضد إيران.
لكن هناك الكثيرون يعتقدون ان (ترامب) رجل (صفقات) وقد اثار كل هذا الضجيج من اجل عقد صفقه يحصل بها على بعض المكاسب،وليس شرطا كل ما اعلن عنه .قد يكون ذلك صحيحا، او مانتمناه من اجل سلامة المنطقة،ومنها سلامة ايران. لكن بعد ذلك،هل يمكن ان تتغير ايران،وان تكون مع سلامة ايران،وسلام المنطقه،وان يحل الوئام مكان الصراع.وان يصاحب تصالح الجغرافيه مع حكمة التاريخ .
