أم كلثوم ..
الغناءعلى الدوام يحمل صورا عديده من القوالب،وفنون التشكيل، فهناك الأغنيه ،والقصيده ،والطقطوقه، والموال،والمنولوج،والرباعيه.وكان الغناء على مدى التاريخ هو الصاحب،ورفيق الطريق وصديق الوحده ،ونديم السهر،ورسول المحبة والسلام. يصاحبنا في ساعات النشوة،وفي ،لحظات الألم أو الانكسار،فهو في النهاية،قبلة الطرب،ورواء الظماّن في قيظ الملل أو الضجر. وكما تشدو ام كلثوم (المغنى حياة الروح ،يسمعها العليل تشفيه،وتداوي كبد مجروح، تحتار الأطبه فيه .غنى لي شوى ،شوى،غنى لي غنى وخد عيني ).
وحكاية (أم كلثوم) في عالمنا العربي،حكاية مثيرة،وممتده عبر عشرات السنين،منذ ان طرقت باب الغناء ،وهي طفله لا تتخطى الخمس سنوات من العمر،حين اكتشف ابوها موهبتها،أو كما تقول أمها، كانت دايما (تسرسع) في البيت. لكنها ايضا لم تكن (تسرسع) فقط ،وانما كان ايضا عقلها الراجح يلاحظ،ويلتقط ما يدورحولها. كانت تلتقط دروس والدها لأخيها (خالد) الذي يعده ليكون منشدا سواء في الموالد،أو المناسبات الدينيه،أو الخاصة التي يقيمها ،أهل القريه) أو في القري المجاوره. كان يقوم بتلقينه كيف يكون الأنشاد،كما يتأكد من حفظه للكلمات،وفي بعض الأحيان كانت الطفلة الصغيره ذات الخمس سنوات تردد كلمات الأنشاد، وبالطريقه التي يقوم الأب بتلقينها لشقيقها. وسمعها الأب ذات مره،فتملكه العجب والطرب،في اّن واحد، وطلب منها ان تعيد ما رددته مرة أخري لكنها رفضت بعناد،الا انه وعدها بأن يحضر لها (الكرمله) وهي نوع من الحلوى،ولكنها اضافت طلبا اّخر،وهو(طبق مهلبيه) فوافق،وشدت (أم كلثوم) بما التقطته من والدها،وهو يقوم بتلقين اخيها بعضا من التواشيح والانشاد. تفاجأ الأب،واندهش،واتخذ قراره،ان يستعين بتلك الموهبه في أداء نشاطه.
كان الشيخ (ابراهيم البلتاجي)والد (ام كلثوم )يعمل مؤذناً وإماماً لمسجد قرية (طماي الزهايرة) بمركز السنبلاوين في محافظة الدقهلية. كما كان معروفاً في قريته بإنشاده الديني وعمله في إحياء الليالي والمناسبات الدينية. وكان ما يتحصل عليه من وظيفته ومن نشاط غير الانشاد لا يتعدى عشرون قرشا في الشهر،اي انه كان يعيش على الكفاف. وهكذا كانت الخطوة الأولى لتلك الطفله الريفيه في رحلة المجد التي خطتها . اقتحمت عالم الغناء،وحققت فيه نجاحا ملحوظا،وسرعان ماتطور،هذا النجاح،الملحوظ الى نجاح باهر شديد الوهج،ثم سرعان ما تطورمن جديد ،فأصبحت (ظاهره) ثم عادت (الظاهره) فتطورت بدورها فأصبحت (رمزا). رمز لوحدة الوجدان العربي ،من المحيط الى الخليج.وهنا نشير الى ملاحظة جديرة بالتسجيل. وهي رغم ان العرب قد اخنلفوا في الكثير من القضايا،وصاروا شيعا وفرقا واحزابا ومدارس ومذاهب متعددة ومتنوعه الا انهم قد اتفقوا على هذا الصوت (أم كلثوم) اتفقوا وبايعوا ايضا. هذا الصوت القوى الساحر الاّسر ،الذي انطلق من الأرض العربيه،وسرى في سمائها،فاجتذب الأذان وسيطر على الأسماع ،وهز المشاعر وامتلك الأفئدة .هذا الصوت الذي كان في مقدوره وحده ان يجمع أمة باسرها لكي تستمع اليه حين يبدأ الغناء .قال عنها الموسيقار الخالد (محمد عبدالوهاب) ان صوتها هو عاصمة الأصوات العربيه،كما حدد كذلك انها اعظم ناشر لفن الموسيقى،حيث تنشر الالحان على الملايين من المستمعين.
