من رحم مأساة جغرافيَّة ووجوديَّة، وُلدت القاصَّة الفلسطينية شيخة حليوى في قرية «ذيل العِرج» البدويَّة على سفوح جبل الكرمل، التي دمَّرها جيش الاحتلال )1991(. شكَّلت ذاكرة التهجير هذه الخلفيَّة الأساسيَّة التي ارتكز عليها وعيها السردي لاحقًا.
تميَّز أسلوب حليوى ببصمته الفريدة بدءًا من مجموعتها الأولى «سيدات العتمة» (2015)، مرورًا بـ «الطلبيَّة 45C3» الفائزة بجائزة «ملتقى القصة القصيرة العربية» (2019-2020)، وصولًا إلى «أقرأ كافكا وكلبتي تحتضر» (2025).
جمعت حليوى في لغتها بين اللهجة البدويَّة المَحكية والعربية الفصحى، فنتج نسيج سرديّ غنيّ يعبِّر عن هويَّة منقسمة بين البداوة والمدنيَّة. واعتمدت في سردها على التكثيف والانزياح الشعري، مستخدمة الاستعارة القويَّة واللغة الموحية تارةً، ولغة المفارقة الساخرة تارةً أخرى؛ دامجةً بين الواقعي اليومي والسوريالي لتعكس التناقضات الاجتماعيَّة والأبعاد النفسيِّة التي تحكمها.
تنتقل حليوى في أعمالها من عتمة الذاكرة المحليَّة إلى أفق الأسئلة الوجوديَّة، دون أن تفقد كلُّ حكاية خصوصيتها، محوِّلةً التفاصيل اليوميَّة إلى أدوات لتوليد المعنى.
حمل عالمها الأدبي قضايا اجتماعيَّة مهمَّة أبرزها: عوالم المرأة المهمَّشة ومعاناتها في مجتمع قَبليٍّ، وصراع الهويَّة في مرحلة الانتقال من البداوة إلى الحَضَر، والثمن النفسي للانفصال عن الجذور، إضافة إلى الصراعات الطبقيَّة والعنصريَّة والجَندريَّة داخل نسيج المجتمع الفلسطيني.
نحاورها اليوم حول عوالمها السردية، وما تكتنفه من مشاعر إنسانية شائكة، نجحت في تقديمها إلى القارئ بأسلوب سردي غلب عليه التلميح والإيجاز:
* يظهر حضور الحيوانات في بعض عناوين مجاميعك («طريق النحل»، «أقرأ كافكا وكلبتي تحتضر») بشكل لافت. هل تمثِّل العلاقة مع الحيوان بديلًا يعوِّض فشل الروابط البشرية تحت وطأة التهجير، والحروب، والنفاق الاجتماعي، والسلطة الأبويَّة؟
لم أفكّر يومًا بالدور الذي قد يحمله وجود الحيوانات في قصصي، كأبطال لا كهامش فقط. فهي كانت موجودة هناك تمامًا كوجودنا نحن.
ويُحيلني سؤالك إلى بيئتي الأولى، القرية الجبليَّة على سفح جبل الكرمل، التي نهلتُ منها كتاباتي الأولى بزخم، وما زالت تتسلَّل إلى كتاباتي اللاحقة. وفيها كانت الحيوانات بأصنافها تحيا وتتنفَّس في الحيّز نفسه الذي نعيش فيه، ومنها مَن نُصادقه بكلِّ ما تحمله الكلمة من معنى: كانت الحمارة صديقة عمَّتي الصغرى في وحدتها ويُتمها. وكانت الكلاب صديقتنا كلَّنا تقريبًا، تشاركنا كوب الحليب الذي نشربه صباحًا. ما زلت أتذكّر امتعاض أخي وأمّي تسكب الحليب لعمّتي الزائرة، فيهمس لها: «لا تخلّصي حليب الجلبة!». وكانت الأفاعي تسكن في سقف أكواخنا ونأمن لوجودها أكثر من وجود غريب طامع في أرضنا، وكان خالي الراعي إن تجاوزت حدود الأمان المتَّفق عليه يسحقها ثمَّ يلفُّها حول عنقه وهو ينزل مع قطيعه عن الجبل.
كانت الماعز بأسماء تميّزها عن بعضها البعض مصدر رزقنا جميعًا، لكنَّها تجاوزت هذا الدور بكثير بالنسبة إلى جدَّتي التي كانت تطبطب عليها بدموعها قبل أن تُساق للذّبح.
كانت خالتي التي غلبها السرطان عن ثلاثة وأربعين عامًا، تُسمّي قططها وكلابها بأسماء أبطال مسلسلات الكرتون، وحين اختنقَ كلبها بحبل يلهو به وقفت تصرخ وتنادي على أخيها: «من شان ألله يا عبد الله! الچلب رح يموت!». أتذكَّر الآن صراخ الفجيعة عندما علمنا بموتها، لا يختلف عن صرختها يوم كادت تُفجع بكلبها.
