بين الأمل في توحيد الصف والخوف من دعاة الانفصال في الخارج
“إن الإجراءات أحادية الجانب في اليمن لن تمهد الطريق للسلام، بل إنها تعمق الانقسامات، وتصلب المواقف، وتزيد من خطر التصعيد الأوسع والتشرذم”. تصريح صارم من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يشي بحجم القلق الكبير على مجريات الأمور باليمن، وذلك تعليقا على التطورات الأخيرة التي يشهدها بعد تقدم القوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي نحو حضرموت والمهرة والتي انتهت بحل المجلس الانتقالي بعد هروب رئيسه عيدروس الزبيدي في مشهد درامي صادم.
انقسامات وتدخلات
يمر اليمن في الفترة الأخيرة بمنعطف خطيرة يثير مخاوف المراقبين على وحدة شعبه وأراضيه في ظل الصراعات المحمومة بين الفرقاء السياسيين من أبناء اليمن وتنازعهم على السلطة والنفوذ وحرص كل طرف على انتزاع قطعة من الوطن والانفراد بها والسيطرة عليها. ويتسم الوضع السياسي في اليمن بالتعقيد الشديد بسبب استحكام الانقسامات بين أطراف الصراع وارتباطها بمعارك عسكرية في الميدان يدفع ثمنها الشعب اليمني الأعزل من أرضه وماله وأرواح أبنائه من ضحايا هذا الصراع. ويزداد التعقيد إحكاما في ظل التدخلات الخارجية من مختلف الأطراف العربية وغير العربية التي عبثت بالأمن اليمني الداخلي وهددت حياة شعب بأكمله بدافع من الطمع في تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية تتناسب مع أجنداتها ومصالحها على حساب المصالح اليمنية مما جعل مصير اليمن رهنا بإرادات أطراف خارجية بشكل يكرس للانقسام بين اليمنيين الذي جعلهم يعانون أزمة من أكبر الأزمات الإنسانية في التاريخ.
يبدو الانقسام واضحا بالنظر إلى الخريطة اليمنية السياسية متعددة الأطياف والألوان بحسب القوى السياسية المسيطرة على مناطقها المختلفة. ففي الشمال يسيطر الحوثيون بعد استيلائهم على العاصمة صنعاء وبعض المدن. وفي الجنوب توجد عدة أطراف منها قوات الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا وتحظى بدعم سعودي وتتركز في مأرب وشمال حضرموت وبعض مناطق قريبة من منطقة الحوثيين. وقبل إعلان حله، كانت هناك قوى تتبع المجلس الانتقالي في الجنوب والذي كان يحظى بدعم الإمارات، وحاول بسط سيطرته مؤخرا على عدن ولحج وشبوة وسقطرى وحضرموت والمهرة، إلى جانب الشريط الساحلي الجنوبي. كما توجد بالجنوب قوة ثالثة جنوب الساحل الغربي تتبع طارق صالح ابن شقيق الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح وكانت قد أعلنت دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي في وقت سابق لحله.
في ظل هذا التعقيد شهدت الساحة اليمنية العديد من الأحداث الساخنة ما بين نهايات العام الماضي، ومطلع العام الجديد؛ كان أبرزها هروب عيدروس الزبيدي، بعد إبلاغ قيادة التحالف له بضرورة القدوم إلى السعودية خلال 48 ساعة، في سيناريو سينمائي صادم وخادع وهو ما خلف تطورات متتابعة ألقت بظلالها على سير الأوضاع السياسية في اليمن.

ويثور التساؤل الملح ما الذي يحدث في اليمن؟ وما هي ملابسات هروب رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي بعد المعارك التي خاضها الانتقالي في أجزء من اليمن الجنوبي؟ ولماذا هرب إلى الإمارات؟ وما الدور السعودي في القضية وتوحيد صفوف الجنوبيين؟ وهل هي مقدمات لتكرار تجربة انفصال اليمن الشمالي عن الجنوبي بشكل رسمي بعد توحيده عام 1990 ؟ وهل يمكن أن يكون للكيان الصهيوني علاقة بالأمر؟!
