هجوم حضرموت والمهرة يُخرج الخلاف السعودي الإماراتي إلى العلن
من خارج أي سياق متوقع، على الأقل بالشكل العاجل، انفجر الوضع في جنوب اليمن. تحوّلت أنظار المراقبين من الصراع في الشمال، والذي بات تقليديا بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي المدعومة من إيران، إلى صراع تخرج ناره من تحت الرماد، لتطلق إنقساما دراماتيكيا داخل التحالف العربي الداعم للشرعية في البلاد من جهة، ويميط اللثام عن خلاف بين السعودية والإمارات كان خلفيا وجد في ميدان اليمن سببا جديدا لبروزه. وصلت الأزمة إلى ردّ عسكري سعودي يمني أنهى حالة المجلس الانتقالي الجنوبي وخروج قائده عيدروس الزبيدي من البلاد وانسحاب القات الإماراتية. فما الذي حصل؟
السعودية.. الخيار العسكري:

بدأت القصة حين قامت قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي بزعامة عيدروس الزبيدي، وهو كيان سياسي عسكري تدعمه الإمارات، بالاندفاع داخل محافظتي حضرموت والمهرة الحدوديتين مع السعودية وعُمان. ورغم أن “الانتقالي” هو جزء من العملية السياسية الشرعية والزبيدي هو نائب رئيس المجلس الرئاسي اليمني برئاسة رشاد العليمي، إلا أن هذا التحرك جرى بقرار أُحادي، من دون علم الحكومة والمجلس الرئاسي، ومن دون أي تنسيق مع السعودية قائدة التحالف العربي. وفيما لم تنجح مساعي الرياض بحل المعضلة بالحوار والدبلوماسية، تدهور الموقف إلى الصدام العسكري.
في 30 كانون الأول( ديسمبر) 2025، أعلنت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن الذي تقوده السعودية تنفيذ ضربة جوية “محدودة” استهدفت دعما عسكريا خارجيا بميناء المكلا. وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف اللواء الركن تركي المالكي إنه تم رصد دخول سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة في الإمارات إلى ميناء المكلا دون الحصول على التصاريح الرسمية من قيادة القوات المشتركة للتحالف. وأضاف أن طاقم السفينتين قام بتعطيل أنظمة التتبع الخاصة بالسفينتين وإنزال كمية كبيرة من الأسلحة والعربات القتالية لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بالمحافظات الشرقية لليمن (حضرموت، المهرة) “بهدف تأجيج الصراع، ما يعد مخالفة صريحة لفرض التهدئة والوصول لحلٍ سلمي، وكذلك انتهاكًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216”.
رافق الغارة بيان صادرعن وزارة الخارجية السعودية تعرب فيه المملكة عن “أسفها لما قامت به الإمارات الشقيقة من ضغط على “الانتقالي” لدفع قواته للقيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة، والتي “تعد تهديدًا للأمن الوطني للمملكة، والأمن والاستقرار في الجمهورية اليمنية والمنطقة”. وأضاف البيان أن” خطوات الإمارات الشقيقة بالغة الخطورة، ولا تنسجم مع الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن، ولا تخدم جهوده في تحقيق أمن اليمن واستقراره”.
أظهر البيان أبعادا جديدة لجذر المشكلة، فحذرت السعودية من أي مساس أو تهديد لأمنها الوطني الذي تعتبره خطا أحمر لن تتردد حياله في اتخاذ كافة الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهته وتحييده. وشددت على أهمية استجابة الإمارات لطلب الجمهورية اليمنية بخروج قواتها العسكرية من الجمهورية اليمنية خلال 24 ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن. وأملت السعودية أن تتخذ الإمارات الخطوات المأمولة للمحافظة على العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، والتي تحرص المملكة على تعزيزها، والعمل المشترك نحو كل ما من شأنه تعزيز رخاء وازدهار دول المنطقة واستقرارها.

