منصة ملهمة تلتقي فيها الرؤى المحلية بالعالمية

أسبوع مسك للفنون 2025:  

من قلب المشهد الإبداعي المتجدد في المملكة العربية السعودية، يطلّ أسبوع مسك للفنون كأحد أبرز المحطّات الثقافية التي تحتفي بالفنّ بجميع أشكاله، وتفتح أبوابها أمام الخيال، والابتكار، والحوار الإنساني العميق. إنه ليس مجرد حدث فني عابر، بل تجربة ثقافية متكاملة تنسج بين الفنون البصرية، والتصميم، والأداء الحي، والأفكار المعاصرة، لتخلق مساحة نابضة بالحياة تجمع الفنانين، والمبدعين، والجمهور في حوار مفتوح حول الفن ودوره في تشكيل الوعي والهوية. 

يمثّل أسبوع مسك للفنون منصة ملهمة تلتقي فيها الرؤى المحلية بالعالمية، حيث تُعرض أعمال فنية جريئة تعكس تجارب فردية وجماعية، وتتناول قضايا إنسانية وثقافية بأساليب مبتكرة. هنا، لا يُنظر إلى الفنّ كنتاج نهائي فحسب، بل كرحلة تبدأ من الفكرة وتمتد إلى التفاعل والتأثير، في بيئة تشجّع على الاستكشاف، والتجريب، وكسر الأنماط التقليدية. 

ويأتي هذا الحدث امتداداً لرسالة مؤسسة محمد بن سلمان “مسك” في دعم المواهب الشابة، وتمكين الطاقات الإبداعية، وبناء مجتمع ثقافي حيوي يؤمن بأن الفنّ لغة عالمية قادرة على التعبير، والتغيير، وبناء الجسور بين الشعوب. لذلك، يحرص أسبوع مسك للفنون على تقديم برامج متنوعة تشمل المعارض، وورش العمل، والجلسات الحوارية، والعروض الأدائية، لتمنح الزائر تجربة غنية تتجاوز حدود المشاهدة إلى المشاركة الفعلية. 

“الحصاد” جالت على المعرض للتعرّف على التجارب الفنية الغنية التي يمكن للزائر عيشها خلال زيارته، فمنذ لحظة دخولك، يبرز بوضوح التنوّع الكبير في الأعمال المعروضة والبرامج المقدمة، التي تعكس عمق الحراك الفني المعاصر وثراء التجارب الإبداعية السعودية، وهذه ليست المرة الأولى التي يقام فيها تجارب إبداعية فنية تحمل في طياتها الأساليب المعاصرة العالمية في المملكة. 

عن معهد مسك للفنون  

تأسّس معهد مسك للفنون في الرياض، في ديسمبر 2017، وهو منظمة ثقافية غير ربحية تُعنى بدعم الفنانين محلياً وإقليمياً. يركّز المعهد على دعم الفنانين وإتاحة الفنّ للجميع. يقيم المعهد دورياً معارض فنية، برامج تدريبية متخصصة للفنانين والعاملين في القطاع الثقافي، برنامج إقامة، برامج تعليمية عامة، منح فنية عدا عن إقامة أسبوع مسك للفنون.  

وككلّ عام يختتم المعهد السنة بإقامة أسبوع مسك للاحتفال بالفنانين والفنّ، يتضمن باقة متنوعة من البرامج الفنية والثقافية التي تهدف إلى دعم الإبداع، وبما أن هذا العام هو عام الحرف اليدوية، فقد شهد أسبوع مسك ترابطاً كثيفاً بين نسيج الماضي وحداثة الحاضر في توليفة استثنائية جمعت أهل الفنّ. 

رحلة نحو الأثر  

لاقت البرامج الفنية والثقافية في أسبوع مسك قبولاً واسعاً من المشاركين والزوّار حيث تمكّن الفنانين من استثمار إبداعهم في كافة المجالات، وإثراء التجربة الثقافية للزوّار، من خلال الجمع بين الفنّ، التعلم، والتفاعل المجتمعي. ومن أبرز هذه البرامج؛ المعارض الفنية التي تضم أعمالاً متنوعة محلية ودولية، تشمل الفنون البصرية، والتجارب التركيبية، والفنّ المعاصر، وتتيح للفنانين مساحة لعرض رؤيتهم والتعبير عن قضايا ثقافية وإنسانية بأساليب مبتكرة. إلى جانب، ورش العمل الفنية وهي برامج تعليمية تطبيقية يقودها فنانون ومختصون، تركّز على تطوير المهارات الفنية، وتشجع على التجريب، واستكشاف تقنيات وأساليب جديدة في مختلف المجالات الإبداعية، عدا عن الجلسات الحوارية والندوات وهي جلسات نقاشية تجمع فنانين، وقيّمين، وخبراء في الفنون والثقافة، لمناقشة موضوعات تتعلّق بالمشهد الفني المعاصر، ومستقبل الإبداع، ودور الفنّ في المجتمع، إضافة إلى، العروض الأدائية التي تشمل عروضاً حيّة في مجالات متعددة مثل الأداء الفنّي، والموسيقى، والفنون الأدائية المعاصرة، وتضيف بعداً تفاعلياً وحيوياً لتجربة الزائر. 

