Home / دراسات / إضاءات / سَكِينة بنت الحسين؛ سيّدة نساء عصرها، وناقدة أدبيّة

سَكِينة بنت الحسين؛ سيّدة نساء عصرها، وناقدة أدبيّة

“آمنة” (47- 117هـ) هو الاسم الحقيقيّ لسَكينة (بفتح السين وكسر الكاف) بنت الإمام الحسين وحفيدة النبيّ من ابنته فاطمة (ع)  وما اشتُهر من اسمها هو لقب يحمل معنى سكونها وهداوة طبعها وأنُسها وقد لقّبتها به أمّها: ” لعلها لحظت أن نفوس آلها الأكرمين كانت تسكن إليها لفرط مرحها وإشراقها..” 

سَكِينة أبيها

 يعود نسب والدتها الرباب إلى امرئ القيس بن عدي بن أوس الكندي ملك بني كلب، جمعت في دمها أثار النبوة من نسب أبيها الحسين وجلال الملوكيّة العربية  من أمّها الرباب.  وتذكر المصادر عن طفولتها  أنّها كانت حلوة الملامح، ذكية النظرة آسرة اللافتات . وفي كتاب عن سيرتها للدكتورة االباحثة عائشة عبد الرحمن (صادر عن دار الهلال،  ضمن سلسلة سيدات بيت النبوة) تذكر: ” طفولتها كانت مرحة، ما يؤكد أنها كانت مبعث أنس لآلها الكرام، ولأبيها الحسين، فتنقل لنا عن الأصفهانيّ في مقاتل الطالبيين؛ عن حبّ الحسين للرباب زوجته والسَكِينة ابنته في مقطع شعريّ: 

لعمرك إنني لأحبّ دارًا    تحلّ بها سَكينة والرباب.

أحبّهما وأبذُل جلُ مالي   وليس بلائمي فيها عتاب.”

وتتواتر الحكايات أنّه عندما أتى من يخطبها من أبيها الحسين على حياته قال عنها: ” سكينة غالب عليها الاستغراق مع الله، فلا تصلح لرجل”. 

ويذكر أنّ لها أخٌ من أمّها هو عبدالله، وإخوةٌ من أمهات أخريات على رأسهم الإمام علي زين العابدين، علي الأكبر، علي الأصغر، جعفر؛ والذين استُشهدوا مع أبيهم الحسين في معركة كربلاء، ما عدا الإمام زين العابدين. ولها أخت واحدة هي فاطمة . وتقول: بنت الشاطئ” وقد عاش بنوه الأربعة وبنتاه فاطمة وسكينة حتى بلغت معركة كربلاء ذروتها الرهيبة، ..” 

شهدت سكينة مع آل البيت فاجعة الحسين بكربلاء، وتحملت آلام السبيّ مع أمّها وعمتّها زينب ونساء العترة الطيّبة.

 الأرملة المقهورة

وعن حياتها الشخصيّة، تذكر المصادر بأنّ مصعب الزبير كان أوّل زوجٍ لها وذكر ابن خلكان أن مصعب أول أزواجها “وكان مصعب هذا قد تزوج قبلها عائشة بنت طلحة بن عبيدالله، غادة قريش التي خلدها الشعراء”.

كان مصعب على عداء مع السلطة الأمويّة، وقد استشهد في معركة مع أخيه عبدالله بن الزبير في ثورتهم على الحكم الأمويّ، وهو ما أعادها إلى شجن كربلاء وأورثها نقمة مضاعفة على الأمويين الذين تسببوا في يُتمها سابقًا ثم جعلوها أرملةً بمقتل مصعب.  وقد أنجبت منه ابنة هي الرباب، وذكر لها البحاثة في سيرتها أكثر من زيجة بعد مصعب. 

 وقيل في الروايات المذكورة عن سيرتها؛ أنّ الأصبغ بن عبد العزيز المرواني كان حاكمًا على مصر، عندما خطبها من أخيها الإمام علي زين العابدين، وفي طريقها إلى مصر، سمعت عنه أنه رجلٌ دميم الخُلق وظالم، فقالت: ” والله لا يكون زوجًا لي!” فما إن وصلت حتى عرفت أن الأصبغ قد مات قبل أن تراه ويراها.  

عصرٌ مضطرب، وسيّدة تحاوطها الأقاويل

 كانت سكينة تُجالس الشعراء والأجلّة من قريش، من دون أن تتنازل عن شرفها الرفيع، أو تخلّ بموضعها من بيت النبوّة. 

كان المجتمع الحجازيّ في مكة والمدينة في العصر الأموي قد فسد وانحل نتيجة سياسات الأمويين الذين عزلوا الأشراف من الحجازيين عن الملك والشؤون السياسية، كانت حياة ملوكهم حياة عبث ولهو، وكانت هناك حركات معارضة سياسيّة جاهدت سياسة الظلم والإقصاء السياسي ( وإن لم تبلغ مرامها)، على ما ذكره طه حسين في ” حديث الأربعاء” . ومن هذه الحركات ثورة عبدالله ابن الزبير والتي كادت أن تبتلع الدولة الأموية والعنصر الأموي بالاستناد إلى قول العلايلي  في كتابه “أشعة من حياة الحسين”.  

