Home / رأي / وجهه نظر / لن تُشرق الشمس من الجنوب

لن تُشرق الشمس من الجنوب

يقدّم التاريخ المطبوع بالتحولات والمتغيرات وخصوصا أمام المؤرخين وأساتذة التاريخ في الأحرام الجامعية، أنماطاً هائلة من الصور النمطية المتشابهة والمتغايرة والتي قد تُقيم كما تتبدّل في الذاكرات والنصوص عند مقاربة التواريخ الدموية كما حصل ويحصل في لبنان. 

أطرح أسئلةً من لبنان وجنوبه: كيف شكّلت الصراعات التاريخية صورة فارس في المخيلات؟ يأتينا الجواب من الدروس والعبر التي يحتضنها التاريخ باعتبار العلاقات بين الدول والشعوب تبقى بما يتجاوز المصالح والعلاقات الأممية غير الثابتة التي لم ولن تعرف الثبات. لماذا؟ لأنّ الصور النمطية التي تتكوّن خلال وفي أعقاب الصراعات تستمر بآثارها الدموية طويلًا في الذاكرات الثقافية للشعوب، لكنها لا ولن تعكس بسهولة المتغيرات الدائمة في العلاقات الدولية. قد تتحول الأمم التي عرفت العداء في الماضي تبعاً للحاجات والمصالح إلى التعاون المختار وحتّى المفروض لأسباب اقتصادية صعبة ومصالح مالية كبرى قبل أن تتخمّر وتصير ثقافية. 

هنا تبرز أهمية القراءة النقدية للتاريخ في علاقات الدول. إنّ فهم صورة فارس في الأمثال الشعبية، مثلاً، كان لا ينبغي أن يقود إلى تعميمات أو أحكام على شعب كامل، بل يُفهم بوصفه جزءًا 

2

من تاريخ طويل حافل بالتنافس المعقّد والصراع الإمبراطوري. يتطلب فهم إيران اليوم النظر إلى مستقبل دورها المُقبل في النظام الدولي وتنوع مجتمعها وثقافتها وتحوّلات تاريخها الذي دمغت وتدمغ فيه تاريخ العرب والعالم. ليست صورة فارس في مخيلة الأمم نتاج لواقع وحيد، بل هي حصيلة قرون من التفاعل بين القوة والذاكرة والتاريخ والحروب وتحولات النظام التي راحت تمطّ أعناقها نحو مستويات الصراعات العالمية الشديدة الخطورة بما كاد يشرّع الأبواب على شبه حرب عالمية ثالثة ومعضلات معقدة لإعادة بناء العلاقات بين الدول والشعوب على أساس التفاهم المتبادل والمصالح المشتركة.

شغل ويشغل تاريخ فارس وقُل إيران، أحد التواريخ الأشدّ تأثيرًا وتعقيدًا في منطقة غرب آسيا. لم تكن مجرد كيان جغرافي، بل كانت مركزًا قديماً لقوة لعبت أدواراً في التاريخ الإقليمي والدولي ممّا جعلها منطبعة في ذاكرات الشعوب المجاورة حتّى في الآداب الشعبية. لماذا؟ لأنّ صورة متحيّرة بقيت في المخيلة التاريخية تتنقّل بين الطموح الإمبراطوري والصراعات المعقّدة. كيف؟ ظهرت قوة منظمة عبر الإمبراطورية الأخمينية في القرن 6 ق.م. وبسطت نفوذها عسكريّاً على مساحة شاسعة من آسيا الوسطى حتى شرق البحر المتوسط ممّا جعلها بمواجهة المدن الإغريقية ليتجلّى الصراع الهائل عبر الحروب الفارسية–اليونانية التي لعبت الدور الحاسم والنتائج الدموية بتأريخ الأحداث الثابتة التي ترقد آثارها في الذاكرة لتتحوّل صوراً نمطية حية في كتب التاريخ وقصص الشعوب. 