الصراع الداخلي والصدامات الإقليمية
واقع الأمر أن الأزمة اليمنية تعود إلى فترات تاريخية بعيدة تبلورت بشكل خطير مع أحداث ما سمي بالربيع العربي بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة حينما اشتعلت الأحداث ضد الرئيس علي عبد الله صالح والتي كانت مدخلا لاستعانته بالحوثيين – والذين قتلوه فيما بعد عام 2017 – وقد دخلوا صنعاء وسيطروا عليها واتخذوها عاصمة لهم وسيطروا على مفاصل الدولة ومؤسساتها منذ عام 2014، مما آثار قلق الجيران من دول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية نظرا لارتباط الحوثيين بإيران سيما مع تمددهم نحو الجنوب. فكان القرار السعودي بإنشاء ما سمي بتحالف دعم الشرعية استجابة لطلب رسمي من الرئيس اليمني آنذاك، عبد ربه منصور هادي، الذي طلب دعما عسكريا خارجيا لمواجهة خطر الحوثيين. وكان الحوثيون قد استولوا في يناير 2015 على القصر الرئاسي في صنعاء، وحاصروا مقر إقامة الرئيس عبد ربه منصور هادي وتحفظوا عليه، لكنه استطاع الهرب إلى عدن جنوبي البلاد معلنا شرعيته وأحقيته في الحكم من مسقط رأسه في الجنوب.
كان ذلك دافعا للإعلان عن تشكيل التحالف العربي في مارس 2015 وإطلاق عملية عرفت باسم عاصفة الحزم بهدف معلن هو دعم الشرعية اليمنية ووقف تمدد الحركة الحوثية الذي اعتبرته السعودية امتدادا خطيرا للنفوذ الإيراني في المنطقة. ضم التحالف كلا من السعودية والإمارات ودولا أخرى خليجية وغير خليجية تراجعت أدوارها تدريجيا فيما بعد. عندما تأسس هذا التحالف كان الغرض منه إعادة الحكومة الشرعية اليمنية المعترف بها دوليا إلى مركز الحكم في صنعاء، لكن ما حدث مع الوقت أن الأهداف والمصالح تضاربت بين عناصر التحالف على حساب المصالح اليمنية. ووصل الأمر إلى حدوث صدام مكشوف وعلني بعد أن ظل مستترا لسنوات، بين السعودية والإمارات بسبب اختلاف المواقف، وهو ما تجسد جليا مع الضربة التي نفّذها التحالف بقيادة السعودية في 30 ديسمبر الماضي، ضد ما وصفته آنذاك، بأنه شحنة أسلحة ومعدات، كانت على متن سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة الإماراتي ووصلتا ميناء المكلا في محافظة حضرموت، مما أعقبه تصعيد خطير بين الرياض وأبو ظبي، قبل أن يفاجأ الجميع بخبر هروب رئيس المجلس عيدروس الزبيدي سرا إلى الإمارات واختفائه من الساحة اليمنية، والإعلان عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي، وتفكيك كل هيئاته!
المجلس الانتقالي الجنوبي!