سجال المتصارعين في اليمن:
في 30 كانون الأول ( ديسمبر) 2025 أيضا،أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي قراراً بإعلان حالة الطوارئ في كافة الأراضي اليمنية لمدة 90 يوماً قابلة للتمديد. وأكد أن القرار يأتي تأكيداً على الالتزام بوحدة اليمن، وسيادته، واستقلاله، وسلامة أراضيه، ولضرورة “مواجهة الانقلاب على الشرعية المستمر من العام 2014، والفتنة الداخلية التي قادتها عناصر التمرد العسكرية التي تحركت عسكرياً ضد المحافظات الشرقية بهدف تقسيم الجمهورية اليمنية”. وشمل القرار فرض حظر جوي وبحري وبري على كافة المواني والمنافذ لمدة 72 ساعة. كما وجه العليمي قوات “درع الوطن” بتسلم كافة المعسكرات في محافظتي حضرموت والمهرة.
وردا على الغارة السعودية، قال نائب رئيس هيئة المجلس الانتقالي الجنوبي، هاني بن بريك، إن ما جرى يمثل اعتداء رسميا من قبل السعودية على حضرموت ومينائها المدني. أضاف أن قصف ميناء مدني جنوبي يعد “انتهاكا فاضحا للقانون الدولي الإنساني”، مشيرا إلى أن المنشآت المدنية تتمتع بحماية قانونية، وأن الميناء يمثل شريانا اقتصاديا حيويا للتجار والمواطنين في حضرموت. اتهم بن بريك التحالف العربي بممارسة ما وصفه بـ”التضليل الإعلامي والسياسي”، عبر نشر صور ومقاطع مصورة لتبرير العملية العسكرية، معتبرا ذلك “سقوطا أخلاقيا”، على حد تعبيره. أعرب بن بريك عن مخاوفه من أن تؤدي هذه التطورات إلى خسارة السعودية لحلفائها، داعيا إلى “إنقاذ الملف من أيدي العابثين”، الذين قال إنهم لا يريدون خيرا للسعودية ولا للإمارات ولا للجنوب ولا للشمال.
لكن مراقبين رأوا أن عملية المجلس الانتقالي الجنوبي استهدفت التعجل في فرض مشروعه الإساسي الداعي لانفصال جنوب اليمن عن شماله والعودة إلى ما قبل الوحدة اليمنية حين كان الجنوب دولة مستقلة متعترف بها في الامم المتحدة.
ففي 9 كانون الأول (ديسمبر) 2025، قال رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن عيدروس الزبيدي إن الجنوب “يقف أمام مرحلة مصيرية ووجودية فرضتها معادلات الواقع السياسي والعسكري”. وهنأ شعب الجنوب على ما وصفه بـ”الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة الجنوبية باستكمال تحرير وادي حضرموت والمهرة بعد أن سيطرت قوات المجلس في الثالث من ذلك الشهر على محافظتي حضرموت والمهرة، موسعاً سيطرته على الأراضي اليمنية.
أشار الزبيدي إلى أن “الجنوب اليوم يقف أمام مرحلة مصيرية ووجودية فرضتها معادلات الواقع السياسي والعسكري”، لافتا إلى أن “شعب الجنوب قدم تضحيات جسيمة للوصول إلى هذه اللحظة الحاسمة”.واعتبر أن المرحلة القادمة ستكون مرحلة عمل مكثف، لبناء مؤسسات “دولة الجنوب العربي القادمة التي ستكون دولة عادلة وحاضنة لجميع أبناء الجنوب دون استثناء، قائمة على مبدأ الشراكة الوطنية، وتعمل على تعزيز الأمن والاستقرار، والتعايش الإيجابي مع دول الجوار، بما يجعلها جزءًا فاعلًا في المنظومة الإقليمية وصمام أمان في محيطها”. ثمّن الزبيدي الدعم الكبير الذي قدمه “الأشقاء في التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة”، وما اضطلعوا به من جهود سياسية وعسكرية وإنسانية أسهمت في تثبيت الأمن والاستقرار، وتأكيدهم الدائم على احترام إرادة شعوب المنطقة وخياراتها المستقبلية”.
