فلسطينيٌّ واحدٌ يكفي لنعود 

 الفرادة، الرّمزيّة، والتكثّيف هي السِّمات الثلاث الأساسيّة التي ميّزت نوفيلا «لعنة صَبيّ كرات الطين» الصادرة باللغة العربية عن (هاشيت أنطوان – نوفل 2024)، للكاتب والمُترجم الفلسطيني مازن معروف، وذلك بعد صدورها بالنّسخة الأصليّة باللغة الإنكليزية عن دار (Comma Press)، ومن ثُمّ الهولنديّة Uitgeverij De Harmonie)). 

الفرادة: 

 يحكي معروف للقُرّاء على مستوى العالم بلغة خيالٍ يرتكز على الواقع عن السرديّة الفلسطينيّة بأسلوبٍ جديدٍ ومُبتكرٍ: شعبٌ بأرضٍ وتاريخٍ مقابل شَتاتٌ يريد ليس تزوير التاريخ وحسب، بل طمسه. 

يأخذنا معروف بخياله إلى المستقبل -ما بعد مئة عامٍ من النُّكبة- مُفترضًا تحقّق نبوءة قيام دولة إسرائيل الكُبرى غير الشرعيّة، حيث وكإجراءٍ أخيرٍ لطمس الحقائق يعتمد الاسرائيليون كلمة «فلاسطا» للتعبير عن آخر الفلسطينيين الباقين، والذين هُجروا إلى الجنوب. ثُمَ تُطلق عام 2037 على جنوب البلاد، قذيفةٌ بيولوجيةٌ تُطارد الفلاسطا أينما وُجدوا، لينجوَ في النّهاية طفلٌ وحيدٌ يتمتّع بمناعةٍ هائلةٍ استمدّها من أجساد الفلسطينيين المقتولين، وذلك حينما تناول الطين بينما كان يلهو مع جده، فيُكسبه هذا الطين طاقةً هائلةً تُعادل طاقة كلّ الفلسطينيين الذين أُبيدوا. وبذلك يغدو صبيّ كرات الطين آخر فلسطيني في «إسرائيل الكبرى»، وتحلّ لعنته على هذه البلاد، لأنّه إذا مات سيولّد نتيجة الطاقة التي يكتنزها انفجارًا يقضي به على كلّ مَن وما حوله، لذلك تنقلب الآية، حيث يقوم الإسرائيليون بحمايته. 

الرّمزيّة: 

 تعجُّ النوفيلا برموزٍ تتطلّب لاستعراضها جميعها إعداد بحثٍ كاملٍ، ونكتفي هنا بذكر أهم خمسة منها: 

أولاً: لم يمنح معروف صبيَّ كرات الطين اسماً، وكأنَّه رمزٌ لكلّ أطفال فلسطين الذين يمثلون المستقبل، هذا المستقبل الذي سيستمر في إخبار العالم بحقيقة من هُم أصحاب الأرض، ومن هُم أهلها. 

ثانياً: يرمز الأشخاص الشبحيون – الذين وفق خيال الكاتب يخرجون من صبي كرات الطين، ثمّ يذهبون ليأخذوا بالثأر ممن ظلمهم أو ظلم ذويهم، والذين أطلق عليهم الإسرائيليون اسم «الفلاسطا الأشباح» – إلى أنّ لعنة القتل والمجازر الجماعية بحق الفلسطينيين، ستبقى وصمة عار في تاريخ البشريّة، تُلاحق الإسرائيليين في قيامهم ومنامهم، جاعلةً منهم مرضى نفسيين؛ وإلى أنّ بقاء فلسطينيّ واحد على قيد الحياة قادرٌ على أن يحافظ على القضية وأن يضمن استمراريتها، والتي ستُهدّد وجود كياناً بأكمله. 

ثالثاً: استخدم معروف كلمة «فلاسطا» منذ السطر الثاني في النوفيلا، والتي ربما لن يلتقط القارئ معناها حتّى يصل إلى قراءة المقطع التالي: «تناول بن موشيه الأكبر كرات الطين منه محاولاً تهدئته: (أبي لم يعد اسمهم الفلسطينيون، لقد رحّلناهم إلى الجنوب. من تل أبيب وحيفا وعكا والجليل وكلّ مكان. وأخلينا المستوطنات في بئر السبع. وسمّيناهم الفلاسطا….)». وفي ذلك رمزيةٌ عاليةٌ إلى ممارسات الكيان الإسرائيلي لبناء دولته المزعومة، ليس من خلال القتل والتّهجير فقط، بل وأيضاً من خلال قتل الهوية وطمسها وتزوير التاريخ. 

