في عالم الفن تكون الموهبه هي الاصل،وهي محور الاهتمام ولفت النظر،والتنبه الى الشئ اللافت والكامن في الشخصية، خصوصا ان كانت تشير الى اذن موسيقيه ،اوالى صوت رخيم يشد الآذان ويملأ الوجدان . ولكن ان كانت الموهبه،مجرد هبه من السماء،ولا تجد نصيبا من الرعاية اللازمه ،والعناية التي تمثل الحاضنه التي تنمو في كنفها،كما لا تجد كذلك الظرف الذي يدفع بها الى الأمام فمن الصعوبه ان تجد طريقا للأنطلاق، وينطبق ذلك بلا جدال على الدراسه ومعها ايضا المثابره والأجتهاد، ان لم تتوفر لهما القاعده التي يمكن البناء عليها ،وهي (الموهبه) فهو جهد ان بذل ،وظهر، بلا تلك المنحه الالهيه وهي الموهبه فان النجاح – ان حدث – يكون محدودا وموقوتا ،فالموهبه بالنسبة لكل حرفه هي الروح التي تشع وتبهر، وتنثر الضياء على كل عمل يتحقق ويثمر انجازا.الموهبه وحدها دون صقل ورعاية،هي ظاهره بلا مستقبل وبالتالي دون، امتداد ،بل انها في الغالب قد تضمر،وتتهاوي حتى تندثر.انها كالنبات تمثل جذرا يكون في حاجة الى رعاية ،حين يتم زرعه لكي ينمو ويمتد وتنضج ثماره وتمتلىء بها العيون ،ويشبع بها الوجدان . وان لم يتوفر لها ذلك المناخ فربما تجد نفسها خارج الخدمة على حين غرة. لكن على الجانب الآخر،ان لم تجد الموهبه طريقا لكي تروي بانتظام وتنهل من الماء الذي يكسبها الحياة، فلا امل في الاستمرار، واستكمال دورة النضاره وبالتالي،الحياة والازدهار. مازلت اذكر حديث مطربة الاوبرا المصريه (فاطمه سعيد) في حديثها مع الدكتوره (دريه شرف الدين )حين حدثتها عن مراحل نجاحها فقالت( انها لم تكن تعرف ان صوتها له تميز الا حين استدعاها المشرف عن جانب الهوايات في المدرسة الألمانيه في القاهره، وقال لها انه يتابع مشاركتها في فريق(الكورال) ويرى ان لها صوتا يصلح للأوبرا،واصطحبها الى (مدا م رطل) ،لكي تقوم بتدريبها، ورعاية صوتها ،ولكي تنطلق بعدها ( فاطمه سعيد) لتكمل دراستها في فن الاوبرا في جامعه المانيه،وتقول (فاطمه سعيد ان الموهبه لا تشكل سوى واحد في المائه ، من العمل المتواصل، لكي ينضج الصوت ويتلاءم تماما مع فن الاوبرا.يذكر ان مدام رطل استاذه في معهد الكونسرفتوار بالقاهره، وقد اشرفت من قبل على اعداد المطربه (عفاف راضي) كمطربة اوبرا قبل ان تتحول على يد (بليغ حمدي) الى مطربه تغنى العربيه وكانت اولى اغنياتها (ردوا السلام).لذلك لم تستمر كمطربة اوبرا، وقل انتاجها كمطربه في عالم الطرب.
عبد الوهاب وتكوينه الفني والثقافي
بدايات عبد الوهاب كانت تقليدية، فقد نشأ في أسرة متوسطة الحال، وقد ولد باسم محمد عبد الوهاب محمد عيسى يوم 13 مارس 1902 في حارة (برجوان) في حي باب الشعرية بالقاهرة، وكان والده يعمل مؤذناً وقارئاً للقرآن في مسجد (سيدي الشعراني) في الحي نفسه، وترجع أصول الأسرة من قبل إلى مدينة (أبو كبير) في محافظة الشرقية.