في ذلك الوقت، وبالنظر إلى أن سيطرة المجلس الانتقالي قد تمت من دون مقاومة تذكر، تساءل مراقبون عما إذا كان الأمر هو نتاج صفقة إقليمية متفق عليها أم هو يشكل معركة إقليمية مؤجلة. ومع ذلك استبعدت مصادر قريبة من الحكومة اليمنية وجود صفقة كما نفت تحقيق “المجلس الانتقالي” انتصار عسكريا، واعتبرت أن هناك تقدما عسكريا حصل من خارج الاتفاقات المعقودة. فيما رأت مصادر مقربة من المجلس الانتقالي أن الحراك السياسي الحالي الذي يلوّح بدولة الجنوب هو نتاج محرومية قديمة لم تصحح خلال السنوات الأخيرة، بحيث غابت التنمية عن الجنوب ما يدفع باتجاه اتخاذ إجراءات سياسية. واعتبرت هذه المصادر أن التحرك العسكري كان ضروريا لإخراج ميليشيات كانت تمتهن التهريب بما في ذلك باتجاه تنظيم القاعدة والحوثيين، فيما ترى مصادر الحكومة أن الأمر كان يجب أن يتم من خلال القوات الحكومية طالما أن المجلس والزبيدي جزء من الشرعية وقواتها.
تحرك إسرائيل وإيران:
قبل الهجوم السعودي، كانت الرياض قد بعثت برسالة بشأن مزاجها وموقفها م تطوّرات الجنوب عبّر عنها، في 27 كانون الأول (ديسمبر) 2025، وزير الدفاع السعودي (نجل الملك وشقيق ولي العهد) الأمير خالد بن سلمان، بما اعتبر رسالة من المؤسسة الملكية. قال الأمير إن القضية الجنوبية ستظل حاضرةً في أي حل سياسي شامل ولن تُنسى أو تُهمش، وينبغي أن يتم حلها من خلال التوافق. أضاف أنه حان الوقت للمجلس الانتقالي الجنوبي تغليب صوت العقل والحكمة والمصلحة العامة ووحدة الصف بالاستجابة لجهود الوساطة السعودية الإماراتية لإنهاء التصعيد وخروج قواتهم من المعسكرات في المحافظتين وتسليمها سلمياً لقوات درع الوطن والسلطة المحلية.
واعتبر المراقبون أن قصف ميناء المكلا يمثّل أعلى مستوى من التصعيد الذي تستخدم فيه السعودية القوة العسكرية ضد المجلس الانتقالي الجنوبي. وأن التدحرج أتى بعد فشل الجهود الدبلوماسية السعودية والإماراتية لإيجاد تسوية تنهي أزمة سيطرة قوات “الانتقالي” على مناطق ومواقع في محافظتي حضرموت والمهرة. وأن الحدث أتى بعد أيام من إشارات سعودية عالية المستوى، صدرت عن نجل الملك السعودي وشقيق وليّ العهد، وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، تعبر فيها عن أن الأمر بات يشغل الرياض بالمستوى الملكي.
غير أن بيان وزارة الخارجية السعودية مثّل احتكاكا سعوديا علنيا بموقف الإمارات من الأزمة الأخيرة بعد أن سعى البلدان اخفاء خلافاتهما في ملف جنوب اليمن، فيما مثّل ما صدر عن رئيس المجلس الرئاسي اليمني ونائب رئيس المجلس الانتقالي تخاطبا سعوديا إماراتيا من خلال أفرقاء الصراع في اليمن. ويمثل موقف رئيس المجلس الرئاسي اليمني من الإمارات قطيعة غير مسبوقة تأخذ أبعادا سياسية وقانونية وعسكرية. وفيما تجنّب إعلام السعودية والإمارات الحملات المباشرة وتمسك بوصف “الأشقاء” في سعيّ لضبط الخطاب الرسمي للبلدين، فقد تم رصد إشارات إسرائيلية وإيرانية.
