حزب الله تدخل بقوة واعاد “معادلة الردع” مع اسرائيل

هل تغيّر وجه المنطقة بالحرب الاميركية على إيران؟

  خاض دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حروبهما في الشرق الاوسط تحت عنوان كبير هو “تغيير وجه المنطقة”، ومنه تفرعت لاحقاً عناوين اخرى مثل اقتصاد المنطقة وتطبيع مع دول المنطقة، وصولا الى “الهدف الأسمى” لرئيس حكومة كيان الاحتلال بإقامة ” الحلم التوراتي لإسرائيل الكبرى”، مع توسيع حدودها لتشمل بعض مناطق شمال افريقيا والخليج. وتغير وجه المنطقة فعلاً بشن حرب تدميرية امركية – اسرائيلية على إيران مطلع شهر آذار، لكن هذا التغيير كان معاكسا لرغبات واهداف الاميركي والاسرائيلي، بحيث لم تسقط إيران برغم اغتيال مرشدها الاعلى علي الخامنئي، وطالت الحرب كل دول الخليج والاردن وسوريا والعراق واقليمها الكردي، وامتدت الى لبنان، ولم يتحقق تشكل وجه جديد للمنطقة نتيجة صمود إيران وتدخل حزب الله اللبناني والعراقي في الحرب بقوة.

اما نتائج الحرب لا سيما الاقتصادية فقد كانت كارثية على الجميع من اميركا الى اسرائيل ودول الخليج ولبنان، وأظهرت ان السلام لا يأتي بالقوة كما يقول ترامب لانه سيخلق فوضى عارمة لا تحقق اي هدف، بل سبيله الوحيد التفاوض السلمي حتى التوصل الى اتفاق..

  وفي حين ذكرت إيران ان ترامب اعتمد المراوغة والكذب في موضوع التفاوض اول مرة قبل العدوان عليها منذ أشهر قليلة، اعتمده بالامس مرة اخرى في عدوانه المشترك مع اسرائيل. بينما كان نتنياهو صريحاً أكثر بالتعبير عن رفض التفاوض وتحفيز الادارة الاميركية على الانتهاء من النظام الايراني ولاحقاً او بالتوازي كل “أذرعه في المنطقة” لا سيما حزب الله في لبنان. لكن التجربة الاولى في ضرب ايران لم تحقق النتائج المرجوة، وفي جولات التفاوض الاخيرة طرحت الادارة الاميركية عبر المفاوضَين ويتكوف وكوشنر شروطاً كانت تعلم انها تعجيزية ولن تقبل بها طهران، وكان ترامب خلال جولات التفاوض الثلاث الاخيرة يُعِدّ العدة للحرب، برغم تحذيرات ايران من ان هذه المرة سيكون الرد اقسى، وبرغم تحذيرات دول الخليج من ان اي عدوان جديد قد لا ينتهي على خير. وفعلا جاء الرد الايراني اقوى وشمل كل القواعد الاميركية في دول الخليج، وتم وقف الملاحة البحرية في مضيق هرمز.

 اسرائيل وواشنطن اعلنتا ان هدف هذا العدوان هو إسقاط النظام الايراني كمقدمة لإسقاط كل المحور المتحالف معه، لكن رد الفعل الايراني برغم عنف الضربات وتأثيرها المباشر على القيادة الايرانية بخسارة العديد من قيادييها وعلى رأسهم المرشد الاعلى السيد علي الخامنئي، اظهر ان تغيير وجه المنطقة ليس بالأمر اليسير، وان بداية إسقاط المشروع قد تكون من إيران، لكن أحداً لا يدري من اين سيأتي الرد ايضاً، او كيف سيتدرج اذا طال امد العدوان، وقد اتى الرد فورا من حزب الله في كامل جبهة الجنوب. ومن العراق ايضاً. لذلك بدأ ترامب في اليوم العاشر للحرب على إيران يفكر ولو بصوت منخفض لكن ليس بصوت مكتوم، بإنهاء الحرب.

