دخل لبنان بلا شك مدار تصاعد التوترات الاقليمية الاخيرة، كأنه لا تكفيه التوترات التي يفتعلها كيان الاحتلال الاسرائيلي وعرقلته -بدعم اميركي واضح وصريح- لتنفيذ المتوجب عليه في اتفاق الاطار وتفاصيله الاخرى ولو غير المكتملة بعد، فمن حروب لبنان المتقطعة، إلى حروب ايران والتوغلات والاعتداءات على سوريا وقبلها على اليمن ثم على العراق مؤخراً، ظهر ان اميركا والكيان الإسرائيلي يريدان فرض السلام بالقوة حسب رؤيتهما على كامل اطراف منطقة الشرق الاوسط ومن ضمنها لبنان.
لذا، كان لزاماً على السلطات اللبنانية الاستعانة بمزيد من الاصدقاء المؤثرين اقليمياً لتحصين وضع البلاد الداخلي من مخاطر توترات الاقليم، عبر نسج علاقات اكثر عمقاً من مجرّد بحث العلاقات الثنائية مع الدول الاقليمية المؤثرة.. ومن هنا كانت زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون الشهر الماضي الى تركيا، نظراً لدورها المحوري الجغرافي والسياسي الخاص ومن ضمن حلف “الناتو” في محاولات تهدئة التوترات لا سيما في سوريا ولبنان عدا منطقة الخليج، اضافة الى زيارة الرئيس عون قبل ذلك لدول مجلس التعاون الخليجي الست والى مصر، ضمن اطار حشد الدعم العربي والدولي للبنان بمواجهة مشاريع الاحتلال الاسرائيلي وافتعال مزيد من التوترات، ومحاولة منع اي تسويات ستجري من ان تكون على حساب مصالحه.
لكن لسؤ الحظ، بدا من كل الحراك الرسمي اللبناني والذي قام به ايضاً رئيس الحكومة نواف سلام، انه لم يؤتِ ثماره حتى الآن نتيجة تفرّد الادارة الاميركية وكيان الاحتلال الاسرائيلي بالتصرف وفق مشاريعهما ومصالحهما من دون الاخذ بعين الاعتبار مراعاة مصالح الدول الاخرى التي تعتبر صديقة للولايات المتحدة، على الرغم من ان لبنان الذي وضع كل اوراقه في السلة الاميركية قام بكل المتوجب عليه واكثر بناء لإتفاق الاطار، ووضع نفسه تحت المظلة الاميركية التي لم تقيه انعكاسات العواصف الاقليمية والعدوان الاسرائيلي.
على هذا يبحث لبنان الرسمي عن ابواب دعم اخرى اقليمية ودولية تساعده في الوقوف بوجه العواصف وتَحدُّ من خسائره لحين اتضاح صورة وضع الاقليم ومستقبل لبنان فيه في ظل الصراعات الكبرى الجارية ومحاولات تغيير الخرائط الجيو – سياسية والاقتصادية. عدا مواجهة تداعيات الاحتلال الاسرائيلي ودعم وتطبيق اتفاق الاطار بما يعزز فرص نجاحه، ويحول دون تحوله إلى اتفاق منقوص التنفيذ، والإسهام في دعم توجهات لبنان لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز الجهود الدولية الهادفة إلى منع أي فراغ أمني في الجنوب بعد انتهاء ولاية قوات اليونيفيل الدولية نهاية هذا العام.
اما ماذا سيحصد لبنان من هذا الحراك المتعدد الوجهات، فالامر رهن بمدى ملائمة مصالح الدول التي يقصدها مع مصالح لبنان، وقدرة هذه الدول على التأثير في القرارات الاميركية والاسرائيلية، وفي الحد الادنى مدى مساهمة هذه الدول في دعم لبنان في الامور غير السياسية والامنية، كالاقتصاد والسياحة لرفد خزينته بمزيد من المداخيل لمنع انهيار مؤسسات الدولة.
لا شك ان لبنان غير متروك نهائياً، والدول الشقيقة والصديقة مهتمة بمتابعة اوضاعه، لكن انشغالها بأوضاعها الداخلية نتيجة التوترات العسكرية والسياسية الاقليمية والدولية تعيق او تؤخر تحقيق الدعم الكافي المطلوب لإخراجه من الازمات التي يتخبط بها، وأولها واخطرها مشكلة الاحتلال الاسرائيلي، الذي ارهق لبنان على كل المستويات وسيرهق خزينته لاحقا في موضوع اعادة إعمار ما هدمه العدوان والتعويض لعشرات آلاف المتضررين. ولكن تبقى ثمة تفاصيل ومواضيع اخرى يمكن ان تسهم فيها الدول المعنية بالوضع اللبناني، كدعم قرارات وتوجهات لبنان في المنتديات والمحافل والمؤتمرات الدولية والاقليمية، وفضح ممارسات كيان الاحتلال الاسرائيلي والضغط على الدول المعنية لا سيما الادارة الاميركية لكبح جماح كيان الاحتلال.