فقبل يوم من الهجوم السعودي، أي في 29 كانون الأول (ديسمير) 2025، كانت صحيفة معاريف الإسرائيلية نشرت أن إسرائيل تدرس الاعتراف “بالكيان المدعوم إماراتياً في جنوب اليمن لتعزيز التعاون الاستراتيجي ضد الحوثيين على ساحل البحر الأحمر”.
وبدا أن التوتر قد جذب أيضا إيران إلى لعب دور ما. ففي 28 كانون الأول (ديسمبر) 2025، ناقش وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية لا سيما التطورات في جنوب اليمن، وضرورة الحفاظ على وحدة البلاد وسلامة أراضيها وضرورة تنفيذ خارطة الطريق. وفي 29 كانون الأول (ديسمبر) 2025، في خطوة وُصفت بغير المعتادة، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية رسميا عن اتصال هاتفي جرى بين عراقجي ومسؤول في مليشيا الحوثي، هو عبد الواحد أبو راس القائم بأعمال وزارة الخارجية لحكومة الحوثيين بصنعاء. وهذه المرة الأولى التي تنشر فيها الخارجية الإيرانية بشكل علني تفاصيل تواصل مباشر من هذا النوع مع مسؤول في مليشيا الحوثي، بعد سنوات كان فيها هذا النوع من الاتصالات يُدار بعيدًا عن الإعلانات الرسمية. -بحسب ما ورد في بيان الخارجية الإيرانية، ركّز الاتصال بصورة أساسية على مناقشة التطورات الجارية في جنوب اليمن. غير رسمية للتدخل في شأن السجال اليمني في الجنوب والتلويح باعتراف بكيان جنوبي يكون مكمّلا لاعترف إسرائيل بإقليم أرض الصومال. كما تم رصد تحرّك دبلوماسي إيراني لدى الرياض والحوثيين في صنعاء تناول أزمة جنوب اليمن ما يكشف عن بحث طهران عن دور وموقف.
موقف واشنطن الملتبس:

تساءل المراقبون عن طبيعة الموقف الأميركي الغامض الذي خُيّل لأطراف الصراع أنه موات أو سيكون مواتيا لعملية عسكرية يقوم به المجلس الذي تدعمه الإمارات والرد العسكري الذي نفذته السعودية. وكان واضحا أن واشنطن تمارس تمرينا حساسا ودقيقا في الخروج بمواقف تمس حليفيها في الخليج. ففي 30 كانون الأول (ديسمبر) 2025، أي يوم غارة السعودية على ميناء المكلا، بحث وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في اتصالين منفصلين، مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد، التطورات الأخيرة في اليمن، وعدداً من القضايا الإقليمية. وقالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان، إن روبيو ناقش هاتفياً مع الأمير فيصل بن فرحان، التوترات المستمرة في اليمن، وبحثا القضايا التي تؤثر على الأمن والاستقرار الإقليميين.
في 26 كانون الاول (ديسمبر) 2025، كان روبيو قال إن الولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء الأحداث الأخيرة في جنوب شرق اليمن، داعياً إلى “ضبط النفس ومواصلة الجهود الدبلوماسية بهدف التوصل إلى حل دائم”.وأضاف روبيو أن واشنطن “ممتنة للقيادة الدبلوماسية لشركائنا: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة”، مؤكداً أن الولايات المتحدة “تظل داعمة لجميع الجهود الرامية إلى تعزيز مصالحنا الأمنية المشتركة”.
