حوار مع الباحث الألسني د. نادر سراج حول مؤلفه الأخيرحول الطبخ :

بصدور كتاب “نكهة بيروت موائد وسرديات”(2025) تُكتمل ثلاثية بيروت التي استُهلّت بـ “أفندي الغلغول شاهد على

تحولات بيروت خلال قرن 1854 -1940″ (2013)، واستُكملت بـكتاب “بيروت جدل الهوية والحداثة” (2023). نحسب أن هذا المؤلّف الصادر حديثًا عن “دار المؤلّف” في بيروت هو الأول من نوعه في المكتبة العربية، نهجًا ومعالجةً وأسلوبًا، ونهلًا من معين الإنسانيات واللسانيات والثقافيات ومن مخزون الثقافة الشعبية.حظي باهتمام مؤسسات التعليم العالي ومراكز الأبحاث، وسيعتمد كمقرّر دراسي تطبيقي في الفضاء التواصلي في جامعة لبنانية خاصة (جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان- أونور). وترعى وزارة الثقافة اللبنانية الأمينة على حفظ التراث الشعبي اللامادي، حفل توقيعه في “قصر الأونيسكو” في 6 تشرين الثاني 2025.

نادر سراج، أكاديمي لبناني، يجمع في أعماله بين الأصالة والحداثة، وتجتمع في سائر نتاجه العلمي تلك النزعة لربط اللسان بالعمران، باعتباره ثقافةً وأنسنةً واجتماعًا. يدرّس حاليًا فن التواصل، مترجم ومؤلّف وباحث لساني اجتماعي منشغل برصد ودراسة التجليات اللغوية للثقافة الشعبية (مأكل ومشرب، ملبس ومسكن، نقل،). فعلى مدى عقد ونيّف أنجز مشروعًا معرفيًا طموحًا مداره التاريخ العمراني للمدن (نماذج بيروت وشقيقاتها)، ويتوّجه اليوم بـ”نكهةبيروت موائد وسرديات”.

  • الحصاد : لماذا الطعام وانت الألسني المشغوف بالشغل على اللغات ، تحققاتها ؟

-لأن الطعام مأخوذ ومدروس باعتباره ثقافة وشفرة وخطابًا. على مدى اربعمئة صفحة يغوص الكتاب في كيمياء الذاكرة الغذائية الجمعية العربية، ويُظهر أن الطعام ينضوي ضمن الشفرات الاجتماعية شأنه شأن اللباس (دانيال تشاندلر). فالأطعمة الوطنية (الكبة والتبولة والأرنبية والمنسف، وغيرها) لم تعد في ضوء الدراسات البينيّة، وصفات وقوائم مأكولات ومادة للإشباع، بل باتت تمثل في المدارك أبعادًا ثقافية وسيميائية وانثروبولوجية تتآزر في كلّ غذائي ثقافي لتبلور كينونة المجتمع وهويته.

  • الحصاد : لكن ثمة لبوس لغوي في المؤلف الجديد ، على الرغم من ابتعاده المباشر عن همومك وبحوثك اللغوية .

-يتدثّر الكتاب معالم ثقافة غذائية مُزدانة بلبوس بلاغيّ، حيث يتواشج الاجتماع بالإنسان، والتراث بالمعاصرة، وطبق الطّعام بالهويّة الوطنية، وطقس المؤاكلة بحسّ الانتماء إلى الجماعة اللغوية. لا يؤرّخ الكتاب مسارات الغذاء، ولا ينشغل حصرًا بأطباق الطّعام ووصفاتها ومستلزمات إعدادها، بقدر ما يفتحُ كوّةً معرفية في عالم أطعمة وأشربة متعدّد الأكوان، سِماته الترغيب والتسويق والاستهلاك والأكل السريع وملء البطون ورفد العقول بما لذَّ وطاب. جديده المفيد أنه أدرج في الفصول 180 تعريفًا وشرحًا وتعليقًا تتصل بالطعام والإطعام والاستضافة ومناسبات مدّ السّفر في الأفراح والأتراح، وما غابت عنه المآدب وخاصة السّماط الملكي الحجازي.