كما تضمن أسبوع مسك، برامج تفاعلية وهي مساحات وتجارب فنية تتيح للزوار المشاركة والتعبير، وتحوّل الفن من مشاهدة إلى تجربة حية تعزز التواصل بين العمل الفني والجمهوروهي فرصة لدعم الفنانين والمواهب الشابة عبر برامج ومبادرات تهدف إلى تمكين الفنانين الناشئين، وإبراز المواهب الواعدة، من خلال الإرشاد، والعرض الفني، وبناء الشبكات المهنية. 

وأخيراً، ترافق مع المعرض سوق الفنّ والتصميم وهو مساحة تجمع الفنانين والمصممين لعرض وبيع أعمالهم، وتشجيع الاقتصاد الإبداعي، ودعم الإنتاج الفني المحلي. 

ظرف مكان 

ظرف مكان هو المعرض المرافق لمسك للفنون، اذ يقدّم قراءةً فنية عميقة في العلاقة الراسخة بين الإنسان والعناصر الطبيعية المحيطة به، وهي الأرض والبحر والسماء، ويتوزّع المعرض على ثلاثة محاور رئيسية هي: العتمة، النهار، والسَحَر، يضمّ أعمالاً لأكثر من 20 فناناً مقيمين في دول الخليج العربي، يستكشفون من خلالها قضايا تغير المناخ، والذاكرة الثقافية، وتجارب التعافي. 

مساحة… تجربة الإبداع الحرة 

“مساحة” هو أحد البرامج الفنية البارزة المرتبطة بأسبوع مسك للفنون ومعهد مسك، ويُعد منصة إبداعية تُمنح فيها الأولوية للفنان بوصفه صاحب التجربة والصوت، وللفن بوصفه مساحة حرة للتجريب والتأمل والحوار. 

يرتكز برنامج مساحة على إتاحة بيئة مفتوحة للفنانين لعرض أعمالهم وأفكارهم دون قيود تقليدية، مع تشجيع الممارسات الفنية المعاصرة التي تتقاطع مع الهوية، والذاكرة، والأسئلة الإنسانية والاجتماعية. فهو لا يقدّم الفنّ كمنتج نهائي فقط، بل كعملية مستمرة من البحث والاكتشاف، تُعرض فيها الفكرة وتطوّرها، ويصبح المتلقي جزءًا من التجربة. 

يتميّز مساحة بتنوّع أشكاله الفنية، إذ يضم أعمالًا بصرية، وتجارب تركيبية، وفنون أداء، ووسائط متعددة، ما يعكس انفتاح البرنامج على الأساليب الحديثة والتقنيات الجديدة. كما يتيح للفنانين، خصوصاً الناشئين منهم، فرصاً للتفاعل مع جمهور واسع، وبناء حوار مباشر حول تجاربهم وأسئلتهم الفنية. يهدف البرنامج إلى تعزيز التفكير النقدي، وخلق جسور تواصل بين الفنان والمجتمع، من خلال تقديم أعمال تطرح تساؤلات معاصرة، وتعبّر عن تحولات ثقافية وفكرية يعيشها الفرد اليوم. 

حوارات مع الفنانين المشاركين 

في حديث خاص له مع “الحصاد” يشير الفنان عبد الوهاب عطيف: هذه ليست مشاركتي الأولى في أسبوع مسك، فقد سبق لي أن شاركت في جميع نسخه، وكذلك مبادرات مسك المتنقلة في مناطق المملكة تحت اسم “تجلّت”. وفي الحقيقة هذا الأسبوع لم يعدّ للفنّ التشكيلي بل هناك حضور للموسيقى والورش الفنية المتنوعة في تنظيم رائع. مشروعي الفنّي هو الموروث السعودي المتنوع، خلال الثلاثين سنة الماضية ركّزت على تقديم الموروث السعودي برؤية معاصرة وخامات معروفة باستخدامها اليومي مثل السعف الذي أعيد صياغته وأقدّمه كعمل فني معاصر زاخر بالوحدات الزخرفية المستمدة من المنازل والأبواب القديمة، وكذلك باستخدام خامة الطين عبر تقنية بسيطة وطريقة تقليدية لصنع مكعبات في عمل فني تفاعلي لا يقتصر على الاستمتاع به على الحاسة البصرية بل يمكن الاستمتاع به باللمس من خلال الملامس المتنوعة وكذلك حاسة الشم فهذه المكعبات محروقة بطريقة تجعلها تتفاعل مع رذاذ الماء وتطلق رائحة التقاء المطر والطين بعد طول غياب. الخلاصة التي أود الوصول إليها هي أنني أقدّم الموروث التاريخي كعمل تراثي فكراً وخامة وتقنية. 