لقائها بالشيخ ابو العلا محمد
تعرفت على صوت (الشيخ ابو العلا محمد) من (الجرامفون) في بيت العمدة،حيث كانت صديقتها (ريم)
ابنة العمده، وكانت تعتقد انه توفي،ولذلك حين التقته في محطة القطار اثناء سفرها مع والدها كانت شديدة السعاده ،وقد ترك الشيخ (ابوالعلا) اثره على (ام كلثوم) من خلال تلقينها اولا اصول الانشاد او الغناء وان يكون من خلال الصدر،وليس من ترديد اللسان ،وثانيا أنه في عام 1924م قدم الشيخ أبو العلا أم كلثوم إلى الشاعر أحمد رامي في إحدى الحفلات التي أدت فيها أم كلثوم أغنية «الصب تفضحه عيونه» تأليف احمد رامي الذي أدرك أنه قد وجد هدفه فتولى تعليمها أصول اللغة والشعر، وتحسَّن مستواها وأضافت مهارات جديدة إلى مهاراتها الغنائية. وثالثا انه نصح والدها بضرورة الانتقال الى (لقاهرة) فان موهبة (أم كلثوم ) أصبحت أكبر حجما ،من غنائها في الأقاليم.
ام كلثوم في القاهره
جاءت (أم كلثوم) الى القاهره عام 1924،بعد ان خاضت مصر ثوره عظيمه وهي (ثورة 1919)
نتج عنها تصريح 28 فبراير 1922 البريطاني الذي يعطى مصر استقلالا مع تحفظات اربعه هي 1- حق بريطانيا في تأمين مواصلات امبراطوريتها. 2- حقها في الدفاع عنها ضد اي اعتداء او تدخل اجنبي 3 – حماية المصالح الاجنبيه والاقليات فيها 4 – ابقاء الوضع في السودان على ماهو عليه .ولذلك صدرت مجموعة من القوانين التي تحمي المصالح الأجنبيه،في اطار محاكم خاصه للتقاضي مع الاجانب، مما ترتب عليه ان الثورة بدأت ،تري وكأن مصر اصبحت تحارب نفسها بينما يتفرج عليها المحتل الغاصب، فالصراع الذي يدور يقوم بين المثقفين الشباب الذين انتجتهم الثورة، ومنهم طه حسين وتوفيق الحكيم والعقاد وفكري اباظه، وبين تسلط واستبداد الحاكم ،وكان لذلك انعكاسه على المصالح الوطنيه،وبروزالمكانه الخاصه التي خلت للأجانب،وتمثلت في مظهر يتكرر امام العين وهو حرية جنود الاحتلال من البريطانيين، الذين يمرحون في الشوارع،وفي دور اللهو والسهر في الحانات، دون حسيب او رقيب، لاسيما التي يقوم بالخدمة فيها الأجانب. كان بالقاهرة في ذلك الوقت ثلاثة شوارع رئيسيه،لكل شارع منها سمات محددة. 1 – شارع محمد علي: ،حين تمر في ذلك الشارع تجد على يمينك ويسارك، دكاكين صغيرة متراصة، علقت على جدرانها اّلات الطرب تعلن الأسطى حميده (العواده)، الأسطى زوبه (العالمه)، نعيمه المصريه(الأرتست) و(المطبلاتيه) اي الذين يهتفون للتشجيع 2 – شارع عماد الدين: تجد كازينو دي باري.مسرح الأجبسيانا. مسرح رمسيس (يوسف وهبي) ،الكوزمو، هذا الشارع للأثرياء 3- شارع كلوت بك :وتجد فيه محلات(البوظه) وهي للسكارى
من الطبقات العامه ،وعلى امتداد الشارع تقرأ اللافتات عن بقية الخمارات (خمارة مانولي،وخمارة خريستو، وخمارة بيانوتي ،مقهى كوستى،وكلها تعتمد على العماله الاجنبيه من جنسيات مختلفه، وقد كان هذا الشارع لا يتمتع بسمعه طيبه،حتى قرار محمود فهمى النقراشي رئيس الوزراء عام 1948 بالغاء تلك المحلات اللااخلاقيه التي كانت تدار بتصريح رسمي.