حفظ محمد عبد الوهاب عدة أجزاء من القرآن الكريم، وكانت بداياته الفنية في أداء الموشحات الدينية، التي كان يسمعها من المقرئين في المسجد، وقد تركت نشأته الدينية أثراً كبيراً في نفسه، ولذلك كان يستنكر فيما بعد، حين لمع اسمه، بعض التعبيرات التي يتداولها أهل الفن مثل: (أنا خلقت هذا العمل)، فيقول: (لا، أنا ابتكرت هذا العمل، فلا يوجد سوى خالق واحد هو الله سبحانه وتعالى)، كما كان لا يحب قول: (جاءني إلهام بذلك اللحن)، ويقول: (جاءني خاطر بذلك اللحن).
كان لديه حساسية شديدة من أي مصطلحات تقترب من الإيحاءات الدينية.
ولعه بالغناء جعله يهمل انتظامه في المدارس وواجباتها الدراسية، وتعلق إلى حد التطرف بهواية الغناء وفن الطرب، وشغف بالاستماع إلى شيوخ الغناء كالشيخ سلامة حجازي، وعبد الحي حلمي، وصالح عبد الحي، وكان يذهب إلى الموالد والأفراح التي يغني فيها هؤلاء.
وقفت أسرته ضده في البداية، ولكن بعد هربه إلى الإسكندرية، وغنائه في سيرك، ذهب خلفه شقيقه الشيخ حسن عبد الوهاب (والد المطرب سعد عبد الوهاب)، وعاد معه إلى القاهرة، وحتى يوفروا الأمان للابن، وعدم القلق للأسرة، سمحوا له بمزاولة فن الغناء والطرب على مقربة منهم في القاهرة.
عمل عبد الوهاب مع فرقة الشيخ فوزي الجزايرلي، وكان يردد أغاني الشيخ سلامة حجازي بين الفقرات، وكذلك مع فرقة عبد الرحمن رشدي، حيث التقى من خلالها بفرصة عمره، ونقطة التحول في حياته.
التقى أمير الشعراء الشاعر أحمد شوقي.
اللقاء مع احمد شوقي
حين خرج محمد عبدالوهاب الى المسرح،وغنى،فأطرب احمد شوقي، ولكن راعه امرين جمال الصوت ،وصغر السن، وتغلبت شفقته على طربه،فاتصل في صباح اليوم التالي بحكمدار العاصمه القاهره وكان انجليزيا ،وقال له في بلادكم تحنون على الطفولة،ولكن في المستعمرات لا تولونا ذلك اهميه
والا كيف يسهر طفل طوال الليل يغنى في مسرح، وكيف يعود الى بيته، ومن يهتم به؟. ذلك سيئ ولا يحتمل انسانيا.اصدر الحكمدار امره بأن لا يغني عبدالوهاب،وبالتأكيد كانت فرصة اعدها القدر، لكي يلتحق عبدالوهاب بعد ان تفرغ،بالمعهد الشرقي للموسيقى العربيه،الذي تطور بعد ذلك واحتضنته الحكومه ،وأصبح (معهد الموسيقى العربيه).وكان معهدا قام بانشائه مجموعة من باشوات ذلك الزمان لعشقهم للموسيقى والطرب،وتعلم عبدالوهاب فن العزف على العود من الشيخ (محمد القصبجي) الملحن المعروف .ثم التحق بمعهد ايطالي،وكان معلمه يجيد اللغة العربيه،وتعلم منه الاهتمام بالبروفات ،الى حد الهوس .وحين تخطى مرحلة الصبا واصبح على ابواب الشباب التقى مرة ثانيه في حفل في سان ستيفانو بالاسكنريه بالشاعر احمد شوقي، وحاول ان يهرب منه،نظرا للتجربه الماضيه،ولكن شوقي طمأنه وقال له لقد اشفقت عليك وانت مازلت صغيرا، ولكن الآن انت شاب موهوب وواعد بأن ترتقي بفن الغناء.ومن خلال معرفته بالشاعر الكبير،تعرف على صفوة القوم من رجال الفكر والفلسفة والادب الرفيع، كما تعرف على الموسيقى العالميه مقطوعات بيتهوفن وشوبان وموزارت،وغيرهم من اعلام الموسيقي في العالم،مما اثرى موهبته ،وفتح افاقا امام اجتهاداته.