غير أنّي لم أحبّ الحيوانات يومًا! لم أحبّها قريبة منِّي! كانت بالنسبة لي، وأنا المراهقة التي تكره قريتها وتحلم بحيفا ويافا مدنًا تسمو على قريتها وبداوتها، جزءًا من وصمة العار التي تلاحقني في المُدن. حين صارت الكتابة عندي، في بدايتها، مُصالحة مع الماضي ومع قريتي وهويّتي، أظنّ كان لا بدّ أن أعيد للكلاب والقطط والأفاعي مكانتها ودورها في تشكيل هويَّتي الأولى، فصارت المؤنسة والصديقة القريبة.
* تتخذ شخصيَّاتك النسائيَّة خاصَّة في «أمهليني صيفًا آخر» من النديَّة استراتيجية للتعامل مع الرجال. هل تمثل هذه النديِّة صرختك الوجودية للمطالبة بمساواة يدَّعي البعض أنَّها تحقَّقت وسط نظام أبوي لم يتغير جوهريًّا؟ وهل في صرختك وسيلة دفاعيَّة للكفاح داخل مجتمع ذكوري؟
تحمل الندّيّة أحيانًا كثيرة، بما فيها من مساواة وتنافس، انتصارًا معنويًّا للمرأة، وإن انحصر في عوالمها الداخليّة ولم يخرج إلى العلن. في قصص المجموعة، بل في كلِّ المجموعات على ما أذكر، النساء لا يصرخن مُطالبات بالمُساواة بل يُحقّقنها بطرقهنَّ الخاصَّة، حتَّى لو كانت من باب السخرية والاستخفاف بالرجل ودوره الموهوم، أو من باب المُجاراة كما يفعل الناضج مع الطفل.
ترافقني الصرخة الوجوديّة منذ استوعبت معنى الظلم، بعقل طفلة تسأل: «لماذا أمِّي وعمَّاتي وخالاتي لا يعرفن القراءة والكتابة بينما جميع الرجال في أعمارهنَّ يقرأون ويكتبون؟». جاءت الإجابة أنَّهنَّ حُرمن من المدرسة البعيدة فقط لأنَّهنَّ إناث، وإن تمكَّنَّ من القراءة والكتابة، ربَّما – وحاشا لله- يكتبن رسائل الحبّ إلى الحبيب!
اقترن عندي الظّلم ضدًّ الحلم والخيال. أظنّ أنِّي حينها كنتُ أشكِّل القصص في رأسي، من دون أن أكتب أو أفكِّر بأنِّي سأكتبُ يومًا. احتفظتُ بقدرتي على الارتحال بخيالي إلى جميع المناطق المحظورة وغير المحظورة. وانتصرت في خيالاتي لنفسي أوَّلا، ثمَّ لهنَّ، في كيف يجب أن تُعاش الحياة. لاحقًا حاولتُ أن أكون صوتهنَّ أيضًا في مجموعتي الأولى «سيدات العتمة»: انتصرتُ في قصص مثل «حياة من خشب»، «يوم ماتت حمارتي» وغيرها… لنساء عائلتي انتصارًا رمزيًّا بعد أن فات أوان النضال لنصر ملموس.
ثمّ علت الصرخة في المجموعات اللاحقة، وخرجت من قريتي إلى عالم أكبر، عالم يوهم المرأة بالمساواة، لكنَّه في الواقع لم ينجُ من فكرة أنَّ المرأة أقلُّ شأنًا وعقلًا وحقًّا.
* هل يعبِّر فعل الأمر في عنوان مجموعتك «أمهليني صيفًا آخر» عن الأمل، أم عن تأجيل قهريٍّ؟ وهل هذا الصيف استعارة لفردوس مفقود، أم لفرصة تاريخية فلسطينية ضائعة، أم لمجرَّد لحظة تنفُّس أخيرة؟
حضرت النساء المُسنَّات في المجموعات الثلاث الأخيرة، بشكل لافت حتّى بالنسبة لي. وحضر معهنَّ الخَرف والوحدة والأمنيات الضائعة والخسارات والانتظار. مُسنَّات بعمر نكبة فلسطين يتشبَّثن بالماضي على قسوته، ويعشن الحاضر بذهنيَّة صورة قديمة على الجدار، بأصص زهور وهميَّة، وبيت كان يضجُّ بالحياة. وكان الصيف بالنسبة إلى المرأة العجوز في «أمهليني صيفًا آخر» فرصة لتلتقي بمن غاب وهاجر، ولن يعود إلَّا لزيارة خاطفة. إنَّه الأمل الذي يُؤجِّل الموت، لكن للأسف لا يُنجِّينا منه. ولا عجب ختامًا أن يأتي الموت على يد ملاك أنثى بينما تتوسّل العجوز صيفًا آخر قد يحقّق لها أمنية لقاء الأحبَّة.
وربّما أكون، دون وعيٍّ منِّي، قد حسمتُ الفرصة التاريخيَّة الضائعة، بينما نسير نحن الفلسطينيُّون نحو المجهول.
* تعتمدين في كثير من قصصك على تقنية النهايات المفتوحة. هل يمثِّل هذا رفضًا لسردية تاريخية واحدة، أم هو دعوة للقارئ ليكون شريكًا في إكمال المعنى؟
لا أعرف بدقّة، لكنِّي أكتب النهايات قبل أن يكتمل المتن!
