د. هدى النعيمي: الأدب قادر على زراعة بذور الشك 

حين نلتقي بالدكتورة هدى النعيمي، نجد أنفسنا أمام تجربة استثنائية تتداخل فيها العلوم الدقيقة مع الأدب والفكر، لتشكل مسارًا فريدًا يجمع بين العقل العلمي والخيال الإبداعي. فهى ابنة الدوحة التي درست الفيزياء، ثم واصلت رحلتها العلمية في القاهرة فحصلت على درجة الدكتوراه في الفيزياء الحيوية الطبية، قبل أن تتخصص لاحقًا في الفيزياء النووية. واليوم تشغل منصب مديرة إدارة الصحة والسلامة في مؤسسة حمد الطبية بقطر. 

  الدكتور النعيمي ليست مجرد باحثة علمية، بل هي أيضًا صوتٌ ثقافيٌ بارزٌ، غير أنها برزت شخصيتها النقدية من خلال ما نشرته من قصص ودراسات، فضلاً عن ذلك كان لها مشاركات في مؤتمرات وملتقيات عربية ودولية، مؤكدةً أن العقل العلمي لا يتعارض مع الحس الأدبي، بل يثري التجربة ويمنحها عمقًا جديدًا. 

 لعبت دورًا مؤثرًا في المشهد الثقافي العربي، حيث عملت ضمن لجان التحكيم في جوائز مرموقة مثل، الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر، وجائزة كتارا لتتوج مسيرتها بفوزها بجائزة كتارا للرواية العربية لعام 2025 عن رواياتها زعفران مضيفة بذلك إنجازًا جديدًا إلى رصيدها الإبداعي. 

كان للحصاد معها حوار حصري. 

الحصاد: الكاتبة والروائية الدكتورة هدى النعيمي، في البدايات هل كانت الكتابة بالنسبة لك ملاذًا أم مقاومة، وهل تغيرت وظيفتها في حياتك عبر الزمن؟ 

هدى النعيمي: الكتابة ملجأ، هروب من رتابة اليوميات، خلق لعوالم أخرى ربما تكون أجمل، وقد تكون أكثر ألماً، لم تكن الكتابة فعل مقاومة بالنسبة لي، هي خيمة السكينة، ومكاني الخاص الذي لا يشاركني فيه أحد، حتى القارئ لم يكن يطل على هذا الخيمة في البدايات، ثم تغيرت الوظيفة فعلاً صارت فعل تغيير، او محاولة للتغيير السلس، وليس العنيف. 

الحصاد: تُلقبون بـ “فارسة الفيزياء والأدب”، كيف اجتمع شغفكم بالمعادلات الصارمة في الفيزياء النووية والحيوية مع عشقكم للغة السرد والقصة، وهل هناك نقطة التقاء خفية بين المنهج العلمي والمنهج الإبداعي؟ 

هدى النعيمي: لا أعرف اذا كنت استحق هذا اللقب، ففي عالمنا العربي ، علماء افتخر بزمالتهم و الانتماء الى عالمهم ، و في مجال الأدب أيضا فرسان من الرجال و النساء ، و قد قُدر لي أن أكون جزءا من هذا و ذاك في ذات الوقت ، و لم أشعر يوما بتضارب ، أو تعاكس للمجالين في داخلي. أعتقد ان حبي للقراءة، و الكتابة، و من ثم التوغل في عالم الكتابة كان عامل إيجابي في الاستمرار كفيزيائية، و في مجال البحث العلمي ، كما إن البحث العلمي ساعدني على ترتيب الأفكار ، و تنظيم الوقت ، و هذا ما أحتاج له للكتابة ، لنقل أن الانخراط في المجالين معا ، قد خلق مني شخصية اليوم . 

الحصاد: كيف تصفين رحلتك من عالم الفيزياء إلى عالم الأدب كقصة إلهام؟ 

هدى النعيمي: لم أنتقل من عالم الى آخر، بل حافظت على التوازن بين هذا، وذاك في ذات الوقت، فقد كانت الفيزياء، والأدب رفيقاي خلال رحلتي العلمية، والعملية. 