لم يرصد أي معطيات مباشرة أو تحليلات ضمنية تلمح إلى دور أميركي عسكري أو سياسي في الأزمة الأخيرة في حضرموت والمهرة. ورصد المراقبون موقفا حذرا للولايات المتحدة مع ميل نحو دعم وحدة اليمن والحكومة المعترف بها (المدعومة سعودياً). ورغم جسامة الحدث جنوب اليمن، لا سيما بعد قصف ميناء المكلا بحضرموت، لم يتناول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحدث ولم يعلّق عليه، خصوصا بوجود ضيفه آنذاك، رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتعتقد جهات بحث أنه بشكل عام، تبدو إدارة ترامب غير مهتمة بالصراع الداخلي اليمني أو الخلاف السعودي-الإماراتي، طالما أنه لا يؤثر على حرية الملاحة أو يعزز نفوذ إيران. كما أمه، رغم تواصل أجراه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان بشأن قضايا، منها اليمن، لم تظهر أي معطيات عن دور إيراني بالأزمة إلى مستوى يقلق واشنطن.
وفي المقارنة بين أزمة خلاف السعودية والإمارات الحالية وأزمة قطر عام 2017، يلفت مراقبون إلى أن ترامب اتّخذ موقفا منحازا لصالح تحالف السعودية والإمارات ضد قطر واتهمها بدعم الإرهاب “على أعلى المستويات”، وربط ما بين موقف القطيعة الخليجية مع قطر وزيارته قبل أسبوع من انفجار الأزمة إلى الرياض. وذكّر خبراء بأن الإدارة الأميركية كانت منقسمة آنذاك في مقاربة أزمة قطر. فمقابل موقف ترامب، أعرب البنتاغون والخارجية عن قلق من تأثير القطيعة على قاعدة العديد العسكرية الأمريكية في قطر، التي تستضيف آلاف الجنود الأمريكيين، ودعوا إلى حل دبلوماسي سريع.
وإثر انتهاء أزمة قطر في أعقاب القمّة الخليجية العلا في 5 كانون الثاني (يناير) 2021، تعامل ترامب وإدارته بترحيب وإيجابية معتبرين الأمر نتيجة جهود واشنطن. وإثر المصالحة قال كبير مستشاري البيت الأبيض آنذاك جاريد كوشنر، المكلف بالعمل على النزاع، إن الرئيس دونالد ترامب ساعد في التفاوض على الصفقة وكان يعمل على الهواتف حتى الساعات الأولى من صباح تلك القمة. لكن “واشنطن بوست” اتهمت الثنائي ترامب-كوشنر بالمسؤولية عن الأزمة أصلا. وتضع مصادر أميركية موقف ترامب من أزمة عام 2017 في سياق الضغوط على إيران، بينما ترتبط الأزمة الحالية بالحرب اليمنية ومخاطر استفادة الحوثيين، مما يجعل الولايات المتحدة أكثر حذراً لتجنب تفاقم الصراع.
وحدة الخليج تحت المجهر:
مثّل الخلاف السعودي الإماراتي بشأن اليمن أزمة انقسام جديدة داخل مجلس التعاون الخليجي بعد تلك مع قطر (2017-2021). وطرح الخلاف أسئلة بشأن وحدة المجلس واستمراره كمنظمة إقليمية ناجحة نسبيا. واشتغل الباحثون على دراسة مواقف بقية أعضاء المجلس من الخلاف لاستنتاج مآلات يمكن توقعها بشأن مستقبل الكتلة الخليجية.
فبعد التدخل العسكري السعودي ضد قوات المجلس الانتقالي أصدرت الدول الأربع المواقف التالية:
1-رحبت قطر بجهود الحكومة اليمنية لتعزيز الحوار حول القضية الجنوبية، وأشادت باستضافة السعودية لمؤتمر الرياض الشامل. وحذرت من الإجراءات الأحادية (مثل إعلان الانتقالي فترة انتقالية مدتها عامين نحو الاستقلال) التي قد تؤدي إلى الفوضى والانقسام.
