ينقشع التنافس القديم بين باريس وواشنطن حيال يقظة إسرائيل بحثاً في الملف النووي الإيراني إذ لم يكن يتّضح بعد أن طهران قد تخلت عن السلاح النووي. كان يقوى هذا التنافس المدروس بين الطلبات والعقوبات توضيحاً للرسائل “الإسرائيلية” لأمريكا بوجود حلفاء لإسرائيل في موقفها من النووي الإيراني.
لنتذكّر أميركا تاركة للشاه التعاقد على بناء 8 محطّات نووية مقابل ضمان استقراره في صفوف حلفائها، ولنتذكر أن العالم استغرق 10 سنوات من المفاوضات النووية بين إيران الثورة الإسلامية ومجموعة “5+1” (الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين)، لكنّ طهران وتخفيفاً للعقوبات جعلها ترى في إسرائيل عدوّاً متقدّماً حيال هذا الاتفاق مع إيران السيء جدّاً لتبقى فرنسا صديقة حميمة أبدية لإسرائيل.
لنتذكّر أوروبا الباحثة بين روسيا وأمريكا عن مستقبلها مع العرب نراها كانت قلقة بحثاً عن مصالحها ومستقبلها مع “إسرائيل”. لم تخرج منها يوماً ودأبت على دروبٍ وسطية غامضة بين هوامش الاستقلال الضروري لمصالحها وصورتها المنضوية لأمريكا معضلتها القديمة مذ أعلن ديغول استقلاليته عن واشنطن ليتقرّب من العرب. أسترجع الغموض بين الصورة السياسية والمصالح عندما تنشط باريس وأوروبا عند توتّر علاقات أمريكا ب إسرائيل ولو شكلاً، فكيف بها إذ تضعف صورة أمريكا في زمن الانحدارات العربية؟
لم نكن نفهم تماماً روسيا بانية أول محطة للطاقة النووية في إٍيران تأييداً لرغبتها والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم. لم نكن نفهم التفاؤل الروسي في التفاهمات مع إيران عبر اتفاقات مبدئيةً دوماً للحد من البرنامج النووي الإيراني.
تراكمت الألغاز بين موسكو وواشنطن في النووي ولنتذكر محاولات أمريكا منع فرنسا ديغول من صنع السلاح الذرّي المستقل بما أخصب خلاف العظمة بينهما.
ألم تحاول روسيا منع الصين الدولة الكبرى من النووي؟
غموض تاريخي تراكم ولم يظهر منه سوى المتغيّرات الكبرى التي حصلت في المنظومة الاشتراكية، وتوسع أعباء أوروبا، وهنا تتقدّم أسئلة داعمة للغموض النووي يبقي علينا خارج تفكير جدّي أو امتلاك في السباق النووي.
لنتذكّر سرقة إسرائيل أسرار “ميراج” الفرنسية. صنّعتها إسرائيل. أسمتها “كفير” على اسم قريتي اللبنانية الجنوبية التي وُلدت فيها منذ سبعة قرون؟ انكشفت السرقة في سويسرا وحوكم مسؤولون، ولم تنبسٍ فرنسا بكلمة رسمية حول الحادثة.
لنتذكّر سرقة 3 مدمّرات صنّعتها فرنسا لمصلحة “إسرائيل”، ولمّا حظر ديغول إرسال الأسلحة إلى إسرائيل لمباشرتها حرب 1967 خرجت المدمّرات سرّاً من ميناء “شيربورنغ” الفرنسي عابرةً الأطلسي والمتوسط نحو شاطئ حيفا؟
لنتذكّر نسف المفاعلين النوويين في ال 1979 اللذين تمّ بناؤهما لحساب بغداد من قبل فرنسا مع الشروط بعدم استخدامهما في صنع قنبلة ذرّية أو حتى في مهمات عسكريّة؟
نسفتهما إسرائيل واعترفت فرنسا رسميّاً كشحاً للإحراج ملوّحةً بأنّ إسرائيل ملمّة تماماً بهذه الصناعة الشديدة السريّة والتقدم، لكنّها أرضت بغداد بالقول إنّها أنتجت اليورانيوم الذي لا يمكن استخدامه عسكرياً. كانت فرنسا وقّعت عقدين لمفاعلين آخرين مع كوريا الجنوبية ومع باكستان ألغتهما أمريكا بالضغط على سيول وباريس. وللموضوعية التاريخية، ضغطت الولايات المتحدة على ألمانيا الغربية لوقف عقد مشابه مع البرازيل.