نجوم الطرب
في اطار حرفة الموسيقى والغناء، كانت هناك موسيقى للفقراء، وموسيقى للاغنياء، وغناء للرجال وغناء للنساء في الحفلات التي تقام لدي الأثرياء،فحفلات الأغنياء كان المغنى يلبس البدله (الحله) والمطربون من الكبار امثال الشيخ حامد مرسي ،واسماعيل سكر ،وعبداللطيف البنا،ولحفلات النساء
كانت منيره المهديه وفتحيه احمد وأم كلثوم ،وفي حفلات الزفاف ،كان يسبق حفلة الزفاف ليال من الطرب يغنى فيها مطربون غير معروفين،وليلة الزفاف فهذه للكبار فقط من الأثرياء والمطربين الكبار.وكانت الحفلات العامه التي يقيمها المتعهدون تغنى اغان مبتذلة،وحتى مطربه في وزن منيره المهدية كانت الأغنيه لا تخلو من تلميحات، غير اخلاقيه فيما عدا المطربه الصاعده( أم كلثوم)فقد كانت تحت رعاية الشاعر(أحمد رامي) والملحنون الدكتور النجريدي لمرحله اولي والشيخ زكريا احمد ومحمد القصبجي،وكانت اغانيها قصائد شعريه تراثيه او كلمات شاعر الشباب كما كان يطلق عليه (احمد رامي).واذا كان لأم كلثوم من حصاد الأغاني يبلغ (300) اغنية،فقد كتب ( احمد رامي) منها (147) اغنيه. كما غنت لبيرم التونسي ،واحمد شوقي،واّخرون،ثم غنت لأساطين الشعراء من العالم العربي ،اضافة للأغاني التراثيه.
مرحلة السينما
قدمت ام كلثوم للسينما (ستة افلام) وهي وداد عام 1936 ،نشيد الامل 1937 و دنانير 1940 وعايده عام 1942 ،وسلامه 1945 واخيرا فيلم فاطمه عام 1947،وهي حصيله ليست كبيره،وهذا يكشف طبيعة (أم كلثوم) فهي أولا وأخيرا ( صوت) خلق لكي ينشد ويغنى،ويطرب،ويطلق طاقته ،بل ورسالته في هذه الحياة، ان يكون انيسا،وونيسا، ولاتتوزع هذه الحنجرة (الماسيه) بين الشدو والحوارات.ربما يكون ذلك هو السبب،وخصوصا وان الشامخ الأخر في عالم الطرب والغناء،ليس له سوى سبعة افلام ،والفيلم السابع قد تعرض للتلف ،ولم تبق منه سوى عدة فصول .المهم ان القامتين الشامختين في دنيا الطرب ،قد تفرغا للشدو والغناء،ولم يكن لموهبتهما منافس اّخر كالتمثيل.
أم كلثوم .. مطربه
ولكن ليست ككل المطربات
هي مطربه تكشف من خلال التجربه،ان الفن يمكن ان يلتحم بالسياسة،وان الأغنيه يمكن ان تكون سلاحا في المعركه،في الوقت الذي تدلهم فيه الخطوب ،وتحتد فيه حركة الصراع ،وتحيط الأخطار بتراب الوطن. وهكذا جندت هذه السيده المطربه ،تلك المعاني،ووقفت ظهيرا للجندى المقاتل على جبهة النار ،سواء في 1956 أبان العدوان الثلاثي على مصر،او اثر العدوان الاسرائيلي فى 67،وقد قالت نصا في احد التصريحات لها ( اذا كان الجندي يقف على الجبهة يقاتل ،فان واجبى ان اقف خلفه اغنى له، وادعمه، وأطمئنه، ان بلده كلها معه ). لقد طافت بالكثير من الاقاليم في مصر والعالم العربي ،وذهبت الى بعص العواصم العالميه ،بل ان الرئيس عبدالناصر حين توفي،كانت في موسكو تحيي حفلا من اجل دعم المعركة لأسترداد الأرض السليبه.وحين كانت في باريس تحيي حفلا مماثل ،قامت احدى الاعلاميات بسؤالها، ما اجمل شيئ رأيته في باريس ردت قائله (المسله المصريه في قلب باريس).