وفي انتظار تبلور صورة الوضع الاقليمي، يقوم لبنان بما عليه من تواصل مع الدول المؤثرة في الشرق الاوسط واوروبا ودول اخرى مثل روسيا، حتى لا تنعكس اي تسويات او حلول مرتقبة قد تحصل عاجلاً ام آجلاً على وضعه سلبياً وتُدخله في مزيد من الاضطرابات والمشكلات الداخلية.
تعقيدات التفاوض
هذا الحراك فرضته ايضاً التعقيدات والمطبات التي بدأت تبرز ويجري الكلام عنها بصورة رسمية، امام مفاوضات لبنان والكيان الاسرائيلي، حيث لم تسجل مفاوضات روما في اجتماعاتها الثلاث الاخيرة في شهر آب – اغسطس الماضي، أي تقدم ملحوظ لتنفيذ اسرائيل المطلوب منها في اتفاق الاطار، لا سيما على صعيد تحديد مناطق تجريبية جديدة لإنسحاب الاحتلال منها ونشر الجيش اللبناني.
واوضحت مصادر رسمية متابعة للمفاوضات لـ “الحصاد”، ان التقدم الجزئي وغير النهائي الوحيد الذي تم الحديث عنه رسمياً هو تبادل لوائح بأسماء الاسرى اللبنانيين المدنيين المعروفين وعددهم 36 شخصاً من المواطنين الذين خطفتهم قوات الاحتلال الاسرائيلي في توغلاتها بقرى الجنوب خلال وقف اطلاق النار. اما اسرى حزب الله والمفقودين منهم فلم تعرف اعدادهم ولا اسماؤهم في الجلسة الاخيرة. بينما قدَّم وفد الكيان الاسرائيلي لوائح بأسماء الطيار المفقود في لبنان رون آراد واسماء نحو 11 يهودياً لبناني الجنسية، الذين تم خطفهم وقتلهم خلال الحرب الاهلية وبعد دخول قوات الحلف الاطلسي الى لبنان إثر الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، اي قبل نحو 50 سنة، علماً أن معرفة مكان رفاتهم امر بالغ التعقيد والصعوبة ومن سابع المستحيلات بعد مرور نصف قرن على الحدث.
وتوضح المصادر ان كل ما تحقق في موضوع اطلاق سراح الاسرى هو وعد اسرائيلي بالرد على لبنان حول مصيرهم وامكانية قيام الصليب الاحمر الدولي بزيارتهم، لكن من دون تأكيدات اسرائيلية وضمانة اميركية. لذلك سيبقى لبنان منتظراً وصول الرد الاسرائيلي. علماً ان كيان الاحتلال سبق وحاول مراراً معرفة مكان دفن الطيار اراد، وآخر محاولة كانت الانزال الكبير في منطقة النبي شيت بالبقاع، حيث اعتقد الاحتلال ان رفاته موجودة في احدى المقابر..لكن قوة الكوماندوس الاسرائيلي لم تعثر على شيء بعد حفر اكثر من مكان.
ولكن المصادر الرسمية تشير الى ان المفاوضت لم تفشل بشكل مطلق ونهائي، نظراً لبدء البحث بمصير الاسرى وتثبيت الحدود البرية اللبنانية مع فلسطين. كما لا يمكن القول انها نجحت كما يريد لبنان لا سيما في ما خصّ تحديد مناطق تجريبية جديدة في الجنوب لإنسحاب قوات الاحتلال منها اقترح لها الوفد اللبناني المفاوض مدينتي بنت جبيل والخيام ورفضتهما اسرائيل، وتحقيق تقدّم في وقف شامل لإطلاق النار على كامل الأراضي، ووقف عمليات هدم المنازل والمنشآت والبنى التحتية والاراضي الزراعية، وهو يتشدد في هذه المطالب قبل العودة الى جولة المفاوضات المقبلة في شهر ايلول والتي لم يتم تحديد تاريخها بدقة.