  • الحصاد : المدينة دوماً ، بيروت دوماً هي المساحة حيث ترتفع اشغالك ومؤلفاتك . لماذا ؟ لأنها المركز ، لأنك بيروتي صميم تخشى على المدينة من الإنزلاق في الغياب المؤقت ؟ لماذا المدينة؟

-لا شكّ أن العمل الاستقصائي الجادّ لفكّ شفرة حداثة المدن يستدعي تجديد النظر إلى المكانة التي يحتلها مكوّنُ الطّعام، نظامًا ونَكهةً ومذاقًا، وقيمًا وأعرافًا وممارسات، في عيش أهلها اليومي، وفي ذاك المتغيّر وفق تبدّل السّنن والأحوال والأذواق. هنا تتدخل العينُ الواعية للباحث لتُخضِعَ مصطلح الطّعام الشموليّ الطابع، وثقافته ونَكهات مدنه وأريافه، مدارات الكتاب، لمبضع اللساني الوظيفي، فيسخّر منهجَه ويجوّد أدواته ليُنعِمَ النظر ويدرس شفراتِ المأكل والمشرب والتحلية، ألوانًا وصيغًا ومذاقاتٍ ومجازاتٍ لغوية، تنتظم في إطار نصوص متّسقة المضامين والوظائف والمقاصد؛ ذلك أن النظام الغذائي المعتمد في المدينة العربيّة له أصول وأعراف، ومُسمّيات مُتّفق عليها بالمواضعة والممارسة. وكلها أمور تحتاج إلى بذل الجهد للتعلّم والتدرّب والابتكار والإتقان للانتظام في تقاليد العمران الحَضَري ومقتضياته، والعمل بموجب أنظمة شفراته الاجتماعيّة.

  • الحصاد :هذا مؤلف عن الصناعة الغذائية . كأن كتابك كتاب يدور على الطعام في الكلام والكلام في الطعام ظ

-ازدهت بيروتُ عمرانًا مدينيًّا ونهوضًا اقتصاديًّا ينبنيان ويتجدّدان بهمّة أهلها وقاطنيها. لفتت صناعاتُها الغذائية انتباهنا، واستوقفتنا أطباقُ طعامها وحلوياتها الذائعة الصّيت (كِبّه أرنبيّة، ومفَتّقة…). نَعِم أهلها وزائروها بضيافة مطاعمها المعروفةِ بحُسنِ لُقياها وطيب لقَمها الشهيّة. استحثنا الموضوع لتقصّي العلاقة الودودة والمُستدامة بين الطّعام والكلام. فتجاورُهما وتناغُمُهما ملاذٌ لإبداعات لسان الضاد وبلاغة نتاجاته القولية، ووعاءٌ لذاكرة الجماعة يحفظ موروثيْها الثقافي الشعبي والغذائي بدلالاتهما الرحبة والخصبة. وهذا ما يطمح كتاب “نَكهة بيروت” إلى تبيانه في أبوابه الثلاثة.

*الحصاد : كأن ثمة نكهات هي جزء من ذاكرة المدينة . تتوقف ملياً أمام النكهة . لماذا النكهة؟

_لأن نكهة أطباقنا تختزل ذاكرة مدننا وأريافنا، وتشكل مقاومة ثقافية تجهد لحفظ الهوية الوطنية في مواجهة عولمة آخذة بالتمدد على سُفرنا وألسنة شبابنا ومذاقات أطباقنا الوطنية، في بيروت ولبنانوالمهجر، وفي حواضر عربية أخرى. لا يقتفي الكتاب أثر الأطباق ويستجلي نكهاتها، ويقف على أسرار طهوها فحسب، بل يتبصر في بلاغة تناولها في طقس “كَسر السُّفرة” مثلًا، ويتقصى أبجديتها العربية وأو تلك الوافدة، ويفكك شفرة حضارية لطالما وسمت بيروت ومطابخها على آماد، فاكتسبت بحقٍ تسميات “مطبخ العرب ومطعمهم” وملتقى المصطافين والزوار و”خِلان المقاهي”.

