رغم رحيل عبدالحليم حافظ منذ نصف قرن تقريبا،الا انه مازال حيا في اّذاننا، وفي ذاكرتنا، ولم يقترب مطرب اّخر ليزاحمه، رغم تعدد الاجيال،،وصعود أصوات كثيره ،مصريه وعربيه،الى اّفاق عاليه من الشهرة والنجاح ،الا ان عبدالحليم مازال النجم الغائب الحاضر،والصوت الاعلى مساحه من الطرب والنشوة،والرواء النفسي،للعطش الوجداني. للعذوبه ومعنى المتعه حتى الأشباع. انه عبدالحليم حافظ، ورغم رحيل قمم عاليه أخرى، في فن الموسيقى والغناء، مثل عبدالوهاب، وفريد الأطرش،ومحمد فوزي ،ووديع الصافي،الا انهم ليسوا في مستوى الذاكره ،التي تلح في استدعاء الطرب ،مع ان لهم رصيدا عظيما من الاعمال الخالده،بالأضافة الى انهم ملحنون كبار،في حين ان عبد الحليم كان مجرد (صوت) يغنى ،وهو في حاجة ماسة الى من يضع له اللحن الموسيقى، الذي يتربع عليه صوته .ومجمل هذه الملاحظات انها تقودنا الى سؤال هام وملح أيضا.هل كان عبدالحليم حافظ مجرد نبرة صوت جميله،أو أخاذه ،أو ساحره، ايا كان الوصف الذي يتفق عليه.ولهذا اصبح يتمتع بهذا الكم من العشق والوجع الوجداني لرحيله .في عصره كانت هناك بجواره أصوات شابه أخرى ذات جمال وقبول كان منهم في ذلك الزمن (محرم فؤاد وماهر العطار وعبداللطيف التلباني وعادل مامون) الا انهم رغم وجودهم ،و ،جمال ما يتمتعون به من عذوبة الصوت وجماله،لم يتمكنوا من الاقتراب منه اومن مزاحمته.بل هناك ايضا من اعلن الحرب اليه،وحاولوا ايجاد مطرب اّخر، يلتفون حوله، ويقدمون له الدعم الفنى والاعلامي،بحيث يكون قادرا على تهديد العرش الغنائي لعبدالحليم حافظ ،لكن الجمهور كان له رأي مختلف. حدث في البدايات الأولى لعبدالحليم،و قبل ان تسلط عليه الأضواء ان رشح للغناء في احد الافلام من انتاج فنانه كانت ممثلة واصبحت منتجه كبيره وهي (ماري كويني) الا انها اعترضت وقالت ان وجهه لا يصلح للتصوير،فهو ليس (فوتو جنيك). ويمكن ان يغنى ،ولكن بدون صوره،مما اثارعبدالحليم،واعتبرها اهانه. يضاف الى ذلك ان كاتبا معروفا اسمه (موسي صبري) كان قد طلب عبدالحليم بعد ان ذاع اسمه ليغني في احدى الحفلات التي يهمه امرها،واعتذر عبدالحليم بسبب وقته.
ثم شاءت الظروف ان مطربا شابا تقدم الى برنامج (ركن الهواه) وهو احد البرامج الاذاعيه التي تعمل على اكتشاف المواهب ،واسم هذا الشاب (كمال حسني) وغنى لعبدالحليم حافظ احد اغانيه ،ولفت النظر الى جمال صوته،فتقدمت (ماري كويني) والتقطت هذا الشاب،وقامت بعمل فيلم له (ربيع الحب)
وشاركته البطوله (شاديه)وتولى (موسي صبري)وكان رئيسا لتحريراحدى صحف اخبار اليوم عملية الدعايه للمطرب الجديد على نطاق واسع ،وبدى ان هذا المطرب يهدد عرش عبدالحليم حافظ ،من خلال حملة الدعاية الغير مسبوقه،ويشاء القدر ان يسجل الفيلم سقوطا لا مثيل له ،وتفشل خطة تنصيب مطرب جديد ،يمكنه ان يطيح بعرش عبد الحليم. مع ان الشاب كان يتمتع بصوت جميل وقام بالتلحين له (محمد الموجي) في اغنية (غالي علي) ولحن له منير مراد دويتو مع شاديه ( لو سلمتك قلبي واديت لك مفتاحه) . كان عبدالحليم عصيا على ان ينافسه احد ،والسؤال لماذا ؟يقول اساطين الموسيقى والغناء واهل الخبره في تصريحاتهم مايلي : الموسيقار عبدالوهاب .. ان عبدالحليم اولا نبرة صوت مختلفه ،يضاف الى ذلك قدره تعبيريه تنم عن احساس عال جدا ،لدرجة انني حين اشاهده يمثل في السينما اطرب له ،تماما كأنه يغني. تقول ليلي مراد حين اسمع عبدالحليم حافظ فانني اصدق انه يحب فعلا او حزين تماما ،لا اصدق انها مجرد اغنيه، ينتايني احساس بالشفقة عليه او السعاده له من خلال نبرات صوته . يقول الكاتب الكبير الراحل كامل الشناوي انا لا اصدق عبدالحليم الا حين يغنى. اصدق حزنه او فرحه . تقول المطربه أنغام عبدالحليم صوت جميل لاشك ،ولكن عبقريته في انه ينقل احساسه للمستمعين له ،فياسرهم تماما ،لأنهم يصدقونه فيما يغنيه. هذا هو سر عبدالحليم حافظ الدفين ،انه قادر بفضل احساسه العارم والمتدفق ،ان يعبر بصدق عما يغنيه ويردده على لسانه .يضاف الى ذلك نبرة الصوت في المخاطبه او التعبير ،صوته يحتضن بحنو بالغ ،مشاعر المستمع ،فيتوحد معه حبا وطربا،ونشوه .هذا بالتأكيد مكمن تأثيره الطاغي، وجماهيريته الكاسحه .
