زياره لمكتبة الدكتور لويس عوض 

اطلاله على عالم الأدب 

هو واحد من عمالقة الفكر،سواء اتفقت معه فيما وصل اليه من افكار،او انكرت ما طرحه او استقر عليه،من مبادئ. فقد عمل طوال مشواره الثقافي على اعلاء قيمة العقل والتفكير،وكان ذلك هو ميدانه وبؤرة عناده.لكن ييدو ان ذلك لم يكن وحده كافيا، لكي ينال اهتمام السلطه ،أو على الأقل المهتمين  برعاية الكفاءات، وتكريم النوابغ ،اذ حدث حين حصلت السيده جيهان السادات على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة القاهره،ان ارسل لها الكاتب الكبير احمد بهاء الدين رسالة تهنئة جاء فيها (جاء في مناقشة رسالتك للدكتوراه،وهي (عن الأدب المقارن) وقد تمت المناقشة في بث حي في التلفزيون المصري اسم الدكتور لويس عوض، وتكررت الاشاره اليه اكثر من مره ،وهذا يعني انه ليس مغضوبا عليه، ويندهش الانسان ان هذه القامه لم تحصل على جائزة الدوله التقديريه حتى الآن ،مع ان هناك من تلامذته من حصلوا عليها،فهل يرجع هذا التجاهل لمكانته لكونه محسوبا على قوى اليسار،وتلك تكون مأساه ،ام لكونه مسيحي،والمأساة هنا أكبر. ذلك كله استفسار. ورد على ذهنى ذلك وانا اكتب لك رسالة التهنئة تلك .الآن  ذكرت تلك الواقعه، وانا اكتب هذا الموضوع كي اوجه نظر القارئ الى قيمة هذا المفكرخصوصا انها من شهادة مفكر عظيم مثل احمد بهاء الدين. الجانب الآخر انه كان احد اساتذة الدكتوره جيهان السادات وهي تعد لتلك الرساله ،وبواقع ما حدث، فقد حصلت على هذه الدرجة العلميه باجتهادها، ولكن هناك من لا يصدق انها حصلت عليها باجتهادها،و ينسى من يردد ذلك ان هذه السيده ،وهي قرينة رئيس الجمهوريه، لا ينقصها شيئ  يمكن ان تهفو اليه ،ومع ذلك أدركت ان القيمة العلميه شيئ جدير بالاهتمام والاجتهاد من اجل الحصول عليها ،وتلك في حد ذاتها قيمة تحسب لها. اردت من طرح حديث احمد بهاء الدين عنه ،ان اطرح امام القارئ تلك الشهاده ،لأنني ابحث عن مؤلفات اجيال سابقه في المكتبات فلا اجدها،وطغت على كنوز شتى في ميادين مختلفة من الفكر والادب،اسماء جديده ،لا اشكك في جدارتها،ولكنها مازالت يافعه بالمقارنه لأجيال سابقه .وقد ذكر هو نفسه في كتابه (اوراق العمر) عشت في الضوء مع زوجتي حياة مضطربة وحيدة وبلا عقب, وقد بلغت الخامسة والسبعين ولا أملك من متاع الدنيا غير لقمتي وسترتي ودفء الشباب من قرائي علي تعاقب الأجيال. 

الولوج الى المكتبه 

يقول الأستاذ بهاء كانت هذه المكتبه أول مكتبه منظمه ،صادفتها في هذه الزيارات ،وليس هذا غريبا،فهي مكتبة ناقد،ومدرس أدب.واذا كان من حق الفنان ان لا يرتبط بنظام معين ،فلا شك ان الناقد ومدرس الأدب محتاج الى ان يكون له منهج ،ومنطق ،ونظام .هنا لا تتساند الكتب في رفوفها كما اتفق ،ولكنها تجلس في صفوف مرتبه بترتيب الأقدميه.ففي الطرف الأيسر،نجد الكتب التي تتحدث عن ادب اليونان القديمه و حضارتها وفلسفتها ،هوميروس وسوفوكليس،وافلاطون وأرسطو،الى ان ينته العصر اليوناني، فنجد بعده مباشرة عصر الرومان،انياده فرجيل،واعمال هوراس،وكتاب جيسون الشهير(عن افول الأمبراطوريه الرومانيه) ثم ندخل في العصور الوسطى ،فنلاحظ ان التفكيرهنا له طابع ديني ،ونقرأعلى كعوب الكتب اسماء القديس أوغسطين والقديس توماس الاكويني وغيرهما .ثم ننتقل الى عصر النهضة فنجد مفكري الاصلاح الديني مثل لوثر وكلفن ،وأبطال هذا العصر الزاهر مثل دانتي وبترارك وبوكاشيو ودافيتشي . 