 الحصاد: دائما هناك سؤال وجودي يتسلل بين السطور في أعمالك هل يمكن أن تكون الرواية فلسفة متجسدة، هل تؤمنين بأن الأدب قادر على زعزعة اليقين؟ 

هدى النعيمي: نعم.. الادب قادر على زراعة بذور الشك إن شئنا القول ، و أما السؤال الوجودي فهذا قدر لا نحيد عنه منذ بداية الخلق وكل التجارب الإنسانية تصب في محاولات الإجابة عن تلك الأسئلة ، ليس في مجال الآداب و الفنون فقط ، و لكن أيضا في مجال العلوم التي دوماً تبحث عن الأسباب ، و تتجرأ فلسفة العلوم على طرح أكثر الأسئلة حيرة للإنسان ، و اعمقها تجذراً ، فكيف بالفنون ، و أما الرواية فهي فن واسع الأفق ، مترامي الأطراف يتسع لكل الأجناس حتى أن تعريف الرواية بات فضفاضاً يتحمل أجناسا و أجناسا ، و لما كانت الفلسفة اصل العلوم ، فلا بد أن تتضمن الرواية ما هو فلسفي بحت ، و لا أريد لروايتي ان تغرق في بحر فلسفي و لكنني اريدها أن تطرح الأسئلة ، و تترك للقارئ بابا واسعا للإجابة . 

الحصاد: هل تعتقدين أن دقة الفيزيائي في تحليل الظواهر قد ساعد الناقدة والروائية الدكتورة هدى في بناء الشخوص، أو هندسة حبكة أعمالك الأدبية؟  

هدى النعيمي: ما انا متأكدة منه، إن دراسة العلوم، و الالتزام بمناهج البحث العلمية ، قد صقل من الصنعة الإبداعية لدي. أعرف من علم الفيزياء ، إن المادة لا تتلاشى و لا تُخلق من العدم ، و هذا ما وجدته مطبقا على الحياة الاجتماعية إيضاح ، فلكل فعل مسبب ، و لكل فعل رد فعل و لا حدث يولد من العدم ، و هنا صار لزوماً العودة الى التاريخ ، و الاستدلال به لما يحدث اليوم ، و لقراءة ما قد يحدث غداً ، فالأحداث الكبرى لا تتلاشى ، و لا تُنسى مهما حاول البعض طيها في ثنايا الأيام ، فما حدث في الحربين العالميتين خلال القرن العشرين ، ما تزال آثاره تعيش بيننا اليوم، و ترسم قواعد اللعبة بين الكبار ، و الكبار جدا؛ ليسير الصغار في مسار ليس لهم فيه ناقة ، و لا جمل. لكن هل يعلمون؟ هذه هي الهندسة التي اعتمدها في كتابة الرواية. 

الحصاد: فازت روايتك “زعفرانة” بجائزة كتارا للرواية العربية2025، ما هي القيمة التي تضيفها هذه الرواية إلى مدونة الرواية القطرية والخليجية، وما هي الرسالة المركزية التي سعيتِ لإيصالها عبر أجيال وشخوص الرواية؟ 

هدى النعيمي: لا بد، وان هذا الفوز يشكل لي منعطفا هاماً في مسيرتي الأدبية، وهو علامة في المشهد الروائي القطري، والخليجي، والعربي بشكل عام، وأما الرسالة الحقيقية التي سعيت وأسعى لها، فهي قراءة التاريخ، للتعلم أكثر وللتعرف على جوانب مجهولة أكثر. 

الحصاد: هل برأيك الجوائز الأدبية تعيد تعريف كاتب في نظر نفسه أم أنها مجرد محطة في مسار طويل من التشكيك والبحث؟ 

هدى النعيمي: لا شك ان الجائزة علامة فارقة في الحياة الأدبية ، فهي رغم كل القيل ، و يقال حول الجوائز و ما يشوبها من تسيس ، أو مجاملات – رغم ذلك ، فإنها تعزز ثقة الكاتب في كتابته ، و تعمل على إيصال صوته الى القارئ ، و ذلك عبر التسليط الإعلامي المصاحب للجائزة ، هذا التسليط الإعلامي هو الجائزة الحقيقة المضافة للقيمة المادية ، فقارئ اليوم غارق في بحر من الكتب ، و الروايات التي قد لا يعرف أن يميز بين جودتها ، و ملائمتها لذوقه في القراءة ، و هنا تأتي الجائزة لتقدم له اسم رواية اختارتها لجنه تحكيم على مستوى من الثقة ، فيصير الإقبال على قراءتها هو الهدف الذي سعى له كل كاتب ، و هو يخط روايته . 