*الحصاد : هلا تلخص المنهج الذي عملت عليه . الكلام على المنهج كلام على القصد والبناء والإجراءات بينهما ؟

-ثقافة السؤال باعتبارها مفاتيح “أقفال” العلم، وفق الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 790)، شكلت منطلقًا منهجيًّا لهذا البحث اللساني التطبيقي. فمن شأنها إقدار الباحث على إعمال الفكر للتبصُّر في كيفيات تطبيق نظريات معرفية عربية وغربية موائمة لواقعه المحلي. ونعني القدرة على وعي طروحاتها واعتماد نُهُجها والاستئناس بطرائق عملها وتوظيف مخرجاتها لدى معالجة شتى الظواهر الاجتماعيّة واللغوية في مجتمعه.

وكي نستوفي المَرامَ، استعنّا بفنون البلاغة العربيّة وأدوات إبلاغها ووظائفها المتجدِّدة دلالة. شرّحنا في مقامٍ أول معاني الطّعام والأطباق والمائدة ومقابلها الشعبيّ السُّفرة، وكل ما يترتّب على انتظامها في الطقس الغذائي اليومي و/أو الاحتفالي (أصول وأعراف وجُلاّس وألوان طعام وأدوات وكلام مُصاحِب)، وأتبعناها بألفاظ الحياة العامة المتداولة وذات الصلة.

*الحصاد : البعد السوسيولوجي واضح في المؤلف .

-لا شك أن مقاربة هذا الموضوع البالغ الحيوية، في أبعاده السوسيولوجية وفي محتواه السيميائي وعمقه البلاغي، يستدعي التفكّر مليًّا في السياقات والأسباب الموجبة لتوظيف المُرسِل/المستهلك ضروب البلاغة الشعبية المُتواطأ عليها- في الموضوعات الغذائية – صيغًا ودلالات ومؤشرات. وطبيعيّ أن تُستتبع هذه الخطوات بقيام الباحث برصد ميداني موثق للمادة اللغوية العفوية المتداولة على الألسن، ومبادرته من ثمّ إلى نخل مصطلحاتها وإلى التفكيك الدلالي لبُناها ومفاتيحها، بغية تحليل تراكيبها واستخلاص وظائفها في العملية التواصلية الغذائية الأوجه.

*الحصاد : كيف جمعت المعطيات ؟

-وحيث أن جمع المعطيات الشفهية العفوية من مصادر موثوقة مدماك أساس في البحوث اللسانية الحقلية، كان لزامًا علي أن أجوِد أدواتي اللسانية كي انهل معارفي من “أهل الأرض”. فهم “أمّ الصبي”، المعنيون أكثر من غيرهم بصنعة الطهو وطريقة إعداد الخَبز وفن الشواء ومدّ السّفرة وتقديم التحلية. لذا قصدهم في أماكن عملهم في العاصمة والأطراف وفي السهل والجبل، إصاحت السّمع والبصر، تذوّق أطباق، وتعرّف بنكهات، وجمع ما أمكن من تجارب وخبرات وكيفيات إعداد المأكل والمشرب وتحضير الأطباق البلدية/الوطنية. لم أقف عند تخوم المكتوب والموثق والمنشور، بل ذهبت أبعد من ذلك لإضفاء صدقية على المؤلّف.

ولكي تُدعم الروايات الشعبية ذات الصلة بالطعام وأصول الاستضافة، المتناقلة مشافهةً على آماد، وتُعزى السرديات المندرجة في فصول الكتاب إلى مراجع صدرت في النصف الأول من القرن العشرين، كان من المنطقي أن اعود ككاتب وظيفي النهج إلى مخبرات ومخبرين لغويين (طهاة وسفرجية ومرمطونيّة وحتى أركلجية، وباعة ونُدل وأصحاب مقاه ومطاعم ومورّدي أطعمة وربات بيوت) لأجمع أطراف الكلام وأسجل وأشقق عبارات وأحلل مضامينها واتقصى فنون بلاغتها الشعبية واستنتج . وما فاتني الاستناد إلى “القاموس العامي” الذي صدر في الثلاثينيات.