وقد مثّل شعر عمر بن أبي ربيعة هذا الجو والعصر الماجن، ويقال أن عمر بن أبي ربيعة قد تغنى بها هو وكثير من الشعراء والمغنّين .. ومما تذكره بنت الشاطئ: ” ولم يكن شعره بسكينة إذا صح أنه قيل، ليس فيه فحش”.

ويقال أنّه كان لها نديمًا يُدعى أشعب: ” وكان أشعب يخدمها وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره. ” 

في فصل عملت فيه بنت الشاطئ على إنصاف السيدة سكينة وتنقية ما علق في سيرتها من شوائب الروايات التي وضّعها المُغرضون، والتي جعلت من مجالس سكينة مجالس طرب وغناء؛  وتتساءل:

 “هل كان مروان بن الحكم، يسمع أم البنين تندب أعمام سكينة، فيبكي لها، وسكينة تبكي بدموع ذوارف على الخدين والجلباب، لفراق عمر ابن أبي ربيعة، وتصغيّ إلى شدو المغنين؟!”  

وهل كانت سكينة تصمّ أذنيها عن هتاف التوابين، وترغم ابن سريج على الغناء في دارها مع عزة الميلاء! وتفتنه عن توبته عن الغناء؟! ” (وقد ذكرت بنت الشاطئ هذه رواية -ابن سريج مع أشعب والسيدة سكينة- المغرضة بتفصيل يستعصي على التصديق على من هي من سلالة بيت (النبوّة).

سيّدة نساء عصرها

ومما تنقله بنت الشاطئ أنّ السيدة سكينة كانت بادية الاعتزاز بنسبها العالي وشرفها الرفيع، وكان خصومها وخصوم آلها يقرّون لها بهذا الاعتزاز ويرونها أهلًا لأن تباهي به من تباهى فتُسكته. 

وتذكر أنّها كانت تعتز بجمالها وتعده من نعم الله عليها، وأنها عُرفت بأناقتها المشهورة، وطرّتها السكينيّة المبتدعة، ممَا يؤكّد أنّها امرأة محبّة للحياة تجيد الفصل بين ما تُظهره من جمال وظرافةٍ وشجاعة وما تكنّه في قلبها وتبثه في شكواها لله عابدة وزاهدة، ” مستغرقة مع الله” كما قال عنها الحسين (ع).

وتتحدث عن شجاعتها، وقدرتها على ضبط النفس،  والسيطرة على وجدانها، ولعلّ في ما عرفناه من حياتها ما يشير إلى ذلك وهي صاحبة أوّل مجلسِ أدبيّ في زمانها. 

ناقدة وأديبة

تتفرغ بنت الشاطئ في فصل من كتابها الحديث عن سَكينة الأديبة الناقدة، وهو الدور الحقيقي لها في المجتمع، وتذكر مجموعة أبيات قيل أنّها لها وقد رثت بها أبيها الحسين(ع) في قصيدة، نذكر منها: 

إنّ الحسين غداة الطفّ يرشقه    ريب المنون فما أن يخطىء الحدقة.

بكفّ شرّ عباد الله كلهم         نسل البغايا، وجيش المرقة الفسقة..”

إلى أن تقول :

” يا عين فاحتفلي طوال الحياة دما    لا تبكِ ولدا ولا أهلا ولا رفقة.”

لكن على ابن رسول الله فانسكبي.   دما وقيحا، وفي أثريهما العالقة.” 

 وهي أبيات منقولة عن كتاب أمالي الزجاج. 

وعن دورها النقديّ؛ كانت سيطرتها الأدبيّة ترجع في الحقيقة إلى علو كعبها في فن القول، وحساسيتها المرهفة في ذوق الشعر وإدراكها البصير لمواطن التأثير ودوافع القول وأسرار البلاغة والبيان. 

وتذكر بنت الشاطئ، نصًا قالت أنه كان السبب الذي قلّدها منصب الناقدة الأدبيّة في عصرها: حيث  أنشدت  قول الحارث بن خالد المخزومي، في وصف النساء في الحج: ففرغن من سبع وقد جهدت    أحشاؤهن موائل الخمر. 

فعلّقت سكينة ساخرة ومستنكرة مبالغة التشبيه:”  قبحه الله لو طافت الجمال سبعًا لجهدت أحشاؤهن”  في إشارة  إلى أن التعب  الذي أصاب النساء في الطواف طبيعي ولا يستدعي هذا الوصف، بل إن الإبل لو طافت مثلهن لتعبت أيضًا.. فهي كانت مُنتَبِهة ومتَنبّهة ورهيفة الحسّ.