معادلة الردع

اما في لبنان، فقال البعض ان حزب الله اخطأ يوم اطلق بضعة صواريخ يوم 2 اذار على كيان الاحتلال بعد اغتيال المرشد الاعلى علي الخامنئي ، ثم صمت حتى اليوم الثاني، واعتقد البعض ان الحزب اطلق الصورايخ كـ “فشّة خلق” ورد رمزي على اغتيال المرشد الاعلى ، وكان الرد الاسرائيلي عنيفا طبعاً ما دفع الكثيرين الى توجيه الانتقادات للحزب واتخذت الحكومة قراراها بإعتبار جناحه العسكري والامني غير شرعي يجب توقيفه. لكن طبيعة المواجهات التي جرت بعد ذلك مع قوات الاحتلال القريبة من الحدود والمتوغلة في بعض نقاطها، وعودة قصف اهداف حيوية في العمق الفلسطيني المحتل بصواريخ نوعية وبعضها ثقيل وقصف المستعمرات الحدودية وتهجير المستوطنين الذين عادوا الى الشمال، اعاد تصحيح كفة الميزان بشكل ملحوظ، إذ اعتبر بعض الخبراء العسكريين ان الحزب اعاد الاعتبار الى “معادلة الردع ضد اسرائيل”.ثم عاد نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محود قماطي ليؤكد اننا اردنا استعادة معادلة الردع.

  وبعد تصعيد العدوان على لبنان بهذا الشكل العنيف منذ توقيع اتفاق وقف الاعمال العدائية وما بعده وصولا الى المرحلة الحالية، جاءت التهديدات الاسرائيلية المتتالية “بنزع سلاح الحزب بالقوة”، وكان ردّ حزب الله على الانتهاكات والخروقات لا سيما العنيفة منها، أمر متوقع من زمن لكن توقيته كان مرتبطاً بما يجري بين الولايات المتحدة الاميركية وبين ايران من تفاوض، كان واضحا انه سيفشل نتيجة الشروط الاميركية التعجيزية التي لا تقبلها اي دولة ذات سيادة، وكان واضحاً ايضاً ان التفاوض هدفه تضييع الوقت و”تنييم ايران على حرير” بينما كان يجري حشد الاساطيل والطائرات والقوى العسكرية على اختلافها، لتوجيه الضربة لإيران، ليأتي لاحقاً – او بالتوازي- دور حزب الله بعد الاستعداد العسكري الاسرائيلي الذي كان يتم بحشد القوات من نخب جيش الاحتلال وإجراء المناورات والتدريبات التي تحاكي هجوماً على لبنان كما كان يعلن جيش الاحتلال منذ اكثر من شهرين.

   لكن المفاجأة للاميركي والاسرائيلي كانت في حجم الرد الايراني، ومن ردّ حزب الله الذي كان يتوقع الضربة الكبيرة وحضّر لها العدّة اللازمة، إذ تبين انه ايضاً استغل فترة اتفاق وقف إطلاق النار والتزم به برغم الخروقات الاسرائيلية، لإعادة بناء قدراته، وهو امر طالما صرّح به مسؤولوه وكان حجّة الكيان الاسرائيلي ايضا لتبرير اعتداءاته اليومية منذ سنة ونصف، لكن العدو لم يكن يعرف طبيعة وحيثيات وتفاصيل اعادة بناء القدرات، ففوجىء حسبما اعلن مسؤولوه بقوة المواجهة التي يخوضها الحزب. وأطلق الحزب “المعركة الاستباقية” قبل معركة الاحتلال الاستباقية التي كان يتم التحضير لها. وظهرت نتائج ذلك في رد الحزب العسكري العنيف على الكيان الاسرائيلي، وبدأ الاحتلال يعلن عن قتلاه وجرحاه في المواجهات المباشرة عند الحد الحدودي الجنوبي.

   وبدأت الحرب على ايران ومشاركة حزب الله فيها، تترك تأثيراتها على المنطقة ومنها لبنان، واول غيث الارتدادات تأجيل فرنسا لمؤتمر دعم الجيش والقوى الامنية الذي كان مقرراً عقده في الخامس من آذار – مارس الماضي،  وإتُّخِذتْ كل الاستعدادات والترتيبات لعقده، اما في الارتدادات الاقليمية فهي وقوع دول الخليج العربية كافة تحت مرمى الصواريخ والطائرات المُسيرة الايرانية، واستهداف السفن الاميركية في المحيط الهادىء، وناقلات النفط في مياه الخليج بعد اغلاق ايران لمضيق هرمز الممر التجاري الحيوي لكثير من الدول، كردّ متوقع ايضا من ايران التي سبق وحذرت من ان العدوان عليها ستكون نتائجه كارثية على الجميع، وفعلا كانت كارثية.    

والثابت حسبما تبين من طبيعة المعركة التي خاضها الحزب خاصة في اليوم العاشر للمعركة، انه استعد لمعركة طويلة وموجعة لإسرائيل برغم الخسائر الكبيرة في الارواح والممتلكات نتيجة الغارات الاسرائيلية، وذلك أن الحزب كما اي لبناني عاقل، تحسّب لإحتمال كبير كان وارداً بأن يقوم العدو الاسرائيلي بعدوان واسع على الجنوب، وبغطاء ناري واسع وكثيف يغطي مناطق واسعة لبناء ما اسماه المنطقة العازلة الخالية من السكان في الجنوب وتوجيه ضربة كبيرة للحزب، وقد انتظر الحزب الوقت المناسب لإستباق العدوان او لصدّه. وجاءت الحرب وعملية اغتيال الخامنئي التي قال الحزب انه لن يكون حيادياً في هذه المعركة ضد ايران المرجعية الدينية والسياسية له، فنفّذ خطوته العسكرية الردعية.