2-أعربت البحرين عن قلقها العميق إزاء التوترات المتزايدة عقب الغارات والتصعيد، مشيرة إلى تأثيرها السلبي على سيادة اليمن واستقلاله واستقرار المنطقة. ودعت إلى إعطاء الأولوية للحكمة والعقلانية، ووقف التصعيد لتجنب تفاقم الأزمة. ركزت على الحفاظ على الوحدة اليمنية، مما يشير إلى موقف متوازن يتجنب الاصطفاف مع أي طرف، مع دعم ضمني لجهود السعودية في احتواء التصعيد.
3-دعت الكويت جميع الأطراف اليمنية إلى خفض التصعيد واللجوء إلى الحوار كأفضل وسيلة لتوحيد الصفوف وإنهاء الأزمة. ورحبت بدعوة المجلس الرئاسي اليمني لمؤتمر الرياض للمكونات الجنوبية، مشيدة بدور السعودية في استضافته.
4-جددت عمان دعوتها لضبط النفس والحوار وخفض التصعيد مع التأكيد على احترام سيادة اليمن وأمنه واستقراره. كما التقى وزير الخارجية العماني بنظيره السعودي في الرياض لمناقشة حل سياسي للأزمة. وتضع مسقط نفسها كوسيط محايد، محذرة من تحول اليمن إلى ساحة للمنافسات الخليجية.
وقد رصد الخبراء في شؤون الخليج نقاط التقاطع والتباين التالية في مواقف الدول الأربع:
1-تدعو هذه الدول إلى ضبط النفس، وتجنب التصعيد، واللجوء إلى الحوار كوسيلة أساسية للحل.
2-ترحب قطر والكويت وعمان بدعوة المجلس الرئاسي اليمني لعقد مؤتمر شامل في الرياض تحت رعاية سعودية لمناقشة القضية الجنوبية، مع الإشادة بدور السعودية في استضافته، فيما لم تذكره البحرين صراحة لكنها تدعم الجهود المماثلة للتهدئة.
3-تؤكد جميع البيانات على أهمية الحفاظ على وحدة اليمن وسيادته واستقراره، مع اعتبار ذلك ركيزة لاستقرار المنطقة. ولا توجد إشارة إلى دعم الانفصال الجنوبي.
4-لا يوجد في أي بيان إدانة مباشرة للغارات، بل يُركز على التطورات العامة والحاجة للتهدئة، مما يعكس حرصا على عدم تعميق الخلاف الخليجي.
وقد سجل الخبراء التمايزات التالية:
1-تبرز قطر دعمها الصريح للحكومة اليمنية الشرعية، وتحذر من الإجراءات الأحادية، مع إشادة بدور السعودية ما يجعلها أقرب إلى الرياص مقارنة بالآخرين.
2-تعبر البحرين عن قلق عميق تجاه التأثير على سيادة اليمن، وتدعو الشعب اليمني مباشرة لممارسة الحكمة والعقلانية، دون إشارة صريحة إلى دور سعودي أو إماراتي محدد. هذا يجعل موقفها أكثر عمومية وأقل تحيزا.
3-ترحب الكويت بدور السعودية في دعم اليمن. هذا يظهر تقاربا أكبر مع الرياض، لكن مع نهج وسيط يدعو لتوحيد الصفوف دون انتقادات.
4-تبرز عمان دورها الوسيط من خلال لقاءات دبلوماسية وتركز على إنهاء الأزمة من جذورها. ويعتبرموقفها أكثر حيادية، مع دعوة للحوار الشامل دون إشادة مباشرة بدور سعودي أو إماراتي، مما يعكس استقلاليتها التاريخية.
وتفرج البيانات الصادرة عن قطر والبحرين وعمان والكويت عن مواقف متقاطعة ومتباينة، وتكشف الحرج من جهة، وخيارات تلك الدول وميولها من جهة أخرى. ورغم احتمال أن تكون مرشحة للعب دور الوساطة بين، أظهرت قطر ميلا للسعودية. ويعود ذلك ربما إلى أسباب تعود إلى جذور للخلاف مع الإمارات لم يتم تجاوزها. كما أجادت عمان تقديم مواقف محايدة مبرزة بالنص والفعل دورها المعروف كوسيط، لكنها أظهرت تطابقا مع موقف السعودية، ربما بسبب الحدود التي تجمعهما مع حضرموت والمهرة في اليمن.