لا يمكن أن أكتب قصَّة دون أن تشغلني النهاية (القفلة). ولا أفكِّر في القارئ حين أكتب القصَّة، ولا يشغلني. ما يشغلني حقًّا هو القصَّة وأحداثها وشخوصها. أعود أحيانًا لأعدِّل البداية وفقًا للنهاية التي فرضت نفسها. في قصّة «زيارة ليليّة» من «الطلبيَّة 45C3»، جاءت النهاية صادمة حتَّى لي، إذ تحوَّل الحدث بأكمله: أصبح الرّاوي هو الميِّت، وصار أبوه هو الحيُّ. وعرفتُ ذلك حينما وصل البطل إلى باب المقبرة.
* القارئ لمجموعاتك يلاحظ أنَّك تميلين إلى التلميح بدلًا من التصريح. هل يحمل هذا التلميح صمتًا مقصودًا عن تفاصيل حياتيِّة أكبر وأعقد؟ وهل تجدين فيه أداة لتحويل القصَّة إلى فضاء للتأويل بدلًا من أن تكون خطابًا مباشرًا؟
القصَّة صنف أدبيٌّ يضع الكاتب أمام تحدٍّ ليس سهلًا. ومن وجهة نظري، لا تحتمل القصَّة الثرثرة والكلمات الزائدة والشّرح. أعتمد كثيرًا على الحذف والاختزال، ليس من مكان واعٍ ومقصود، وليس من باب وضع العوائق أمام القارئ واختبار ذكائه. القصّة عندي مشهد غير مُكتمل أراهُ عبر نافذة سيَّارة مُسرعة، وأنقلهُ مع بعض الخيال والتأويل. قالت لي صديقة قارئة بنبرة ناقدة: «تحتفظين بكثير من التّفاصيل في رأسك، إذ لا أجدها في القصَّة!». ويظلُّ هذا السّؤال يُرافقني في كتابة القصَّة: «هل يجب أن يُكتب كلُّ ما تقوله القصَّة؟».
* ما الذي يميِّز مجموعتك الفائزة «الطلبيّة C345» عن باقي مجموعاتك؟ وما الشيء الذي تُضيفه الجوائز الأدبية إلى مسار الكاتب وتحدياته؟
أظنُّها كانت تجربة جديدة بالنسبة لي، أن أخرج من الواقعي إلى السريالي. طرقت فيها بابًا لم أجرّبه من قبل بعد مجموعتين اعتمدتُ فيهما بشكل كبير على الواقعيَّة. وكانت المجموعة الوحيدة التي شعرتُ وأنا أكتبها بمتعة وفرح، ولم أجد فيها المعاناة التي ترافقني عادة في الكتابة. آمنتُ بها بشكل كبير، وكنت واثقة بتميّزها وأنا أرشُّحها إلى جائزة المُلتقى. يسعى معظم الكتَّاب والكاتبات ليحصلوا على الجائزة، وكنتُ محظوظة بأن أحصل عليها بعد خمس سنوات فقط من دخولي عالم الكتابة.
لكن الجائزة تكون في أحيان كثيرة، وأقولها بسخرية مُرَّة، سببًا في بعض العداء والكراهيَّة، في وسط أدبيٍّ وثقافيٍّ يُبنى على الشلليَّة والنفاق المُتبادل. فهمتُ مبَّكرا هذه المُعادلة، وفهمتُ كيف يحتفون بكاتب أو كاتبة «مشتبك» أدبيًّا، وكيف يتجاهلون من لا ينتمي لأيّ جماعة أو شلَّة. على الرغم من ذلك، ما زلتُ أشعر بأنِّي محظوظة بقلّة من القرَّاء، ومحظوظة أكثر بأنِّي أملكُ مشروعًا قصصيًّا لا يتأثَّر بهذه الضجَّة.
* في مجموعتك الأخيرة «أقرأ كافكا وكلبتي تحتضر» ابتعدت عن بيئتك البدوية وعن فلسطين كمسرح للأحداث، نحو فضاء كوني، تخاطبين فيها الإنسان. هل جاء هذا الابتعاد هربًا من جحيم فرضته أحداث 7 أكتوبر؟ أم هو مقاومتك الخاصَّة؟ أم هو بحثٌ عن معنى إنساني يتجاوز أتون الحرب والدمار؟
لم أبتعد عنها إلَّا لأراها خارج الألم القاتل، والعجز المُميت!
كتبتُ في المجموعة عن الموت والحياة، عن الخيانة والغشِّ والخوف وغيرهم… وأنا أتمنَّى في داخلي أن تكون هذه التفاصيل أكبر همومنا، وأن نعود كفلسطينيين إلى الشرّ الطبيعي الذي يقبله العقل البشريُّ، مُقارنة بشَرٍّ عجزت عن استيعابه منذ السابع من أكتوبر. وهكذا خلقتُ فيها لنفسي عالمًا موازيًا أهرب إليه من عجزي وقهري وخوفي، فكتبت عن فلسطين كجزء من العالم بكلِّ ما فيه من شرٍّ معقول وخير معقول.