من يتذكّر فرنسا التي منحت إسرائيل مفاعل ديمونا في صحراء النقب وبقيت القناعة طويلاً بأنّه معمل للنسيج حتى الدول الكبرى لطالما كانت تتظاهر بالاقتناع بهذا التفسير، مع أنّها حصلت بمساعدة جنوب إفريقيا، الغنيّة باليورانيوم، وهكذا استطاعت امتلاك القنبلة النووية ملفوفةً بغموض هائل؟ وقد عدلت إسرائيل في هياكل طائراتها الأمريكية لتصبح صالحة لنقل القنابل الذرية واستخدامها وفشلت محاولات التفتيش كلّها مع الرئيسين كينيدي وجونسون وتوقّف اللسان الأمريكي نهائياً في نووية “إسرائيل” منذ نيكسون وكيسنجر ليتمادى الإرهاب “الإسرائيلي” للعرب وابتزاز للأصدقاء. هكذا نشأ مناخ من الضغط على أي دولة أخرى تفكّر بالتعاقد على بيع مفاعلات نووية ولو سلمية لأي دولة من الدول المحيطة ب إسرائيل.
من يتذكّر السفينة المحمّلة بالوقود المستخدم في صناعة القنابل الذرّية المحمول لحساب الأطلسي، كيف تاه في البحار العالمية من باخرةٍ لأخرى، ليصل إلى إسرائيل في العام 1978 في باخرة أوروبية، بينما وصلت الباخرة الأوروبية التي خرجت من ميناء أمريكي فارغةً الى أوروبا، وتكتّم الحلف الأطلسي يومها خمس سنوات على المسألة قبل أن تتسرّب أخطر سرقة في القرن العشرين الى وسائل الإعلام لا لإظهار الفضيحة بل على العكس، لإعلان القوة الدولية ل إسرائيل؟
من يتذكّر رسالة تهديد جون كينيدي للرئيس المصري جمال عبد الناصر قبل عدوان ال 1967 حول امتلاك مصر صواريخ بعيدة المدى وضرورة وقفها فوراً، ثمّ تفتيش مواقعها والمفاعل النووي في أنشاص، ولمّا رفض عبد الناصر طالباً بمعاملة إسرائيل بالمثل مشيراً الى حظوتها بما هو أخطر أي “ديمونا”، أسرعت واشنطن بتزويد إسرائيل بصواريخ هوك ومئة طائرة من طراز “سكاي هوك”، مع أنّها لم تكن تسلّح “إسرائيل” مباشرةً حتّى ذلك الوقت؟
أنتذكّر كيف سبق عبد الناصر دول المشرق للاعتراف بالصين عندما كانت واشنطن وموسكو على وشك التوقيع على معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية التي تقوم على حظر المعرفة النووية حتى عن الدول الأخرى؟ كانت الصين آنذاك معزولة وخارج الأمم المتحدة ومستعجلةً لامتلاك السرّ النووي، وكان عبد الناصر يقرع أبوابها للوصول الى تلك المعرفة خارج دائرتي أمريكا وروسيا.
لماذا هذه الأمثلة كلّها وهي لا تنتهي؟
للتفكير مجدداً في المستقبل العربي وحتى لا تنصاع العيون والعقول العربيّة مهما تلوّنت وتنابذت وتقاتلت واحمرّت ف”إسرائيل” ترامب من غزة مسكونة بهواجس الانصياع والاعتراف ب «أرض “إسرائيل”” من سيناء الى العريش حيث كان هناك نهر اسمه النيل، وهو غير نهر النيل الحالي، ويشمل شرق الأردن كلّه وجزءاً من العراق ولبنان ووو . . . تحت مقولة الحدود الآمنة ولا تتابعوا بملء الفراغ.