الخطوات في هذه المراحل كلها سريعه ،ولكننا عندما نصل الى الادب الانجليزى بالذات ،نبطئ خطوات الانتقال ،وتتضاعف كمية الكتب عن العصرالواحد.فالأدب الأنجليزى بالذات هو تخصص و(منطقة نفوذ) 

الدكتور لويس عوض. ان العقل الفلسفي والحاسة الفنيه عند الأنجليز مركزان في هذه الرفوف التي تشغل 

(قلب المكتبه) المنسقه.هاهنا كتب يمتد نطاق بحثها من دراسات اللغة الانجليزية الأولى الى اغلب العصور الوسطى الى العصر الحديث.عبر اسماء تشوسر وشكسبير وسبنسر ومارلو،ثم شيلى وكيتس وديكنز الى برنارد شو وت.س اليوت.مسرحيات وروايات طويله ودواوين شعرومؤلفات في اللغة والتاريخ والنقد 

واذا كان القسم الانجليزي يشغل قلب المكتبه،فان شكسبير يشغل قلب القسم الانجليزى .هنا لانجد فقط مؤلفات شكسبير وكميه ضخمه من الابحاث التي كتبت عنه .ان الكتاب الواحد لشكسبير نجد له اكثر من طبعه،وفي اكثر من شكل وحجم واخراج ،فشكسبير أكثر من (تخصص) ،انه (مزاج) خاص. 

يستطرد الاستاذ بهاء فيقول( لم أتم الجوله في المكتبه بعد العصر الانجليزي ،فلقد استوقفني في المكتبه شئ اّخرغريب،غيرنظامها الدقيق .استوقفني خريطتان كبيرتان للاقليم المصري معلقتان على الحائط. خريطتان مفصلتان الى اقصى حد ،فعليهما اسم كل قرية مصريه مهما صغر شأنهما. وقلت للويس عوض 

: هذه أول مكتبه عربيه أدبيه أجدها مزودة بالخرائط ! فهل هذه الخرائط للزينه ،أم للقراءة والعمل ؟ فقال 

للقراءة والعمل ! وهنا نقف عند قصة هامه . 

ماهي فحوى هذه القصة الهامه ؟ 

ان الدكتور لويس عوض الناقد واستاذ الادب الانجليزى كان يدرس اللغة الهيروغليفيه ،ويدرس عادات مصر القديمه ،والسؤال :لماذا ؟ ويرد قائلا :انا لا ادرس عادات مصر الفرعونيه وحدها ،ولكني ادرس عادات الأشوريين والبابليين والسومريين ،اي كل العادات القديمه التي عرفتها حضارات الشرق الاوسط ،فضلا عن دراستي لعبادات اليونان،وقد دفعني الى هذه الدراسة أمران الأول:انني اريد ان استقصي مدى ما بين هذه العبادات والثقافات بوجه عام من علاقة،وأين وكيف والى اي حد، تداخلت وتأثر بعضها بالبعض. والثاني :انني مؤمن بأن الماضي يعيش في الحاضر دائما،رغم تغير القالب أو تحول المضمون ودراسات العبادات القديمه،تساعدنا جدا على معرفة مدى( تناسخ) هذه العقائد القديمة في عقائدنا الحديثه ،نحن سكان هذه المنطقه العريقه من العالم. 