*الحصاد: هذا إذن قاموس عامّي ييسّر تشفير ألفاظ الطّعام ويرفع بَلبَلة الألسن عند المصطافين ؟

-يتناول الكتاب واحدة من تبعات ازدهار حركة السياحة وانتعاش الطلب على الإقامة الفندقيّة في جبل لبنان وبيروت، ذلك أن التواصل انقطع أحيانًا بين رواد فنادق عرب “وقعوا في برج بابل”، وبين نُدُل سوريين/ لبنانيين “بسبب اختلاف معاني الألفاظ العامية بعضها عن بعض”. فبحكم تنوّع النّطق والتباس المعنى، وجرّاء تعدّد لهجات النزلاء العرب (مصريين وعراقيين في الغالب)، تَعثَّرَ التواصل جزئيًّا، واستولدَ سوءَ فهمٍ مفرداتي وتبرُّمٍ من الطرفين (مُرسِل ومتلقٍّ)، لدرجة أن الكلام أضحى “زيّ حديث البرابرة مع الأروام”، كما علَّق مصطاف مصريّ. لكنه بُدِّدَ لاحقًا بهمَّة نجيب نجم كرم، فنشرَ في العام 1931 “القاموس العامّي لمصر وسوريا مع مجموعة أمثال العوام”. ذكر في مقدّمته أنه صمّم على إعادة طبعه في العام 1932 باللغتين العربيّة والفرنسية مُضافًا إليه بعض العاميّات الأخرى كالعراقية والتونسية مثلًا. لم تتوفّر لنا الطبعة الثانية، لذا فجملة ملاحظاتنا تستند إلى الأولى.

انصرف صاحب جريدة “فرعون بيروت” إلى خدمة اللغة العربيّة وتهذيب عامّيتها بتقريبها إلى الفصحى. فالتفت مبكِّرًا إلى تبعات “بلبلة الألسن”، وحمدَ ربَّه الذي “رفعها عن أفواه الناس وزيّنَ النطقَ بالمنطق”. وكأنمّا هو تبصّر لسانيًّا، فأدرك أن عدم تشارك الفريقين (ضيوفًا ومُضيفين) الشفرةَ اللغوية اليومية، أعاقَ إلى حدٍّ ما سبلَ تواصلهما “السياحي”. وقد تناولنا على سبيل الاستشهاد شذراتٍ منه (84 لفظة وعبارة) تتصل مباشرةً بالدراسة، ويمكن أن يكون بعضها في حكم السّاقط أو المُهمل راهنًا. سنعتمد مبدأ إيراد المصطلح المتداول سوريًّا/لبنانيًّا، ونقابله بمرادفه المصري. كما عالجنا في السياق المفرداتي المُهجن وأو العامي وذاك الدخيل الوافد مسوّغات استخدام الجمهور “التلاجة” مصريًا، و”البرّاد” لبنانيًا.

*الحصاد : ملتقطات الناس أساس بهذا المعنى ؟

-جديده أنه يزخر بصور بيانية وبلاغية طريفة من ملتقطات الناس في بيروت ولبنان وبيئات بلاد الشام، تنهل من معين أبجدية الطعام، الشعبي، وتسترعي انتباه القارئ باعتبارها تملك من البلاغة ما لا تقوله كتب الطهي أو الدراسات الأكاديمية، ولا تدرّسه المعاهد الفندقية. استُمدّت معطياته “الحقلية” من سرديات شعبية وتراث شفوي شديد الخصوبة، أبدعتها العقول واختزنتهاالصدور وتناقلتها الألسن أبًا عن جدّ، في المدن (عمر الزعني) والأرياف وفي الجبل اللبناني (ميشال فغالي ولحد خاطر)، وفي حواضر عربية وثّقت تراثها الغذائي (“نكهة فلسطين” مثالًا).

تنبئ هذه المعطيات ومثيلاتها عن تفتحات بلاغية وبيانية، تلقائية، تتبدّى في تخريجات لفظية طريفة يبتدعها عوام الناس، في الحقل وعلى ألسنة نسوان الفرن وعلى السّفر وفي المآدب وفي مناسبات الأفراح والأتراح على السّواء. ويستزرعونها في أحاديث يومية لا تلبث أن تجري بسلاسة على ألسنة الخلق، وتتسرّب لاحقًا إلى الخطاب العام وإلى قواميس ألفاظ الحياة العامة (معجم ألفاظ الحياة العامة نموذجًا).

*انت تعيدنا الى السيمياء من خلال الطعام في بعده السيميائي الوطني وهويته المجتمعية.