نشأ ما عرف بالمجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 والذي كان طرفا أساسيا وسببا لتصعيد الأحداث في اليمن. تكون هذا المجلس من سياسيين وعسكريين وشخصيات قبلية في عدن، على أساس انضوائه تحت لواء التحالف الحكومي في جنوب وشرق اليمن. وقد حظي هذا المجلس بدعم إماراتي لعب دورا في تحركاته بشكل أثار قلق الحكومة الشرعية والمملكة العربية السعودية خاصة عندما وصل الأمر لصدام بين قواته العسكرية وبين القوات الموالية للحكومة عام 2019، والذي انتهى بسيطرة الانتقالي على معظم محافظات الجنوب بما فيها عدن. وفي نهاية عام 2019 عادت الحكومة إلى عدن وفق اتفاق الرياض، ورغم اعتراف المجلس الانتقالي بموجبه بالحكومة اليمنية، إلا أنه لم يسمح لقواتها بالانتشار في عدن، مما أدى إلى وقوع معارك بين الطرفين عام 2020 لتنحصر بعدها سيطرة المجلس الانتقالي على مدينة عدن ومحافظة لحج وأجزاء من محافظتي الضالع وأبين. وفي نهايات 2025 أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي – المدعوم من الإمارات- عن رغبته في الانفصال وتأسيس ما أسماه دولة الجنوب العربي في اليمن وهو ما يشكل تهديدا لوحدة اليمن الجنوبي وتكريسا لانقسام اليمنيين الجنوبيين على أنفسهم، إلى جانب أنه لا يتوافق مع السياسة السعودية ويتعارض مع مصالحها في المنطقة. كما صاحب ذلك تحركات مريبة لقوات المجلس الانتقالي الجنوبي وخروجها من المعسكرات وسط تحولات ميدانية في عدن، الأمر الذي قوبل بضربات استباقية من قوات التحالف والحكومة الشرعية لإفشال التحركات العسكرية لقوى الانتقالي للسيطرة على المواقع الاستراتيجية في العاصمة اليمنية الجنوبية عدن.
وقد حرصت المملكة السعودية على القيام بتحركات نشطة لقطع الطريق على المحاولة الانفصالية للانتقالي والحفاظ على وحدة اليمن الجنوبي، وهو ما كان دافعا للتحالف بقيادة المملكة بتوجيه ضربة في 30 ديسمبر الماضي، ضد ما وصفته بأنه شحنة أسلحة ومعدات، كانت على متن سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة الإماراتي ووصلتا ميناء المكلا في محافظة حضرموت. أعقب ذلك توجيه دعوات للإمارات للخروج من اليمن؛ كان أبرزها دعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن رشاد العليمي والتي حدد فيها مهلة 24 ساعة للقوات الإماراتية للمغادرة. وفي المقابل جاء رد الإمارات قبل انقضاء المهلة المحددة لها بأنها قررت الخروج بإرادتها وسحب قواتها من اليمن!
وبعد ساعات قليلة من استدعاء قيادة التحالف بشكل سريع لعيدروس الزبيدي باعتباره رئيسا للانتقالي إلى السعودية لبحث أسباب التصعيد التي أدت إلى هجوم من قبل قوات تابعة له على محافظتي المهرة وحضرموت، كانت المفاجأة الصادمة المتمثلة في هروب الزبيدي عشية الموعد الذي حدده للسفر إلى الرياض، إلى جهة مجهولة تم الكشف عنها إعلاميا بأنها الإمارات!
عقب ذلك أعلن المجلس الانتقالي عودته لمظلة الحكومة الشرعية في الجنوب وتحقيق الهدف الجنوبي العادل، بعد حل جميع مؤسساته وأجهزته في الداخل والخارج وفق ما نشرته وكالة الأنباء اليمنية سبأ. ونتيجة لهذا القرار أصبحت الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا تسيطر على 60% من الأراضي اليمنية شاملة كامل محافظات الجنوب إلى جانب أجزاء من محافظتي مأرب وتعز، وذلك بعد استلام قوات درع الوطن المعسكرات والمواقع السيادية الموجودة في عدن وحتى المهرة أقصى شرقي اليمن وذلك بالتنسيق مع تشكيلات عسكرية كانت تتبع الانتقالي الجنوبي وتشمل العمالقة والحزام الأمني والنخبة الحضرمية.
مخاوف خطيرة

وعلى الرغم مما يوحيه هذا التطور من شعور بالاطمئنان على استقرار الوضع في معظم أجزاء اليمن إلا أن هناك من يشكك في ذلك وينتقد الموقف السعودي ، وذلك وفق تصريحات لبعض أعضاء المجلس الانتقالي الموجودين في أبو ظبي، الأمر الذي يثير القلق من تحول اليمن إلى ساحة للصراع المحموم بين أعضاء المجلس المنقسمين بين الرياض وأبو ظبي واشتعال الأوضاع بشكل أخطر مما كانت عليه.