3

دخلت فارس بعدها مرحلة جديدة من تاريخها بعد سقوط الدولة الساسانية واندماجها بالعالم الإسلامي إثر التحولات الكبرى في القرن 7م ، وأثبتت الثقافة الفارسية قدرات بالتكيف وإعادة إنتاج حضورها داخل هذا الإطار الحضاري الجديد وفي نسيج الحضارة الإسلامية لتسهم عبر تراثها الفكري والأدبي وخصوصاً الشاعر الفردوسي مؤلف ملحمة الشاهنامة حاضنة التاريخ والأساطير الفارسية في إطار أدبي رفيع.

استمرت وتستمرّ إيران في الحروب والتوازنات السياسية الإقليمية لتصبح جزءًا مقيماً وربّما مقلقاً في النظام الدولي المعاصر الذي تشكّل عبر صعود القوى الأوروبية. هكذا وجدت إيران نفسها في القرنين 19-20 في قلب التنافس الجيوسياسي بين روسيا والمملكة المتّحدة التي تضم إنكلترا واسكوتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية الواقعة في جزيرة منفصلة، وهذا ما أثّر في تطورها السياسي الداخلي وعلاقاتها بالعالم الخارجي. أما التحول الأبرز في تاريخ إيران المعاصر فقد جاء مع الثورة الإيرانية التي أنهت حكم الشاه لتقيم نظام الجمهورية الإسلامية بقيادة الإمام الخميني. هكذا صارت إيران لاعبًا إقليميًا في الشرق الأوسط، وتداخلت سياساتها بالعديد من العقد مع قضايا بارزة تتعلق بالأمن الإقليمي والطاقة والتحالفات السياسية.

قد تتحول الحروب من مواجهات عسكرية وقتلى وجرحى وخرائب إلى صراع راسخ يقيم في الذاكرات والثقافات. هكذا تنطبع الشعوب التي تعيش تجارب الغزو أو حلبة التنافس الإمبراطوري لتصبح أكثر ميلاً ربّما بصياغة سرديات وثقافات شعبية تتناقلها الأجيال تعبيراً عن خوفها أو رفضها القوي للخصوم أو طموحها الإمبراطوري لألف سبب وسبب إذ نجد في تراث عدد من الأمم الأخرى أمثالًا شعبية باقية عن الفرس. يظهر الفارسي في بعض الأمثال الأوروبية الشرقية، رمزًا للقوة الغازية المدمرة. ويعبّر مثل بلغاري عن فكرة قوية تقول بأن “الأرض التي تدوسها قدم فارسي لا ينبت فيها عشب أخضر”. ويظهر مثلٌ آخر في التراث الشعبي الأوكراني ليقارن بين الفرس وغيرهم بصور سلبية مغالية للغاية. وتُنسب إلى الكاتب الفرنسي فكتور هيجو عبارة شهيرة تتردّد في باريس تصف مرور الفارسي في مكان ما بأنه لا يترك خلفه سوى الخرائب. وتجد في التراث اليوناني تحذيرًا رمزيًا يقول “إن حديث الفارسي عن السلام غالباً ما يكون إشارة إلى حرب قادمة”. 

يبقى أنّ قراءة هذه الأمثال بوعي أكاديمي يكشف الأغطية باعتبار الأمثال الشعبية ليست ولم تكن وثائق تاريخية محايدة، بل هي انعكاس مباشر غالباً لتجارب الحروب والصراعات العسكرية الطويلة بين الشعوب إذ غالبًا ما تُولد الأمثال هذه في فترات الحروب القاسية التي تدفع باللغة الشعبية إلى جعلها وسائل تعبيراً عن الخوف أو المقاومة أو حتى تصفيات للدعاية السياسية. 

4

أوردت أخيراً ولماماً هذه الأقوال مع الوعي الأكاديمي التاريخي والعلمي إلى أنّها تعبّر عن علاقات متوترة وقاسية وعامة ممّا لا يمكن وصفه حيال ما نعاينه في جنوبي لبنان ممّا جعلنا نلمس تمسّكاً قويا بالمقاومة ورفضاً للسلام حتى ولو كان واهيا لكأنّ الشمس باتت تشرق من الجنوب اللبناني تحت لحظ العرب ودول العالم.