تفيد المواقف بأن الدول المعنية حريصة على تجنّب الاصطفافات التي من شأنها تهديد وحدة المجلس، كما تعويلها على مواقف وسطية تمهد سبل رأب الصدع بين دول الخلاف. وبالنظر إلى قيام الكويت بالوساطة لحل الخلاف الاماراتي العماني سابقا، ودورها في حل الأزمة الخليجية مع قطر، فقد تكون دولة مقبولة للعب هذا الدور في الخلاف السعودي الإماراتي الحالي. فرغم تواصل أمير قطر مع رئيس دولة الإمارات وولي عهد السعودية، فقد لا تكون الدوحة أفضل الخيارات للعب دور الوساطة بالنظر إلى عدم حيادها في أزمة اليمن ومعاداتها لخيار المجلس الانتقالي الجنوبي.
وما زالت عمان أكثر الدول حفاظا على لغة ومواقف وسلوك الحياد والوساطة ما يجعل مبادراتها المحتملة مقبولة، لكن دون ذلك خلاف مسقط وأبوظبي السابق وموقفها المؤيد لموقف الرياض في التعامل مع أزمة حدودية تخص البلدين. وترجح بعض الآراء أن إنهاء الخلاف بين السعودية والإمارات لا يتم إلا بجهد سعودي إماراتي مشترك حين تتوفر ظروف ذلك من دون الحاجة إلى وساطات خارجية.
انتهى الصراع بقرار سعودي يمني حاسم للتصدي لحالة المجلس الانتقالي إلى درجة خروج قائده عيدروس الزبيدي من البلاد وعدم تلبيته دعوة الرياض لمؤتمر للقوى الجنوبية. كما انتهى الصراع بقرار إماراتي بالانسحاب بشكل كامل من اليمن فاتحة بذلك سبل الخروج من أزمة اليمن وعدم تفاقم توتر علاقاتها مع السعودية أملا في إدارة رشيدة للخلاف.
نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن إسرائيل تدرس الاعتراف “بالكيان المدعوم إماراتياً في جنوب اليمن لتعزيز التعاون الاستراتيجي ضد الحوثيين على ساحل البحر الأحمر”. وتحركت إيران من خلال تواصل وزير الخارجية بتنظيره السعودي.
بالنظر إلى أن سيطرة المجلس الانتقالي قد تمت من دون مقاومة تذكر، تساءل مراقبون عما إذا كان الأمر هو نتاج صفقة إقليمية متفق عليها أم هو يشكل معركة إقليمية مؤجلة.
أتى الحدث أتى بعد أيام من إشارات سعودية عالية المستوى، صدرت عن نجل الملك السعودي وشقيق وليّ العهد، وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، تعبر فيها عن أن الأمر بات يشغل الرياض بالمستوى الملكي.
بيان وزارة الخارجية السعودية مثّل احتكاكا سعوديا علنيا بموقف الإمارات من الأزمة الأخيرة بعد أن سعى البلدان اخفاء خلافاتهما في ملف جنوب اليمن، فيما مثّل ما صدر عن رئيس المجلس الرئاسي اليمني ونائب رئيس المجلس الانتقالي تخاطبا سعوديا إماراتيا من خلال أفرقاء الصراع في اليمن.
لم يرصد أي دور أميركي عسكري أو سياسي في الأزمة، بل موقفا حذرا للولايات المتحدة مع ميل نحو دعم وحدة اليمن والحكومة المعترف بها (المدعومة سعودياً). ولم يتناول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحدث ولم يعلّق عليه.
ترجح بعض الآراء أن إنهاء الخلاف بين السعودية والإمارات لا يتم إلا بجهد سعودي إماراتي مشترك حين تتوفر ظروف ذلك من دون الحاجة إلى وساطات خارجية.
