تعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وتصاعد حرب اسرائيل ضد حزب الله والتوترات في لبنان معضلة معقدة تحمل في طياتها تداعيات جذرية على الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن تأثيراتها الاقتصادية العالمية.
نادراً ما تخلو الحروب من ضحايا، وغالباً ما يتحمل المدنيون وزر تبعاتها. في ظل هذه الحرب المستمرة، باتت دول المنطقة تعيش حالة من عدم اليقين والتوتر المتزايد، حيث تقدّم إحصاءات النزوح والمآسي الإنسانية صورة مؤلمة عن الواقع. وأكثر ما يثير القلق هو أن هذه الحرب قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الدول الخليجية، مما يترتب عليه تبعات اقتصادية وخيمة تبدأ من ارتفاع أسعار النفط إلى اضطرابات سلاسل الإمداد.
تظهر الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية عجزاً واضحاً في تحقيق الأهداف المحددة، إذ بدلاً من إضعاف سلطة النظام الإيراني، تبدو إيران أكثر اتساقاً تحت قيادة جديدة، مما يشي بفشل المخطط الهادف إلى تفكيك النظام الثيوقراطي. بل إن النتائج المحتملة لهذه الحرب يمكن أن تؤدي إلى تعزيز القدرات النووية الإيرانية في حال استمر الصراع، ما يخلق معادلة من الفوضى في المنطقة.
في هذا السياق، لا بد من تحليل أبعاد الحرب على إيران ولبنان من خلال دراسة النتائج الحقيقية لهذه الحرب المستمرة، واستكشاف كيف يمكن لهذا الصراع أن يعيد تشكيل الديناميات السياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم، مع تسليط الضوء على كيفية مواجهة هذه التحديات في المستقبل.
بالنسبة لحرب اسرائيل وحزب الله يعتقد المعلقون أن هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية لكيفية انتهاء الحرب الحالية بين إسرائيل وحزب الله. لكل سيناريو عواقب مختلفة تمامًا على لبنان.
الحرب المحدودة : وقف إطلاق النار المتفاوض عليه (السيناريو الأكثر استقرارًا). في هذا السيناريو تقوم إسرائيل بتنفيذ عمليات برية محدودة جنوب نهر الليطاني.ويتعرض حزب الله لضغوط عسكرية لكنه يبقى متماسكًا. وتدفع الولايات المتحدة وفرنسا وآخرون نحو وقف النار وترتيبات أمنية.
الخطوات المحتملة: نشر قوى للجيش اللبناني في الجنوب.
ودور موسع لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان وتنفيذ جزئي لقرار مجلس الأمن رقم 1701.
النتيجة: يمكن أن يسحب حزب الله قواته شمال الليطاني. ويمكن ان تتوقف إسرائيل عن العمليات الكبرى.قد يؤدي هذا الى استئناف الدبلوماسية.
سيكون هذا مشابهًا لنهاية حرب لبنان عام 2006، ولكن مع تطبيق أكثر دقة.
خيار جديد قد يكون توسع حرب التراشق الى حرب برية كبيرة اعد لها وزير الدفاع الإسرائيلي عنوان حماية سكان شمال اسرائيل.
في هذا السيناريو: تطلق إسرائيل غزوًا كبيرًا لجنوب لبنان. ومحاولة تفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله.
التطورات المحتملة: القتال في العديد من المدن الجنوبية.
وغارات جوية كثيفة على لبنان.
وتشريد جماعي للمدنيين.
قد تحاول إسرائيل التحكم في الأراضي جنوب الليطاني.
وتدمير مستودعات الصواريخ والأنفاق ودفع حزب الله بعيدًا إلى الشمال.
العواقب على لبنان: تدمير شديد في البنية التحتية وانهيار اقتصادي كبير ومئات الآلاف من المشردين الآخرين.
في هذا السيناريو وحتى لو نجحت إسرائيل عسكريًا، فمن المحتمل أن يبقى حزب الله سياسيًا، كما حدث بعد عام 2006.
ونصل الى سيناريو أسوأ الحالات حيث تتوسع النزاعات لتتجاوز لبنان وإسرائيل.
القوى الفاعلة المحتملة: إيران تدعم التصعيد بشكل غير مباشر أو مباشر وميليشيات في سوريا والعراق تنضم إلى القتال.
يمكن أن يؤدي هذا إلى غارات في جميع أنحاء المنطقة واضطرابات كبيرة في طرق الشحن والطاقة مع احتمال تورط الولايات المتحدة.
بالنسبة للبنان.
