Home / قضايا اقتصادية / مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي… الوقود الجديد للتضخم العالم

مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي… الوقود الجديد للتضخم العالم

الإنفاق التريليوني على البنية التحتية الرقمية يرفع تكلفة الطاقة ويعيد رسم أولويات السياسة النقدية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطبيق ذكي على شاشات هواتفنا أو خوارزمية غير مرئية تُسهل أعمالنا اليومية؛ بل تحوّل في عام 2026 إلى كائن مادي عملاق وهائل، يمتلك شهية لا تشبع لالتهام الأراضي، وخطوط الطاقة، والمعادن الحيوية، ورقاقات الذاكرة. وبينما كان العالم يحتفل بوعود هذه التكنولوجيا الثورية في رفع الإنتاجية وخفض التكاليف، بدأت البنية التحتية الصلبة لهذا “الوحش الرقمي” والمتمثلة في مراكز البيانات الضخمة، تتحول إلى محرك رئيسي ومفاجئ لارتفاع الأسعار، ومحفز لـ”موجة تضخمية ثالثة” تضرب الاقتصاد العالمي من زاوية غير متوقعة. 

ولخطورة هذا الأمر على مستقبل الاقتصاد العالمي، لا بد من رصد الصراع الدستوري والنقدي في كواليس المصارف المركزية، وكشف ملامح الجدار الشعبي والبيئي الذي بدأت تصطدم به طموحات وادي السيليكون.

وفي التفاصيل، تخوض شركات التقنية الكبرى عالمياً، أو من يُطلق عليهم “العمالقة الخمسة المستضيفون للبنية التحتية السحابية” (Hyperscalers) وهم: ألفابت (غوغل)، وأمازون، وميتا، ومايكروسوفت، وأوراكل، سباق تسلح مالي غير مسبوق في التاريخ التكنولوجي. 

وتشير التقديرات المالية الصادرة عن مؤسسات رصد الأسواق مثل “فاكت ست” إلى أن الإنفاق الرأسمالي لهذه الشركات الخمس سيصل بحلول نهاية العام الجاري إلى رقم فلكي يُقدر بنحو 741 مليار دولار، مسجلاً قفزة هائلة بنسبة تصل إلى 75 في المائة مقارنة بالعام الماضي.

ولا يتوقف الطموح عند هذا الحد؛ إذ تشير تقديرات وضعها خبير اقتصادي بجامعة كولومبيا، وهو البروفسور ستين فان نيوبيرغ، إلى أن إجمالي الإنفاق على بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المصاحبة لها الممتدة حتى عام 2032 سيتجاوز حاجز 8 تريليونات دولار. ولتقريب الصورة إلى أذهان من يقرأ هذه السطور، فإن هذا المبلغ الضخم يعادل تقريباً خمسة أضعاف القيمة السوقية الإجمالية لكافة العقارات في مدينة نيويورك بأكملها.

هذا التدفق النقدي المرعب لا يذهب إلى فضاء افتراضي، بل يُترجم على أرض الواقع إلى مبانٍ خرسانية عملاقة، ومعدات حوسبة فائقة التعقيد، وأنظمة تبريد عملاقة لمنع الأجهزة من الاحتراق، وشبكات ألياف ضوئية معقدة، ومولدات طاقة احتياطية ضخمة لضمان استمرار الخدمة دون انقطاع لثانية واحدة. وقد بدأ هذا الضغط الهائل على الموارد المحدودة يتسلل مباشرة إلى جيوب المستهلكين في شتى أنحاء العالم.

“العدوى السعرية” تنتقل إلى الأسواق

بعد أن نجحت البنوك المركزية جزئياً في كبح الموجة التضخمية الأولى الناجمة عن جائحة كورونا وسلاسل الإمداد، والموجة الثانية التي أحدثتها صدمات الطاقة والحروب التجارية، يواجه العالم اليوم التضخم المدفوع بالطلب التقني.

ويتجلى هذا الأثر بوضوح في سوق رقاقات الذاكرة والتخزين؛ فمراكز البيانات تحتاج إلى كميات هائلة من هذه المكونات، ونظراً لأن المصانع العالمية تمتلك طاقة إنتاجية محددة، فقد أدى هذا الطلب المستجد إلى رفع أسعار الرقاقات الموجهة لكافة الصناعات الأخرى. ونتيجة لذلك، اضطرت شركات عملاقة مثل “نينتندو”، و”سوني”، و”مايكروسوفت” إلى رفع أسعار أجهزة ألعاب الفيديو والترفيه. 