-ينطلق الكتاب من الواقع المعيش لينتج معرفة حيّة، ويُظهر بالشواهد المدعمة بسرديات شعبية أن للطعام بعدًا سيميائيًاوطنيًا (لبنانيّة التبولة والمنقوشة وشاميّة الفلافل) فهو جزء من الهوية المجتمعية ومن الثقافة العامة للبلد. هو ثقافة بل مظهر مادي ونفعي من مظاهر هذه الثقافة. فالثقافة بمعناها الرحب هي كل مظهر من مظاهر الحياة. جديده أنه يستحضر أضمومات من شفرة المأكل والمشرب والتحلية التي تتجلّى في آداب المائدة اللبنانيةوالعربية. فالطعام بما يحمل من نكهة وهندسة للذوق العام يحدد شخصية البلد ويجلو صورته حاله حال اللغة والفن.ولأنه يشكلنا بقدر ما نشكله، فهو يتبدّى في ما نحن عليه من سلوكيات اجتماعية وأعراف كالدعوة إلى المائدة، و”كَسر السّفرة” باعتباره طقسًا تواصليًا يجمع بين بلاغتَي الطعام والكلام.

*الحصاد : هل نقول أن الطعام تطواف ثقافي يتهادى بين الحواس والحكايات ؟

-حبّ الناس للمأكولات الشعبية وشغف ربات البيوت بالطهو وطقسا مدّ السّفر و”ضبّها”، تطواف ثقافي يتهادى بين الحواس والحكايات، ركناه سرديات الأمكنة ونكهات الأزمنة. أظهر أن “مائدة بيروت” ليست أطباقًا حسنة الإعداد وطيبة المذاق ومتمايزة النكهة فحسب، بل هي كتاب مفتوح تقرأ به الحياة قبل أن تؤكل، وأن طعامًا متواضع المكوّنات قد يحمل في جوهره قيمة وجدانية عالية عند عارفيه ومُعدّيه ومتذوقي نكهته وقرّاء “نكهة بيروت”.

لا ينتهي التطواف الثقافي في تدرجات التأليف فصولًا. مسكُ ختامه صورة بيانية طريفة من ملتقطات الناس في بلاد الشام، ولا سيّما دمشق: “الفلافل دواليب الجنّة “. تنهل هذه الاستعارة الطريفة واللافتة للأسماع من معين أبجدية الطعام، الشعبي، وتسترعي الانتباه باعتبارها “تملك من البلاغة ما لا تقوله كتب الطهي أو الدراسات الأكاديمية”. تنبئ ومثيلاتها عن تفتحات بلاغية وبيانية، تلقائية، تتبدّى في تخريجات لفظية يبتدعها عوام الناس، ويستزرعونها في أحاديث يومية لا تلبث أن تجد تغذية راجعة موائمة فتجري بسلاسة على ألسنة الخلق، وتتسرّب لاحقًا إلى الخطاب العام.

تمتلك هذه الاستعارة التصريحية قيمة واعتبارية غذائية وطيبَ مذاق، يتداخل فيها العمق بالفكاهة، وتعبّر في آنٍ عن وسيلة أو طريق افتراضية مفضية إلى الجنّة، إذ “تنقلنا مباشرة إلى تخيّل صورة الجنّة الشعبية التداول هنا (حارة، فقراء، فلافل)، خلافًا لجنّة الفقهاء”، كما يستنتج الكاتب محمد الربيعو. وقد صٌرِّح فيها بالمشبه به (دواليب)، عِلمًا أن وجه الشبه بين الطرفين معقده الفراغ في وسط قرص الفلافل والدولاب على السّواء.

فالفلافل لشدّة لذتها وكمال طعمها، كأنها من نعيم الجنّة في مدارك متذوقيها، “فقراء الشام” في هذا الشاهد المنقول. وقد شُبِّهت بالدواليب على سبيل الاستعارة لأنها تدور لتوزع الخير والمتعة على كل من يلتهم بشهية أقراصها. وكأن اللقمة أو “الكَدشة”، تجعل المرء يعيش لحظات صفاء سماوية. الطرافة في هذه الاستعارة غرضها المبالغة المقصودة للإسعاد ومحاكاة أحلام الجماعة ومواجعها في أنٍ. والجمع بين العامّيّ والاستهلاكي اليوميّ (أكلة الفلافل) والغيبيّ المقدّس (الجنّة) يضفي مفارقة دلالية طريفة. وحيث أننا في صدد التطواف الثقافي، ففي الخلفية الثقافية، تعكس هذه الصورة حبّ الناس للمأكولات الشعبية، وكيف أن طعامًا متواضع المكوّنات والسّعر قد يحمل في مكوناته قيمة وجدانية عالية.