سيكون هذا السيناريو كارثيًا
وقد تنهار المؤسسات الحكومية تمامًا وتصبح مناطق كبيرة من البلاد غير قابلة للحكم. وهذا هو السيناريو الذي تحاول الدبلوماسية الدولية بشدة منعه.
الواقع غير المريح للبنان
حتى في أفضل السيناريوهات، قد تلزم الحرب لبنان بمواجهة قضايا تم تأجيلها لعقود مثل
من يسيطر على الأسلحة في البلاد وما هو دور حزب الله.
وهل بمكن إحياء تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701.
وتبقى هذه الأسئلة مرتبطة مباشرة بما إذا كانت الحرب ستستمر أم ستتوقف.
وفي هذا السيناريو إذا احتلت إسرائيل بالفعل كامل الأراضي جنوب الليطاني، فسيكون ذلك بمثابة أكبر تحول استراتيجي على الجبهة اللبنانية منذ انسحاب إسرائيل في عام 2000.
كل الاحتمالات مطروحة في الاسابيع القادمة ولا تكفي تصريحات الرئيس الاميركي عن نجاح القصف على ايران للسؤال عن ما اذا كان ترامب سيعلن نهاية استسلام طهران وانتظار تغير النظام.
لا تبدو في الأفق ملامح نهاية السلطة في ايران ولا تقف الصواريخ بعد اوهام اختفائها.
انقلاب في حزب الله
يظهر الانقلاب في
تغيير في التوجه الاعلامي وغياب التحرك السياسي اليومي وغياب مجموعة قيادية تضم وفيق صفا وبروز قيادات الصف الثاني الذي تم اعداده من حرس الثورة وتم فرضه على جميع الوحدات بما فيها وحدات الصواريخ والمسيرات.
لقد برزت التغيرات تدريجياً ولم يعرف بتفاصيلها عدد كبير من القياديين بعد ان اختارت مجموعة حرس الثورة الفرق الصغيرة التي لا تزيد على ٢٠ مقاتلاً وتميزت بعدم الاتصال مع الفرق الاخرى والاكتفاء بالقرارات التي تتلقاها.
واذا كانت القيادة الجديدة حريصة على سرّية تحركاتها فقد شعرت القوى السياسية في لبنان بعجزها عن التنبوء بالشؤون الحزبية والإكتفاء بما يصلها وهو لا يكفي لتحليل الخطوات المستقبلية ولاسيما على صعيد العلاقة مع الحرس الشعبي ومواجهة الحرب التي تشنها اسرائيل والولايات المتحدة ضد ايران نظاماً وقوة عسكرية قادرة.
الحزب تاريخياً ومستقبلاً
منذ تأسيسه، أصبح حزب الله قوة رئيسية في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط، بفضل رؤية استراتيجية تتجاوز الحدود الوطنية وتتوافق مع المشروع الإيراني. تعكس هذه الرؤية سعي الحزب إلى بناء قوة عسكرية، لكنها تشمل أيضاً التغلغل في المؤسسات اللبنانية والمجتمع، مما جعله قوة مؤثرة في المعادلات السياسية في لبنان والشرق الاوسط.
لفهم هذا النظام المعقد، من الضروري النظر إلى جذور الحزب وأهدافه بعيداً عن تحليل السلاح، حيث يُعد السلاح بمثابة رأس جبل الجليد فقط.
يمثل حزب الله تجسيدًا لمشروع إيراني يسعى إلى إنشاء محور يربط بين طهران ودمشق وبيروت، مع استغلال الدين كقاعدة للنفوذ والسلطة. يعكس هذا المشروع إدراكًا للأهمية الإيديولوجية الشيعية ويهدف إلى تعزيز الموقف في مواجهة ما يعتبره الحزب هيمنة غربية وصهيونية على المنطقة. يتطلب أي نقاش حول هذا الموضوع فهمًا معمقًا يتجاوز الأبعاد العسكرية والمكاسب السياسية الفورية.
يتطلب تشكيل حزب الله ككيان سياسي وعسكري تفكيرًا عميقًا. إذ إن السلاح الذي يمتلكه الحزب ليس مجرد أداة للسيطرة، بل جزء من هيكله الواسع الذي يضمن له القوة والنفوذ. فعلى الرغم من خطورة هذا السلاح، إلا أن الحزب يعتمد على شبكة معقدة من الروابط الاجتماعية والدينية والخدمية، مما يجعل من الصعب تفكيك الحزب دون إعادة بناء الدولة اللبنانية بالكامل.