ماهي هذه الخرائط وجدواها ؟ 

يقول لويس عوض : هذه الخرائط تفيد في معرفة بعض مواقع الديانات المختلفة ،ذلك ان العبادات في مصر القديمه كانت مقسمه على المناطق ،فكل منطقه لها عاداتها ولها اّلهتها ،الى جانب وجود الألهه المشتركه التي كان نفوذها يشمل الوادي كله ،فقد كان (رع) مثلا (كبيرالألهه).وهنا وضع لويس عوض اصبعه على اسم قرية صغيره في اقليم مصر،وهي قرية(دندره)وقال كنت اقرأ منذ ايام في ديوان للشاعر اللاتيني (جوفينال) واذا بي اجده يتكلم في احدى قصائده عن الشجار المستمر بين أهل (دندرة) واهل (أومبوس) وكلتاهما من قري مديرية (قنا) اليوم وباستقصاء الأشارات الوارده في (جوفينال) وجدت انه قد يكون لهذا علاقة بالصراع التقليدي الذي نعرفه في ايامنا هذه،(الأشراف والحميدات) في نفس المنطقه، وقد تحققت من الرجوع الى كتاب (جيكييه)عن الديانات المصريه القديمه انه كان صراع عبادات ،ثم تطور الى اسطوره ،تقول ان اّلهة دندره خانت منطقتها،وانضمت الى اعدائها في أومبوس ،وهذا هو سبب الحرب بينهما.ان دراسة الأساطير الفلوكلوريه المقارنه،اي في البلاد المختلفه ،تكشف لنا عن روابط كثيره بين الحضارات المتجاوره من جهة،وبين الماضي والحاضر من جهة اخري.ويمضي لويس عوض في ضرب الأمثله،فيقول انه وجد ذات يوم كتابا من تلك الكتب الصفراء الصغيرة التي تباع على العربيات في حي الحسين ولا يعرف لها احدا مؤلفا ،تقول ان فتى الفتيان علي بن ابي طالب ذهب الى بلاد الحبشه وحارب هناك ،وأنا لا اعرف انه ذهب الى الحبشه ،ويصف الكتاب كيف قضى (على) وعشرة رجال معه على الف رجل من الأعداء ،في ممر ضيق بين جبلين ،وهو وصف ذكرني على الفور بمنظر مشابه في الاساطير اليونانيه ،عن انتصار البطل على اعدائه في مدخل بين صخرتين.ويعود لويس عوض ويضرب مثالا اّخر يتناول الموال عن قصة (ناعسه) المشهوره في بلدة (مزانه)ومحور الموال ان ناعسه وحبيبها (ياسين ) تتشابه في وقائعها مع قصة ( ايزيس وأوزوريس) مع العلم ان اسم ايزيس القديم (عسنا) وهو قريب من اسم (ناعسه) ونعرف ان اوزوريس قد قتل ،و( ياسين) قتل وينشد الموال قائلا ( ياناعسه خبريني عاللى قتل ياسين).؟و.يستطرد لويس عوض في سرد القصص المتشابهه ،وان كان يتحفظ في كل ماطرح ويقول ( لا اعرف الى اي حد يمكن ان تكون هذه الصور المترابطه صحيحه) وهو مازال في اطار البحث فقط. ويقوم الاستاذ بهاء بسؤال الدكتور لويس عوض ( انت اذا تبحث عن جسر يربط كل حضارات المنطقه فرعونية كانت أويونانيه أوبابلية أواشوريه أوعربيه ؟) ويضحك لويس عوض ضحكه ترجمتها (من يدري ؟) .نترك الخرائط المعلقه ونعود الى رفوف المكتبه ونتأملها. بعد نهاية قسم الادب الانجليزى،يجري ترتيب المكتبه على نحو اّخر. يجرى الترتيب بمقياس النوع ،فهناك قسم الأدب الأمريكي،وقليل من الأدب العربي والفرنسي والألماني ،ثم قسم خاص بالنقد ،وعلم الجمال ثم قسم متنوعات . 

حوار يستهدف الغوص في فكر لويس عوض 

سؤال :اذا كانت المكتبه مرتبه بمنطق العصور،فأي عصر من هذه العصور قريب الى قلبك؟ 

ج: عصر النهضة والحركة الرومانسيه في اوروبا ،ذلك ان عصر ثوره وتعبير عن القلق الروحي في المجتمعات البشريه ،حين تتضارب فيه المدارس والمذاهب والمعتقدات ،وعصر الثورة الفكريه لا ينظر الى السنوات التي يعيشها فقط ،وانما ينظر الى السنوات التي قبله والسنوات التي بعده ،فليس فيه الخمول والرتابه والتشابه الذي نراه في غير ذلك من العصور. 

سؤال : وبالنسبة الى الادب والفن في مصر الآن ؟ هل يمكن القول بأننا في عصر ثورة بهذا المعنى ؟ 

ج     : هناك بدايات للأشياء لا للأشياء نفسها .نحن في مجال الأدب والفن في حالة ثورة بالمعنى السلبي ،اي بمعنى القلق والتنبه الى ضرورة ايجاد قوالب جديده .نلمس هذا في مجالات الشعر الحديث وفي الأهتمام بالأدب الشعبي وغير ذلك ،ولكن هذا لم يصل بعد الى المرحلة الايجابيه في التفكير ،فنبدأ في الأحساس بأن البناء عملية شاقة في اي باب من الأبواب.