وفي السياق الدلالي الترميزي عينه شرح الفنان المبدع الراحل زياد الرحباني وجهة نظره ومشروعه الموسيقي “جاز شرقي”، فوجد ضالته في في أكلتين شعبيتين ذائعتي الصّيت والطلب عليهما. وعلى سبيل التبسيط استحضر قرص الفلافل طرفًا “بلديًا” لبنانيّ النكهة لثنائية غذائية مدارها تجاور الحضارات واتصال الثقافات، بما فيها ثقافة الطعام لدرجة أننا “صايرين معوّدين عليهم كل النهار” فقال لمخاطبته: ” إنتِ بتبصري بنومِك قرص همبرغر هيك -مستدير الشكل- طعمته فلافل”! “هيدا ما إلو اسم ولا موجود لا بالشرق ولا بالغرب، هيدا شي لبناني”. الذاكرة تتنازع الحقيقة وتراسل النكهات يتخذ لبوسًا غذائيًا شديد الطرافة.

وأوردنا في الكتاب أيضًا تسمية “كرواسان بزعتر” المبتدعة لبنانيًا هي ومثيلتها “كرواسان بجبنة” اللتين ترمزان بدورهما لتجاور وتحاورثقافتي الغذاء ولغته في مدارك جمهور المتذوقين وممارساته اليومية. وهنا أيضًا يغلب “كلام الناس” جهود اللغويين، إذ يستبق الجمهور المستهلك مجامع اللغة في إسباغ تسميات مُهجّنة على مأكولات خفيفة وجاهزة، “طعام المستعجل”، تُستدعى غبّ الطلب وتلتهم “على الواقف”.

  • الحصاد : هنا ينوجد الطعام كتفكير “خارج الصندوق”، ومغادر لسلة المهملات الثقافية نحو رواق الأكاديميا والجدوى المعرفية

-مندرجات الكتاب التي نعرضها في كتاب يجمع النافع واللطيف المستحبّ من مصطلحات الطعام، هي أشبه ما تكون بفواتح شهية و”مازات” و”مقبّلات”. والغرض منها دعوته -أفرادًا وجماعات- إلى تجديد النظر إلى شفرة الطعام التي أضحت اليوم ثقافة يومية قائمة بذاتها ولذاتها وخطابًا يستكمل مرتكزاته في عالم المعرفة الحسية منها والتجريدية. التبصّر في الوشائج القائمة بين الطعام والكلام في المطاعم والمطابخ وعلى السّفر وفي “السناكات” و”على الواقف”. فالمسألة تتعدى بكثير “لقمة تسد جوعًا”، ومشروبًا باردًا يطفئ عطشًا،وتحلية ترطّب حلقًا.

كلي أمل أن يحظى الكتاب بالاهتمام العلمي للقراء، فهو نموذج لساني تطبيقي لسائر نتاجاتي في الحقول العمرانية المنحى،فالطعام وصنوه الكلام استحقا بجدارة كتابًا نوعيًا أفخر به. فقد خضت على آماد مجالات بكر تغاير المألوف البحثي المعتمد، فمحضتُ المُهمّشات والمُغيّبات ما تستحقه من انشغال علمي موائم لتضحي متونًا قابلة للدرس اللساني الحديث ومواضيع ذات جدوى معرفية.

وتطبيقًا للمبدأ الذي ألهمني منذ التسعينيات التفكير “خارج الصندوق”، هاهو الطعام يتحلل من سِمتَي “الطبخ والنفخ” و”خبريات نسوان الفرن”، ويغادر باقتدار مرتبة “سقط المتاع”و”سلة المهملات الثقافية” ليضحي شأنًا دراسيًا جادًا دخل بعناية اللسانيين رواق الأكاديميا بامتياز.