مواقف مثلت دروسا في حياة عبدالوهاب
أولا – اراد عبدالوهاب ان يهدي الشاعر احمد شوقي هديه، عرفانا منه بالشكر والتقدير ،لما وجده منه من رعاية واهتمام بموهبته، فأعد مقطوعه موسيقيه، على رتم موسيقي كان احمد شوقي يعشقه، لكي يفاجئه بها،وخاطبه قائلا (اسمع يا باشا هذه المقطوعه التي اعددتها خصيصا لكي اهديها لك ) واسمعه اياها عزفا على العود، فقابلها احمد شوقي بوجوم وغضب،وقال له (ماهذا الذي قمت به يا محمد ؟ )وتلعثم عبد الوهاب في الرد قائلا ( ياباشا اعلم انك تحب هذه النغمه ولذلك قمت بعمل جديد للنغمه لكي اسعدك بها) ورد احمد شوقي بما يشبه الدرس لعبدالوهاب قائلا له(يا محمد انا اذني قديمه، ونحن جميعا في هذا البلد اّذننا قديمه،ونريد منك ان تجددها،لا ان تكررها،ثم قال له بما يشبه الوصية (لا تنظر خلفك يا محمد ابدا ،وانظر دائما الى الأمام . جدد ولا تكرر ابدا وانت قادر على ذلك).وكان هذا الدرس الذي استوعبه عبدالوهاب طيلة مشوار حياته الموسيقيه.وظل على الدوام يبحث عن الجديد
ثانيا – ارتبط عبدالوهاب بالغناء في عدة حفلات في لبنان 1927 وذهب الى هناك،ورافقه في تلك الرحله استاذه (احمد شوقي)وحدث انه فوجئ وهو في مدينة(عاليه)لأقامة احدى الحفلات،في اوتيل (شاهين) بخبر نشرته (جريدة المقطم) وهو وفاة (والد المطرب محمد عبدالوهاب) وحزن لذلك الخبر حزنا شديدا، واسر لأستاذه احمد شوقي بذلك وقال له (أنا لا استطيع الغناء) ووافقه استاذه على ذلك،وتم اخطار المتعهد بالغاء الحفل وصحبه احمد شوقي من اجل التسرية عنه الى زيارة (الدكتور طه حسين)وكان بالصدفة يصطاف في نفس المدينه.وكان الدكتور طه من جانبه تواقا لمعرفة عبدالوهاب،نظرا لما يتداول عنه انه يجدد في الموسيقى ،وبعد ان رحب بهما الدكتور طه، توجه الى عبدالوهاب بالحديث (سنسمعك الليلة يا محمد)فأجاب احمد شوقي (للاسف لا يا دكتور،فقد توفي والده،وقد انهار بالبكاء حزنا على والده،ولذلك اعتذرعن عدم الغناء في الحفل واخطرنا المتعهد بالغائه)،وهنا جاء رد الدكتور حازما ومتسائلا (وهل الغناء كله فرح يا محمد ؟ احزن كما شئت ولكن غن واجعلنا جميعا نحزن معك.وبدلا ان تعبر عن المك بالدموع،عبر عنه بفنك)ونال هذا الرد تجاوبا كبيرا لدي عبدالوهاب،ولدي امير الشعراء احمد شوقي وقام عبدالوهاب بالأتصال بالمتعهد ان يعيد الاعلان عن الحفل،وانه سيقام في موعده دون الغاء. وقام امير الشعراء بكتابة قصيدة رثاء لوالد عبدالوهاب،وقام عبدالوهاب بتلحينها على وجه السرعه ليغنيها في الحفل وتقول كلمات القصيده :
الليل بدموعه جانى يا حمام نوّح ويايه
نوّح واشرح أشجاني دا جواك من جنس جوايه
الشوق هاجك من نوحك وشكيت الوجد معايه
أبكى بالدمع لنواحك وتنوّح يا حمام لبكايه
بعد الأحباب لوّعنا والصبر دواك ودوايه
مِسير الأيام تجمعنا إن كان في الصبر بقايه
إن لقيت عندي من حبي سلطان العشق هوايه
أنا خدت الدمع في قلبي وأكتم في القلب أسايا
ويصف طه حسين هذا الحفل،الذي غنى فيه عبدالوهاب عدة قصائد بقوله (في تلك الليلة لم تكن دموع عبدالوهاب هي فقط التي تحس بفداحة المصاب،لكن دموع الجمهور كانت تساهم كذلك في العزاء).