وامتدت الضغوط السعرية لتطال الهواتف الذكية؛ حيث صرح الرئيس التنفيذي لشركة “أبل”، تيم كوك، بأن الارتفاع الحالي في تكاليف المكونات والإنتاج يمثل صدمة لم يشهد لها مثيل في أي قطاع على مدار الأربعين عاماً الماضية.

وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العمل الأميركية هذا المنحى؛ حيث قفزت أسعار المستهلكين لبرمجيات وملحقات الكمبيوتر بنسبة 15 في المائة على أساس سنوي، في حين سجلت أسعار الجملة للمكونات الإلكترونية واكسسواراتها قفزة قياسية بلغت 27  مقارنة بالعام الماضي، مما يعني أن هناك مزيداً من الارتفاعات السعرية القادمة في خطوط الإنتاج والتي ستنعكس حتماً على أسعار السلع النهائية قريباً.

اختبار وارش

أعاد الظهور الدولي الأول لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفين وارش، في منتدى البنك المركزي الأوروبي بمدينة سنترا البرتغالية، إشعال الجدل النقدي حول كيفية إدارة المصارف المركزية لملف التضخم المستجد. فرغم انقضاء أعمال المنتدى، لا يزال الانقسام الحاد يسيطر على الأوساط الاقتصادية حول طبيعة التضخم المدفوع بطفرة الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة القيادة الجديدة للفيدرالي على مواجهته.

وينقسم خبراء الاقتصاد حول هذه المعضلة إلى معسكرين رئيسيين:

المتفائلون (وعلى رأسهم وارش): يتبنون رؤية تاريخية ترى أن الذكاء الاصطناعي سيتحول في نهاية المطاف إلى قوة كبح تضخمية ضخمة. وتستند هذه النظرية إلى أن القفزة النوعية في الإنتاجية التي تمنحها التكنولوجيا للمصانع والشركات ستتيح لها تلبية الطلب المتزايد دون الحاجة لرفع الأسعار، وهو النهج الذي يدافع عنه وارش لتعزيز التنافسية الأمريكية وتبرير الإبقاء على مرونة السياسة النقدية.

المتشائمون (ويمثلون الأغلبية الهندسية للأسواق): يستندون إلى البيانات التي رصدتها “الجمعية الوطنية لاقتصاديات الأعمال”، حيث يؤكد 81 في المائة من خبراء الاقتصاد أن طفرة بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ستقود الضغوط التضخمية نحو الارتفاع وتُبقيها قوية طوال النصف الثاني من العام الحالي على أقل تقدير.

ويفسر كبير الاقتصاديين في “إي واي-بارثينون” ورئيس الجمعية، غريغوري داكو، هذا المشهد بقانون تاريخي ثابت، قائلاً: «في المرحلة الأولى من أي ثورة تكنولوجية كبرى، يحدث دائماً ضغط شديد على الموارد المحدودة، مما يولد بالضرورة قوة دافعة للأسعار نحو الأعلى». 

وتتقاطع هذه الرؤية مع تقديرات خبراء بنك “يو بي إس” والتي تشير إلى أن الأسواق بحاجة إلى عامين على الأقل قبل أن تبدأ ثمار إنتاجية الذكاء الاصطناعي في الظهور والمساعدة على خفض الأسعار، مما يعني أن فترات الصيف والخريف الحالية ستظل مثقلة بقرارات نقدية صعبة، لا سيما مع استقرار مؤشر التضخم المفضل لدى الفيدرالي عند مستويات 4.1 في المائة، وهي نسبة تبتعد بأكثر من الضعف عن المستهدف الرسمي البالغ 2 في المائة.

معركة الشوارع ضد المباني الصامتة

لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي محصورة في أروقة البورصات ومختبرات البرمجة؛ بل انتقلت حرفياً إلى أحياء المواطنين، والمجالس البلدية، وجلسات موافقات شركات المرافق الخدمية. وباتت مراكز البيانات المتمددة في الضواحي الرمز المادي الأكثر وضوحاً لتكلفة هذه الطفرة التقنية.