رابعاً: للمُخيّلة في نوفيلا معروف رمزيةٌ عاليةٌ جدّاً، والتي لم تقتصر فقط على أسلوبه في سرد الأحداث، بل ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالإشارة إلى الحُلم، وهنا الحُلم يمثّل حتماً حُلم العودة، الذي لطالما ارتبط بمفتاحٍ ظلَّ يحمله الفلسطينيون في أيّ مكانٍ هجّروا إليه. كما يورد هُنا معروف مفارقةً بذكاءٍ عالٍ بين أطفال فلسطين، وأطفال الإسرائيليين عديمي المُخيلة، وفي ذلك إشارةٌ لانعدام الحُلُم في ذواتهم، لأنّهم ببساطةٍ ليسوا بأصحاب الأرض، لذلك يعمل الإسرائيليون على سرقة مُخيّلة الأطفال الفلسطينيين، وإكساب أطفالهم المُخيلة البديلة، لصُنع مستقبل مزوّر: «لطالما أردتُ أن أكون بطلاً خارقاً. لا لأُخلّص العالم أو كلّ أطفال فلاسطا، بل لأُنقذ أختي حين تُسلَب منها مخيّلتها. ولو سألتني أيّ بطل خارق تمنّيتُ أن أصبح، لقلتُ كائناً متناهي الصِّغر، يُطارِد الجراثيم والبكتيريا في أجسام الأطفال، ولسمّيتُ نفسي (روبومايكروب). وذلك لأنّني كنتُ متأكّداً من أنّ أختي حين تفقد مخيِّلتها، سيحدث لها ما يحدث لأطفال حوالينا. ستظلّ تشعر بالجوع، مهما تناولت من طعام، حتّى تموت. لأنّ الطريقة التي تُسلب فيها المخيلة من رؤوس الأطفال هنا، تُحدِث خللاً في الدماغ، وتجعله يحفّز المعدةَ على الشعور بالجوع كلّ الوقت. (معهد أهارون) ليس بحاجةٍ إلى مخيّلة أطفال فلاسطا، لكنّ المشرف عليه، بن موشيه الأكبر، أوجد طريقةً لاستعمال تلك المخيّلات…». 

خامساً: كان لجَدّ صبي كرات الطين ثورٌ اسمُه مختار، بكاه عندما طالَه الرشّاش في ساقه، وكانت لجدته شجرة جوافة بقيت تسأل عنها حتّى بعدما فُصِل بينهما بجدار الفصل، وظلّ حُلُم حياتها أن تراها لمرّةٍ واحدةٍ قبل أن تموت. وهُنا رمزيّةٌ بتكثيفٍ عالٍ لثنائية شعبٍ: بأرضٍ «الثّور والشّجرة» وتاريخٍ «الجد والجدّة». وبمفارقة ذكية، يستعرض معروف، الإسرائيلي زئيف على أنّه قاتلٌ، ابنُ قاتلةٍ (فوالدته قتلت والده)، ابنةُ قاتلةٍ (فجدّته قتلت جدّه)؛ ومن جانبٍ آخر يُمسك زئيف دائماً مُسدس من طراز «لوغو»، غنمَه جدّ أبيه من ضابط ألمانيّ في أحد معسكرات الاعتقال في نهاية الحرب العالمية الثانية. وهُنا رمزيةٌ بتكثيفٌ عالٍ إلى أنّ الإسرائيليين ليسوا بالشّعب، لتكون لهم أساساً ثنائية الأرض والتّاريخ، بل هُم شتات، تاريخهم مُرتبط بالقتل والمصالح. 

التّكثيف: 

 نجح معروف في الإضاءة على المحاور الأساسيّة في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، منذ البدء ووصولاً إلى المستقبل، بلغةٍ ذكيّةٍ مُكثّفةٍ بعيداً من التقريرية والخطابية، إذ يسرد الكثير من القصص من خلال تبويب النوفيلا في تبويبات اختار لها عناوينَ ملائمةً، والتي تروي بلغةٍ غير مباشرةٍ: الفلسطينيين، ماضيهم، تمسكهم بالأرض، ما تعرضوا له من مجازر ومجاعات وتهجير؛ ومن جانبٍ آخر الإسرائيليين وتفاصيل حياتهم القائمة على الشهوات والغرائز والقتل والتزوير. 

الخاتمة: 

يصل القارئ في آخر النوفيلا إلى نهايةٍ مفتوحةٍ لسردٍ خياليٍّ حول صراع الحقّ والباطل، تاركاً للضمير الإنسانيّ كتابة هذه الخاتمة.