 الحصاد: خلال سنوات دراستك للدراسات العليا في مصر، كيف أثر الانفتاح على المشهد الثقافي المصري في تكوين الوعي الأدبي لديك 

هدى النعيمي: لا شك ان معايشة المشهد الثقافي في القاهرة خلال فترة التسعينات كان له الأثر الايجابي على تكويني الحالي، ففي القاهرة وجدت نفسي بين الرفوف المكتظة بالكتب، وبين مسارح الدولة والمعارض الفنية وكل هذا صقل من تكويني الفني والابداعي بالتأكيد.  

الحصاد: كونك أول امرأة قطرية تحمل شهادة الدكتوراه في الفيزياء الطبية، ما هي أبرز التحديات التي واجهتك في تأسيس هذا المسار، وكيف ترين تطور دور المرأة القطرية في المجالات العلمية الدقيقة اليوم؟ 

هدى النعيمي: لم يكن هذا النوع من العلوم موجودا في الدوحة، ولا بد من معوقات وتحديات عندما عملت على تأسيس قسم خاص يقوم بهذه الخدمات التي بالطبع تصب لخدمة المريض، والعامل الطبي، لكنه ومع الايام اختفت تلك العقبات، وصار قسم الفيزياء الطبية منافسا عالميا لهذا النوع من الخدمات الطبية. 

الحصاد: في مجموعاتك القصصية مثل “المكحلة” و”أنثى”، تستنطق غالباً التحولات الاجتماعية وعلاقة المرأة بالمجتمع. ما هي أبرز الثيمات التي تشغلك ككاتبة عن صورة المرأة القطرية في العصر الحديث؟  

هدى النعيمي: هاتين المجموعتين قد تمت كتابتهما في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت معاناة النساء تختلف عن اليوم، نعم كانت الثيمة هي الانتصار لصوت المرأة، وتقديمها كشريك كامل في بناء المجتمع، عندما أكتب اليوم، فلن أكتب بنفس تلك الثيمة، أو على الاقل بتلك الدرجة، فقد تغير الحال، وصار للمرأة صوت قوي مشارك، ومشاكس أحيانا، وتبقى لها آلامها الخاص التي يتبناها قلم القصة، أو الرواية، سواء بقلم إمراة أو رجل. 

الحصاد: في ظل التطور التكنولوجي الهائل، كيف يمكن للمثقف العربي، الذي يمتلك خلفية علمية وأدبية مثلك، أن يسهم في بناء جسور المعرفة بين الأجيال وتعميق الوعي في المجتمع؟ 

هدى النعيمي: هذا دور منوط بالكاتب على مدى العصور ، و الحقيقة ان التطور العلمي ، والتكنولوجي كان دوما متوفراً لكننا لم نكن نعلم اننا سوف نواجه المزيد منه بعد عدة سنوات ، فوصول الموبايل ، او الهاتف المحمول الى اليد كان قمة التكنولوجيا في حياتنا، و دخول الانترنت الى حياتنا كان انفجارا معرفيا خطيرا ، و يزيد علينا اليوم الذكاء الاصطناعي ، و كل ما سوف يجره من خير و شر ، و ما يزال للعالم و الكاتب دور يقوم به ، سوف يسهم الاثنان معا في بناء تلك الجسور ، فلولا البحث العلمي ، لما صار هذا التقدم التكنولوجي المستفز ، و لو لا الابداع لما ارتفع مستوى الذائقة الفنية لدى المتلقي الذي صار يجلس امام الحاسوب في ساعات العمل ، و ساعات المنزل ، و حتى اوقات الراحة ، و لان المثقف جزء من المجتمع فهو يتفاعل مع المتغيرات العامة ، و يؤثر فيها من خلال الإبداع والسلوك .