اكتسبت سيطرة حزب الله على أجزاء واسعة من لبنان أهمية خاصة، إذ يستند إلى شبكة من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية التي يعتمد عليها المواطنون، مقدماً لهم خدمات أساسية في مجالات الرعاية الصحية والتعليم والدعم الاجتماعي. من خلال هذه الروابط، يرتبط الحزب بالمجتمع اللبناني بشكل عميق، مما يجعله جزءًا لا يتجزأ من النسيج اللبناني.
تعتمد استمرارية حزب الله على قدرته على تقديم الخدمات وتلبية احتياجات المواطنين اليومية، مما يضمن له قاعدة دعم شعبي تدعم استراتيجيته. هذه الديناميكية تجعل المقاربات التقليدية للتعامل مع أمن بلا أسلحة الحزب غير كافية، إذ يجب استغلال العلاقات الاجتماعية للحد من نفوذ الحزب خدمة لمستقبل لبنان.
تطرح الأسئلة المتعلقة بالقوى اللبنانية والعربية القادرة على مواجهة نفوذ حزب الله. تحتاج تلك القوى إلى تشكيل تحالفات وتنسيق جهودها لاستعادة الهيبة لمؤسسات الدولة وتفكيك “الدويلة” العميقة، التي يمثلها الحزب. ويجب أن ندرك أن الأحزاب السياسية اللبنانية التقليدية قد استنفدت معظم فرصها بسبب صراعاتها الداخلية، مما جعل من الصعب عليها تقديم بديل حقيقي وموثوق للمواطنين.
الحزب واستغلال الازمات
إن الوضع السياسي والاقتصادي في لبنان يعيش انهيارًا غير مسبوق، حيث أدت الأزمات الاقتصادية من تضخم وركود إلى تدهور الظروف المعيشية، مما جعل من السهل على حزب الله توسيع نفوذه في تلك الظروف الصعبة. ومن خلال استغلال أزمات البلاد، يسعى الحزب إلى تأكيد قدرته على مساعدة الفقراء والمحتاجين عبر تقديم خدمات اجتماعية، مما يسهم في كسب الدعم الشعبي وتحقيق ولاءات جديدة. هذه الديناميكية تعمق من الاعتمادية على الحزب كبديل لمؤسسات الدولة العاجزة.
في هذا السياق، يبرز دور المجتمع المدني كجزء أساسي في مواجهة التحديات التي يفرضها حزب الله. يتطلب ذلك تكاتف جهود كافة الفاعلين في الساحة اللبنانية لإحداث تغيير حقيقي ومستدام، يتجاوز الانقسامات التاريخية ويفتح آفاقًا جديدة نحو استقرار لبنان وازدهاره.
ارجوحة الضعف والقوة
يُطلب من لبنان مرة أخرى أن يؤمن بخيال: أن انهيار إيران، أو حتى ضعفها الجاد، سيُنقذ البلاد بطريقة ما. بالنسبة للكثيرين، يبدو هذا بديهيًا. إذا ضعُفت إيران، ضعُف حزب الله، وإذا ضعُف حزب الله، تحرر لبنان. لكن لبنان لا يعمل وفقًا لمثل هذه الخطوط الواضحة. لم يحدث ذلك أبداً. في هذا البلد، القوة لا تختفي بشكل نظيف. إنها تتفكك، وتسري نحو الخارج، وتدعوا للتدخل، وتعود بأشكال أكثر قسوة.
لهذا السبب، فإن ضعف إيران ليس بالضرورة خبرًا جيدًا للبنان. بل قد يكون في الواقع خبرًا سيئًا جدًا. ليس لأن النفوذ الإيراني كان مفيدًا؛ فقد أضر لبنان بوضوح عن طريق ربط جزء من البلاد بأجندة استراتيجية خارجية. لكن انهيار مصدر واحد من القوة لا ينتج تلقائيًا عن السيادة. في كثير من الأحيان يُنتج فراغًا. وفي لبنان، نادرًا ما تملأ الدولة الفراغات. تُملأ بالخشية، وبالمنافسة الطائفية، وبالتدخل الأجنبي، وبالعنف.
الأشخاص الذين يتحدثون بثقة أكبر عن الحياد يرتكبون نفس الخطأ. إنهم يتحدثون وكأن الحياد إعلان، أو شعار، أو خيار بسيط. إنه ليس أي من تلك الأشياء. الحياد هو حالة تكسبها الدول التي تتحكم في حدودها، تحتكر القوة، تقود ولاءً وطنيًا، وتملك مؤسسات قوية بما يكفي لإبعاد الحروب الخارجية عن أراضيها. لا يملك لبنان أي من هذه الأمور بما فيه الكفاية. لا يمكنه ببساطة أن يُعلن نفسه حياديًا ويتوقع من المنطقة أن تحترم هذا الإعلان. دولة ضعيفة لا يمكنها أن تُحيّد نفسها بمجرد الرغبة فقط.