وأظهر تقرير حديث تحت عنوان “خلف الكواليس” صادر عن مؤسسة “ميلتاون بارتنرز” وشمل استطلاع آراء 7000 ناخب مسجل، تحولاً سلبياً في المزاج العام؛ حيث تبين أن 49 في المائة من المواطنين الأميركيين  يؤيدون فرض “وقف مؤقت” لعمليات بناء مراكز البيانات الجديدة، في حين لم يعارض هذا التجميد سوى 16 في المائة فقط. ولعلّ المفارقة الصادمة في التقرير هي أن 8 في المائة فقط من المعارضين يعيشون بالفعل بالقرب من مركز بيانات قائم، مما يعني أن الرفض ليس نابعاً من مضايقات الجوار المباشر كالأصوات والازدحام، بل هو رفض ناتج عن وعي مجتمعي عام بالآثار الجانبية للأمر.

ثلاثية الأزمة الحضرية

وتبلورت مظاهر هذا الغضب المجتمعي الموثق عبر منصات التواصل الاجتماعي والشهادات المحلية في ثلاثة ملفات حرجة:

أزمة فواتير الكهرباء: تستهلك هذه المراكز طاقات كهربائية مرعبة، ووفقاً لتقرير اقتصادي من “غولدمان ساكس”، ستستحوذ مراكز البيانات على نحو نصف نمو الطلب على الطاقة في الولايات المتحدة حتى عام 2030، مما سيتسبب في رفع أسعار الكهرباء للمستهلكين العاديين بمعدل 6 في المائة سنويّاً.

استنزاف المياه: تحتاج أنظمة التبريد في هذه المراكز لملايين الغالونات من المياه العذبة، وهو ما يثير رعب المجتمعات المحلية التي تعاني أصلاً من الجفاف وشح الإمدادات.

غياب المردود المحلي: يرى السكان أن بلدياتهم تتحمل ضوضاء الإنشاءات وضغط الشبكات، بينما تذهب الأرباح الضخمة وخلق الوظائف عالية الأجر إلى مقار الشركات التقنية في سان فرانسيسكو وسياتل، دون أن تستفيد ميزانيات المدن الصغيرة المستضيفة للمباني الصامتة.

هل الأرقام حقيقية أم فقاعة؟

وسط مخاوف من تكرار فقاعة “دوت كوم”، كشف تقرير حديث لشركة الأبحاث “إكسبوننشال فيو” أن مبيعات الذكاء الاصطناعي التوليدي العالمية (باستثناء الصين) بلغت 25 مليار دولار في الربع الأول من عام 2026، متجاوزةً التكلفة التقديرية لإهلاك الأصول البالغة 21 مليار دولار للمرة الثانية توالياً. ورغم أن الإيرادات تتوسع بمعدل أسرع بثلاث مرات من أي موجة تكنولوجية سابقة، فإن هامش الخطأ يظل ضيقاً؛ إذ يلتهم الإهلاك وحده ثلثي العوائد، مما يترك مساحة ضئيلة لتغطية الفواتير التشغيلية الباهظة كطاقة الأبحاث وأجور الكفاءات وخدمة الديون.

وفي حين يحذر مستثمرون بارزون من أن التطور السريع قد يجعل الرقاقات بالية خلال عامين أو ثلاثة بدلاً من عمرها الافتراضي المحدد بست سنوات، تُظهر حركة الأسواق صموداً لافتاً؛ إذ لا يزال سعر تأجير ساعة الحوسبة لرقاقات مثل” إنفيديا أتش 100″ يحتفظ بنحو 80 في المائة من قيمته الأصلية، مدفوعاً بالعجز المستمر في إمدادات رقاقات “بلاكويل” الجديدة.

تقف الثورة الصناعية الرابعة اليوم أمام معركة حسم حقيقية؛ فالقضية لم تعد كفاءة الخوارزميات، بل قدرة البنية التحتية الأرضية على تحمل التمدد الحوسبي، ومدى تقبل المجتمعات لكلفته التضخمية والبيئية. إن نجاح المصارف المركزية —بقيادة الفيدرالي الأمريكي بنهجه الجديد— في إدارة هذه المرحلة الانتقالية سيقود العالم لجني ثمار أكبر تحول تكنولوجي؛ أما إذا تعطلت شبكات الطاقة والمنظومات البلدية، فإن “الوحش الرقمي” سيجد نفسه محاصراً بجمود تضخمي يثبت أن العالم الافتراضي يظل محكوماً دائماً بموارد الأرض المحدودة.