بالنسبة للفنان التشكيلي فهد العمار فقد كانت هذه التجربة مليئة بعبق الفنّ بجميع أطيافه في كل زاوية من زوايا المكان الملهم، اذ يقول: هذه المحطة من محطّات الفنّ التي أضافت لي الكثير من الفائدة الفنية والاجتماعية، من خلال تعدد مشاركاتي في أسبوع مسك، لفت انتباهي زخم الإبداع وتألّق الفنانين والفنانات بطريقة غير مسبوقة، الذين عكسوا الفنّ السعودي بأعمالهم بأجمل صورة تنبأ بمستقبل مشرق للفنّ السعودي ليكملوا خطى الفنانين السعوديين السابقين.  

وبالحديث عن أعماله الفنية في المعرض يقول: تحمل الهوية والثقافة السعودية بامتياز، فالفنان ابن بيئته، يعبّر عنها بأسلوب تجريدي رمزي مفتخراً بإرثها المشرف وحاضرها المشرق. حاولت العبور على بعض الرمزيّات التي تربطنا بالأرض، الإنسان، التربة، السماء، الجبال، النخيل، الزرع، الخيل والإبل، بالإضافة إلى الذكريات والحنين لهذه الأرض.   

وأخيرا، أشكر القائمين في مؤسسة محمد بن سلمان “مسك” على مجهودهم الدؤوب في سبيل الفنّ ونشر الثقافة الفنية البصرية بأسلوب معاصر، و دعمهم للفنانين وكل ما يخدمهم، وإسهامتهم في رفع الذائقة و نشر الوعي الفني والثقافي في المجتمع السعودي. 

أما هياء الفصّام، الفنانة التشكيلية، في حديثها للـ”الحصاد” قالت: “مشاركتي كفنانة تشكيلية باسمي هياء الفصَّام، قدَّمت فنوني بتنوع المقاسات والخامات مع الأسعار؛ لتكون تجرُبة بمتناول الجميع ويحصل عليها المُقتنين، وهي تُعتبر من التجارب القوية في الساحة الفنية أثناء توسُع وانتشار الفن بشكل شخصي بين الجمهور على اختلاف مجالاتهم وتخصصاتهم؛ مع الشكر لجميع المسؤولين والقائمين والمنظمين على كل ما تم تقديمه”. أركّز بلوحاتي على تعدد الخامات التي تدُور حول موضوع واحد واستلهامي من بيئتنا الزخارف الشعبية ومن تراث مملكتنا؛ فأبرزت جماليات وطننا في مجموعتي الفنية، يعُود ذلك تأثُرًا بالوالد حفظه الله الفنان التشكيلي إبراهيم الفصَّام. وأسعى دوماً لتحقيق رسالتي الفنية، ألا وهي أن يكون لكلّ فنان بصمة وطابع وأسلُوب خاص به مع رسالة هادفة يوصلها إلى الجميع من المتلقين على اختلاف أذواقهم. 

كيف تغيّر المشهد من خلال أسبوع مسك للفنون؟ 

أسبوع مسك للفنون تحوّل إلى محرك فعلي لإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والفن في السعودية. فمن خلال برامجه المتنوّعة ومساحاته الواسعة للحوار والتجربة، ساهم في نقل الفنّ من دائرة الهواية الفردية إلى فضاء مهني معترف به، تُمنح فيه الموهبة قيمة، ويُنظر إلى الفنان باعتباره صاحب مشروع وقدرة على الإنتاج والتأثير. هذا التحوّل يعكس اهتماماً مؤسسياً وثقافياً متنامياً بدعم الممارسات الإبداعية، وتوفير منصات مستدامة للمبدعين. 

كما خلق الأسبوع بيئة تفاعلية نادرة تجمع الفنانين بالجمهور في مساحة واحدة تتجاوز مفهوم العرض إلى مفهوم التجربة” الزائر لا يكتفي بالمشاهدة، بل يصبح جزءًا من العملية الإبداعية: يسأل، يجرّب، يشارك في ورشة، أو يتحاور مع فنان حول عمله. هذا النوع من التفاعل يبني جسوراً جديدة بين الطرفين، ويمنح الفنّ حياة يومية أكثر قرباً ووضوحاً في الوعي العام.