ثالثا – أذيعت انشودة ( الجندول) لأول مره عام 1941،وقد قدم عبدالوهاب في تلك الانشودة لحنا
سيمفونياً طربياً. مزج فيه بين المقامات الشرقية الأصيلة والقوالب الموسيقية الغربية الكلاسيكية.
وحين استمع صاحب المقام الرفيع النحاس باشا الى تلك الانشوده اتصل تيفونيا بعبدالوهاب معاتبا
وقائلاً (ايه محمد اللي انت عامله ده .انت طالع تتكلم يامحمد .احنا عايزينك تغنى يامحمد مش تطلع تتكلم ،وهنا امسكت بالتليفون صاحبة العصمه زينب هانم الوكيل قرينة النحاس باشا وقالت ( لا يا محمد لا تسمع كلام الباشا انه يمزح معك فقط وهو استمتع بالأنشوده. يقول عبدالوهاب ( ادركت ان الهانم تجاملني وتخفف من وقع كلمات الباشا التي صدمتني، ثم واجهت نفسي بتلك الحقيقه،اننى اقوم بعملية تطوير للموسيقي، وبالطبع لأننى اقدم شيئا جديدا غير مألوف،فلابد ان اتوقع التحفظ،حتى يتم هضم اللحن من خلال تكرار اذاعته،حتى يألفه الجمهور،وتبعا لذلك على ان امتنع عن الغناء في الحفلات خصوصا حين اقدم لحنا جديدا،حتى لا اواجه بأي قدر من التحفظ،ومع تكرار اذاعة العمل يتم هضمه ،وتتشكل له الشعبيه المطلوبه، وعلى ذلك امتنع عبدالوهاب عن الغناء في الحفلات العامه،وكان الحفل الوحيد الذي حضره ،بعد ثورة 23 يوليو،حيث غنى امام عبدالناصر في احتفال بنادي الضباط اغنية (كل ده كان ليه) عام 1954. يذكر ان الانشودة التي لم تنل اعجاب النحاس باشا،طلب الدكتور طه حسين حضور تسجيلها بعد ان قرأها للشاعر على محمود طه،فقد كان معجبا بشعره،وصعد على السلم مائة درجه في مبنى الاذاعة القديم،وصحح لعبدالوهاب نطق كلمة (قابلته)،عندما أخطأ عبدالوهاب فى النحو فى شطر من الأغنية (بفتح التاء)، عند غناء (يوم أن قابلتُه)صفق طه حسين على يديه فتنبه عبد الوهاب وأعاد التسجيل مجدداً متنبهاً للخطأ اللغوى.
واخيرا
محمد عبدالوهاب نفحه، من الجمال،سواء في موهبته، أوفي مدى استيعابه للعالم الجديد ،الذي احاطه به امير الشعراء ،ورغم موهبته الجباره،فلا شك ان ظهور امير الشعراء في حياته،كان نقطة البدايه في رحلته الموسيقيه والغنائيه،وقد صدق سعيد لطفي باشا اول مدير للاذاعة الملكيه المصريه عام 1934 وظل مديرا لها حتى عام 1947، وقد كان ايضا زوجا لأبنة امير الشعراء احمد شوقي ،وقد قال
للفنان محمد عبدالوهاب حين ذهب للتعزيه في رحيل احمد شوقي عام 1932 جمله شديدة الصدق والواقعيه اذ قال له (تذكر يامحمد دائما انك قصيده من قصائد احمد شوقي).