فيلم (أم كلثوم) ..يشكل جريمه
مع سبق الاصرار والترصد لأغتيال الوجدان العربى
ظهر من قبل مسلسل (ام كلثوم) للكاتب الكبير المخضرم (محفوظ عبدالرحمن) وهو كاتب له باع طويل في الكتابه التاريخيه وخصوصا الأبطال،والزعامات،والحقب التاريخيه،فكتب عن سليمان الحلبي،وعبد الله النديم وناصر 56 ، وسقوط غرناطه،وبوابة الحلواني، بينما كاتب فيلم (ام كلثوم)كتب فيلم (الفيل الأزرق) عن مستشفى الامراض العقليه والطبيب المريض، وقد كتب في مقدمة فيلم (أم كلثوم) أنه ( مستوحي من قصص حقيقيه،اي ان النية كما قال في تصريح تلفزيوني(أردنا ان نكسر الطبقه التي تغلف حياة ام كلثوم ،اي ان هناك من البداية (نية تنمر) ويكشف عنها،انه في بداية الفيلم ،ان صورها وهي ( تبصق ) في زجاجة الكازوزه حتى تحرم شقيقها من ان يشرب منها ،وتنفرد هي بالأستمتاع بها ،وهي ( لقطه مقززه) للمشاهد ،ولكنه حشرها (وغير موثقه) لكي يبني عليها مجموعه من الآفات الشخصية. لا اريد ان استرسل في طرح مشاهد من الفيلم،فهو اولا لا يستحق ان يشار حتى اليه ،ويكفي انصراف المشاهدين عنه ،وما استقبل به من استهجان .وشكرا للفنان المبدع ( محمد صبحى) فهو اول من رفع الرايه مستهجنا الفيلم ،وعاتبا على ابطاله .الفيلم به مجموعه من الاسماء المعروفه التي اسند المخرج لها بعض الادوار في مشاهد قليله،يبدو ان المخرج اراد ان يغطي على خطايا الفيلم ويعطيه قدرا من الاهتمام بكثرة الاسماء المعروفه التي ظهرت في الفيلم. من جانب اّخر فقد قيل ان ميزانية الفيلم كانت (ثمانية ملايين دولار) ويبدو ان الاجور وارتفاعها لم يصاحبها تدقيق في مستوى الدوراو رسالته،ومدى صدقها. عموما خرج الفيلم،ولم يحقق تجاحا، وان كان يعطى عظة اكثر لصناع السينما،ان يبتعدوا عن مناطحة مشاعر الجماهير،ان لم يكن اغتيال وجدانهم .
واخيرا
ستبقى (أم كلثوم) في تاريخ الغناء نموذجا ومثالا وعنوانا للصوت المعجزة،وكما قال الموسيقار الخالد محمد عبدالوهاب (ان صوتها هو عاصمة الأصوات الغنائيه) وسيبقى دورها في حركة الغناء والطرب تجسيدا للكلمة الحيه في النظم،والمعنى العميق في التعبير،وانها حين ظهرت،ارتفعت بمستوى الكلمات ،وابتعدت في كل خطواتها عن كل الوان الرخص او الابتذال،وانها عصية بسيرتها على اي محاولة لأمتهان صورتها أو التقليل من صفاتها او دورها. ستبقي نورا وشعاعا مهما كانت صور الكذب او التضليل .انها في الأول وفي الآخر ( أم كلثوم) بكل ما يحمله الأسم من شموخ وكبرياء.