رفض التفاوض

 بعد كل هذه الاحداث والتطورات العسكرية والسياسية، تقدم الرئيس اللبناني اوائل شهر اذار، بمبادرة جديدة لوقف الحرب تقوم على أربع نقاط أبرزها التفاوض المباشر المدني والعسكري بين لبنان واسرائيل للتفاهم على سبل وقف ما يجري، وتحفظ الرئيس نبيه بري على بند التفاوض المباشر وابلغ مستشار الرئيس عون – وصهره- العميد اندريه رحال بتحفظه، لكن اسرائيل رفضت الاقتراح- المبادرة، واعلنت بلسان اكثر من مصدر ان لا تفاوض قبل ان تتولى الدولة اللبنانية امر سلاح حزب الله بشكل نهائي.

 ومع ذلك استمر تسريب المعلومات عن تحضير لبنان لوفد دبلوماسي يتولى التفاوض في قبرص يضم بول سالم وأمين عام وزارة الخارجية عبد الستار عيسى وشخصية درزية لم يُحسم إسمها بعد بين حليم أبو فخر الدين وشوقي أبو نصر.. لم يوافق الرئيس نبيه بري على تضمين الوفدشخصية شيعية إنطلاقا من تمسكه بلجنة الميكانيزم آلية للتفاوض إلى حين وقف إطلاق النار . لكن وزارة الخارجية اللبنانية اكدت لـ “الحصاد” ان لا علم لها بمثل هذا الامر، وكل ما يُشاع مجرد كلام او اقتراحات لم تبصر النور. كما لم يرِد أي تأكيد رسمي من إسرائيل عبر الطرف القبرصي، لمن التسريبات اشارت الى احتمال ورود الرد سواء اكان ايجابيا او سلبياً

وهكذا غلب التصعيد العسكري على المسعى الدبلوماسي والسياسي، وانفتحت لغة السلاح على مصراعيها بين حزب الله واسرائيل في “ليلة مجنونة” كما وصفها الاعلام العبري، حيث سقط في التوقيت ذاته على الكيان الاسرائيلي نحو مائة وخمسين صاروخاً وطائرة مسيرة من لبنان بإعتراف اسرائيل، ومثلها وربما اكثر من ايران.  

 سوريا والدور الغامض

 بالتوازي مع ما جرى في الاسبوع الاول من الحرب في لبنان، كان لافتاً قيام اسرائيل بعمليات إنزال جوي في مناطق البقاع اللبناني قرب الحدود مع سوريا بحجة البحث عن رفاة الطيار الاسرائيلي رون آراد المفقود منذ سنوات طويلة في لبنان في مدافن بلدة النبي شيث المجاورة للحود السورية، لكن الطيران الذي حمل القوات المظلية عبر الاجواء السورية براحة وبلا اي رد فعل سوري. وكان قد بدأ الموقف السوري بالتناغم مع موقف الدولة اللبنانية وتأييد قراراتها ضد حزب الله المتعلقة بحصرية السلاح وقرار السلم والحرب، ولاحقاً بالكلام الصريح الذي عبّر عنه الرئيس السوري أحمد الشرع بعد الاتصالات التي أجراها برئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام والرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب “الكتائب اللبنانية” النائب سامي الجميل وغيرهم. حيث أعلن “اننا نقف الى جانب الرئيس اللبناني في نزع سلاح حزب الله”.

بعدها تلقى رئيس الجمهورية جوزف عون اتصالا هاتفيا من الرئيس السوري احمد الشرع تداولا خلاله حسبما قالت مصادر رسمية لـ “الحصاد” في ما جرى عند الحدود وتفعيل التنسيق والتشاور بين البلدين عبر اجهزة مخابرات البلدين والجيشين، لاسيما لجهة ضرورة ضبط الحدود ومنع اي تفلت امني من اي جهة اتى .

وفي بيروت لاقى الموقف السوري استياءً شديدا من الاوساط القريبة من حزب الله، كما اثار مخاوف لا سيما مع توارد معلومات عن حشود عسكرية سورية عند الحدود قد يكون هدفها فتح معركة ضد حزب الله في الشرق بالتوازي مع معركة اسرائيل في الجنوب.