هذه هي الوهم المركزي في كثير من النقاش اللبناني الحالي. يتخيل البعض أنه بمجرد دفع إيران للخلف، يمكن للبنان أخيرًا أن يصبح نوعًا من المتفرج السلبي على العواصف من حوله. لكن لبنان لم يكن يومًا متفرجًا. جغرافيته، ونظامه الطائفي، وسيادته المجزأة، وتاريخه من التسلل الأجنبي لا يسمحان بهذا الرفاهية. تقع البلاد عند تقاطع مشاريع متنافسة أكبر منها، وتمتلك هيكلًا سياسيًا ضعيفًا جدًا لمقاومتها. تحت مثل هذه الظروف، الحياد ليس سياسة. إنه طموح غير مدعوم.
هناك أيضًا حقيقة أعمق يفضل الكثيرون عدم مواجهتها: عدم استقرار لبنان لم يبدأ مع إيران، ولن ينتهي مع إيران. قبل أن يصبح حزب الله القوة المسلحة المهيمنة في البلاد، كان لبنان بالفعل غير مستقر. كان نظامه السياسي ينتج بالفعل شللًا، وولاءات، وضعفًا، وصراعات متكررة. لقد زاد حزب الله من هذا الفوضى وربطها بطهران، لكنه لم يخترع المرض الكامن. المرض أقدم: دولة ضعيفة للغاية لا يمكنها أن ترتفع فوق الطائفة، وهيكل حكم معيب للغاية لا يمكنه أن ينتج تماسكًا وطنيًا دائمًا.
لهذا السبب، فإن ضعف إيران قد يكشف لبنان بدلًا من إنقاذه. إذا تم تقليص حزب الله بينما تظل الدولة اللبنانية هشة كما كانت دائمًا، فإن لبنان لا يظهر كسيد؛ بل يظهر عاريًا. يصبح أكثر عرضة للضغط الإسرائيلي، وأكثر انفتاحًا على المساومات الخارجية حول أراضيه، وأكثر ميلًا لتصفية الحسابات الداخلية بين الفصائل الساعية لإعادة تشكيل توازن القوى. في مثل هذه اللحظات، لا تعيش البلدان مثل لبنان تجربة التحرير. بل تعيش تجربة التسلل.
هذه هي النقطة التي تغفلها البلاغة الانتصارية. من السهل التحدث بلغة النتائج الحاسمة. من السهل تخيل أن إزالة قوة هيمنة واحدة تهيء الارض لتحقيق لبنان المتماسك. لكن التاريخ يشير إلى خلاف ذلك. عندما يضعف نظام قسري قبل أن يصبح النظام الوطني المشروع جاهزًا ليحل محله، ما يتبع غالبًا ليس الهدوء بل الفوضى. لبنان مكشوف بشكل خاص لهذا النمط لأن مؤسساته ضعيفة جدًا وطبقته السياسية غير قادرة على بناء دولة مشتركة.
المأساة هي أن العديد من اللبنانيين الذين يتحدثون عن الحياد ليسوا مخطئين في ما يرغبون فيه. بل هم مخطئون في اعتقادهم أن الرغبة تكفي. بالطبع، لا ينبغي أن يكون لبنان ساحة معركة للآخرين. وبالطبع، لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بمحاور خارجية. وبالطبع، يجب أن يستعيد الحق في تحديد الحرب والسلام لنفسه. لكن لا يتحقق أي من هذا من خلال البلاغة. إنما يتحقق فقط من خلال إعادة بناء الدولة، واستعادة احتكار القوة، وإصلاح الهيكل السياسي، وخلق مفهوم المواطنة الأكثر قوة من الولاء الطائفي. بدون ذلك، يبقى الحياد كلمة فارغة.
لذا، نعم، قد يشعر العديد من اللبنانيين بارتياح عاطفي وسياسي من ضعف إيران. قد يبدو ذلك كأنها العدالة، أو الراحة، أو الانتقام. لكن المشاعر ليست استراتيجية. إذا جاء تراجع إيران قبل أن يعيد لبنان بناء الوسائل اللازمة لحكم نفسه، فإن النتيجة قد لا تكون الحرية بل الانكشاف. وللبنان، كان الانكشاف دائمًا يأتي بثمن فادح.