لاشك أن المشكلة الخطيرة في اليمن أنه كان ولازال ساحة لصراعات خارجية إقليمية، وجزء من شبكة تحالفات لها حساباتها الخاصة، والتي ألقت بظلالها على صراعاته الداخلية بين مختلف الأطراف عبر سنوات طويلة. كما أنه لا يمكن استبعاد وجود أياد خفية للكيان الصهيوني في عملية العبث بالأمن اليمني ووحدة أراضيه. هناك خطوط متماسة تثير المخاوف من العبث الصهيوني خاصة بعد توقيع ما سمي بالاتفاقيات الابراهيمية بين إسرائيل وبعض الدول ومنها الإمارات التي تدعم المجلس الانتقالي والذي حاول الترويجل نفسه بإبداء الاستعداد للشراكة مع إسرائيل مقابل تمكينه من تحقيق الانفصال عن اليمن. وهو ما أكده عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الهارب في تصريح له عام 2021 مع إحدى القنوات الروسية. ويؤكد هذه المخاوف سيناريو هروب الزبيدي باستعانته بطرف ثالث هو أرض الصومال التي حظيت مؤخرا باعتراف إسرائيلي وزيارة لمسؤولين إسرائيليين لها بالتزامن مع الواقعة!
سيناريوهات مستقبلية
في ظل واقع سياسي مشتعل وأوضاع أمنية غير مستقرة وحروب بين مختلف الأطراف المتصارعة، يعاني اليمنيون من تدهور كارثي في الأوضاع الإنسانية بسبب نقص الاحتياجات الأساسية خاصة الغذاء ما يهدد أكثر من 17 مليون يمني بانعدام الأمن الغذائي الحاد منهم خمسة ملايين مهددون بالمجاعة ما جعل اليمن يصنف كأحد أخطر الأزمات الإنسانية في العالم. ومن ثم يثور التساؤل حول المستقبل وإمكانية استعادة اليمنيين للأمن والسلام واحتمالات التهدئة في ظل التطورات الأخيرة.
بين الأمل والرجاء في رأب الصدع بين الفرقاء اليمنيين تثور المخاوف التي تحملها في طياتها نفس التطورات من حدوث تصعيد جديد في ظل وجود جهات خارجية تترقب حدوثه وربما تدفع بالأحداث نحوه خاصة في ظل استمرار وجود دعوات للانقسام، ووجود أطراف خارجية من ورائها.
ومع ذلك فإن هناك متغيرات جوهرية لا يمكن تجاهلها تتمثل في سيطرة نفوذ الحكومة الشرعية على الجنوب اليمني، وتفكيك التحالفات الداخلية، وتشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة التحالف ومظلة الدولة اليمنية، وهب متغيرات تصب في اتجاه التوحيد بين اليمنيين والقضاء على الانقسامات والصراعات الأمنية.
وهو ما يدفع نحو سيناريو إعادة بناء الدولة واستعادة الأمن والسلام. كما أن الأحداث التي تمر بها إيران حاليا من اضطرابات داخلية تسهم في إضعاف الحوثيين الذين يسيطرون على ثلث اليمن تقريبا في الشمال، ومن ثم تيسير عملية التفاوض معهم لصالح الواقع اليمني الشامل.
ولكن يبقى الخطر الأكبر في وجود قيادات يمنية خارجية على رأسها الزبيدي ورفاقه والذين يحظون بدعم خارجي ولهم علاقات مع الكيان الصهيوني الذي يستهدف استمرار الصراع في اليمن لأهداف استراتيجية، ويعمل على زعزعة أي استقرار يمكن أن يتحقق.
وهنا يأتي دور اليمنيين أنفسهم في إدراك أهمية اللحظة التاريخية المفصلية التي يمرون بها حاليا، واستغلال التطورات الحالية لتوحيد الصفوف ونبذ الفرقة ورأب الصدع الذي أحدثته سنوات طويلة من الحروب والقتال، وتضييع الفرصة على دعاة الانفصال ومثيري الفتن.
فهل يستطيع اليمنيون؟ هذا ما تكشفه الفترة المقبلة.