وتنقل لنا كيف أن الشعراء كانوا يجتمعون في ضيافتها  من وراء حجاب فتقعد لهم فتراهم ولا يرونها، وتسمع كلامهم. وتأمر وصيفة لها تروي لهم أخبار الشعر والحديث، تسألهم عبرها وتنقل لهم حكمها وردّها. ولها مع كبار الشعراء مواقف وأحكام تذكر منهم جرير،الفروق، نصيب، جميل بن معمر،  وهي أخبار جاءت في كتاب الأغاني،  وكانت معروفة برجاحة عقلها، وبصيرتها الواعية بالشعر، فكانت تثني وتجزي وكانت تقبّح وتردع من لا تجده أهلا للقول. وكانت دالة الشعراء إذا اختلفوا، دقيقة في التفاتاتها النقديّة، ولم تكن تخشى خاطرًا تنكر ضعف الشاعر وسوء أدبه في مواقع من شعره، صريحة القول جريئة الحكم، وتفيد أنّه عقدت لها إمامة الشعر في عصرها، واشتدت في رقابتها الأدبية على الشعراء، فمضت تكشف عن مواضع المؤاخذة، وتهدي إلى أسرار التعبير، ..” 

في مقالة بحثية (صادرة عن مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد ١٥، الصالونات الأدبية مكان أنثوي سياق ذكوريصالون ولادة بنت المستشفي أنموذجًا نور الهدى مباركية ،   وليلى بلخير، جامعة العربي التبسيط تبسة.)

“من مظاهر تأنيث المكان وذكوريته، نجد مجلس السيدة سكينة… إذ أنشأت مجلسا أنثويًا قائمًا على أنقاض مجالس ذكورية، وكانت في مجلسها تحكم بين أفذاذ الشعراء… فهي بذلك ثارت على النظم الاجتماعية التي كانت تقيّد المرأة ، وهي بتأنيثها المكان الذكوري جعلت من نفسها منافسة لجهابذة عصرها من الشعراء. ” 

ومن الملاحظات التي ذكرت عن منهجها النقدي، أن معظم الأحكام كانت تدور حول الأغراض الغزلية، وكان نقدها ناتج عن تفاعل نفسيّ مع الأبيات، وقياس معيار الصدق في الأحاسيس المبثوثة لذا مرّ معنا أنها كثيرا ما كانت تقول للشاعر الذي تحكّم آلياته ( صدقت، أو كذبت.. و) وتعلّل حكمها بالاستشهاد والشرح. 

وفي مقال (لـ بهيجة باقر الحسني، بعنوان: الأديبة الناقدة السيدة سكينة بنت الحسين، صادر عن كلية الآداب في جامعة بغداد ١٩٨٠)

تقول  هي من عائلة خصّت بخمس: بصياحة، وفصاحة، وسماحة، ورجاحة، وحظوة، فلا غرابة أن تعقد لها إمامة النقد في عصرها، وأن يحتكم إليها الشعراء والرواة، تؤهلها شاعرية فذة، وثقافة واسعة، وألمعية فياضة، وذوق رفيع، وحس مرهف، ووجدان صادق، وقلب واسع، ولسان فصيح، وخلق هاشمي نبيل”،  وتوضّح أن مجالستها الشعراء لم يكن لينال من خلقها ومهامها وهي بذلك ترد على علماء الدين، الذي نفوا هذا الجانب من شخصية ودور السيدة سكينة. 

بين طيبة ومقامها في مصر

عاشت السيدة سكينة حتى الثمانين من عمرها، وذكرت بنت الشاطئ أنها دفنت في طيبة مدينة جدها الرسول. وقد أشار لهذا الخبر المؤرخون منهم ابن خلكان في الوفيات، وابن العماد في الشذرات، وصاحب الأغاني  فصل في الخبر كما جاء في كتاب بنت الشاطئ . في عهد خالد بن عبد الملك وتذكر رواية مثيرة عن كيف بات جثمانها الطاهر يوما وليلة قبل أن يوارى الثرى بأمر من خالد بن عبد الملك الذي كان عاملًا على المدينة في عهد هشام بن عبد الملك بن مروان، حتى أمر أخوها علي زين العابدين بأعواد طيب أوقدت حول سريرها. ليصلى عليها صبح اليوم التالي. سنة ١١٧ ه .

وفي مصادر أخرى عن مقامها المعروف في مصر، أنّها بعد خبر وفاة الأصبغ الزوج الذي لم تره ولم يرها، بقيت لأشهر هناك ورجعت بعدها إلى المدينة المنورة،  وانتقلت بعدها إلى دارها التي ورثتها عنه في مصر حيث بقيت بها إلى أن وافاها الأجل. ثم أصبحت هذه الدار مشهدًا ومسجدًا بجانب مقام السيدة نفيسة ومعروف أن بيوت أهل البيت غالبًا ما تصبح قبورهم. وهو ما ينقله الشيخ أبو النور محمد، (على قناة المحور في حديثه عن سيرة السيدة سكينة  في برنامج مدد الذي عرض في ٤. حزيران ٢٠١٧. ) 

وبين طيبة ومصر، مسافةٌ من الحبّ والإجلال الذي حمله – ولا يزال – التاريخ عبر الزمن لسيّدة لها مقامها المحمود في بيت النبوّة، ولها مقالها المشهود في كتُب النقد والمرويات الأدبيّة.