خلاصات سلبية
وبرزت اتجاهات لبنانية استناداً إلى خلاصات سلبية أدت إليها الجولة الأخيرة للمفاوضات، مفادها وفق المعلومات المستقاة من مصادر قريبة من الوفد اللبناني المفاوض، أن لبنان يتّجه إلى ربط حضور الجولة المقبلة من المفاوضات مع إسرائيل، المرتقبة مبدئيًّا في أيلول – سبتمبر بتنفيذ المطالب التي وضعها الوفد اللبناني، وكشفت هذه المعلومات أنّ موعد جولة أيلول ليس ثابتًا بعد حتى الآن وأنّ انعقادها من الجانب اللبناني، ليس أمراً محسوماً أو منفصلًا عمّا ستقوم به إسرائيل على الأرض خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب المصادر نفسها، بات الموقف اللبناني واضحاً لجهة رفض الذهاب إلى جولة جديدة لمجرّد الحفاظ على استمرارية المسار التفاوضي، فيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في الجنوب. وبذلك، تحاول بيروت ربط أيّ تقدّم سياسي بخطوات ميدانية ملموسة، بدل الفصل بين طاولة المفاوضات وما يجري على الأرض، الأمر الذي يثير تساؤلاً عما إذا كان لبنان يرفض عقد الجولة المقبلة إذا رفضت مطالبه.
وتحدثت المصادر عن أن منسوب التوتر في اليوم الأخير من الجولة السابعة بلغ أَشدَّه، إذ إن رئيس الوفد المفاوض سيمون كرم قطع المفاوضات اعتراضاً على المراوغة الإسرائيلية ما أَفضى إلى اختتامها قبل ساعتين.
ولعل اطالة امد المهلة بين جولة روما الاخيرة وبين الموعد الجديد في ايلول المقبل اي بعد نحو شهر تقريباً، دليل تعثر ومماطلة مقصودة وفشل في التوصل سريعاً الى تطبيق اتفاق الاطار بما يُلزم كيان الاحتلال بتنفيذ المطلوب.وعلى هذا يُخشى ان يستغل كيان الاحتلال فترة الشهر لمزيد من الاعتداءات والتفجيرات لإزالة معالم قرى الحدود، وممارسة مزيد من الضغط العسكري على وحدات الجيش المنشرة في القرى الجنوبية وعلى اهاليها الصامدين فيها منه وسط صمت اميركي فاضح.
كل هذه التطورات تشير الى ان اتفاق الإطار يترنّح ما لم يكن قد سقط فعلا كما نُقل عن الرئيس نبيه بري، أو إنه على شفير السقوط نهائياً، بسبب رفض الاحتلال الانسحاب حالياً – ليس فقط بسبب استخدام احتلاله ورقة سياسية للتأثير على الناخبين في الانتخابات المبكرة التي ستجري في تشرين الأول المقبل – بل الأهم في العمق محاولة فرض شروطه القاسية على لبنان للإنسحاب ثم الدخول في المفاوضات السياسية بالمرحلة اللاحقة للتوصل الى اتفاق سياسي واضح بإنهاء حالة العداء وعقد اتفاق سلام أو تطبيع كما يشتهي هو لا كما يريد لبنان.
لبنان وضرب ايران
لكن يبقى السؤال، هل يسمح الراعي الأميركي للتفاوض المباشر بسقوط اتفاق الإطار في لبنان كما سقطت مذكرة التفاهم بينه وبين إيران، ما أدّى الى اندلاع موجات قصف وقصف متبادل طالت دول الخليج والأردن، وأسهمت في زيادة التوتر الى مرحلة خطرة؟
يبدو من كلام الرئيس الأميركي ترامب المتكرر بوقف الضربات الكبيرة والقوية التي كانت مقررة على إيران بعد تدخّل الوسطاء من باكستان ودول الخليج، ان ما يسري من محاولات تهدئة والعودة الى المفاوضات مع إيران يمكن أن يسري على التفاوض بين لبنان وكيان الاحتلال، إذا تدخّل الوسيط الأميركي بفعالية أكبر لدى كيان الاحتلال لتنفيذ خطوات جدّية وفعلية لا صورية بالانسحاب من بعض القرى المحتلة لتسهيل التفاوض والتوصل الى نتائج ملموسة، يحتاجها الأميركي أيضا في الانتخابات النصفية لمجلس النواب لإنجاح مرشحي الحزب الجمهوري بعد تراجع شعبيته بسبب الحرب، تماما كما يفعل نتنياهو في لبنان قبيل الانتخابات المبكرة للكنيست لكن بشكل معاكس، فترامب يريد التهدئة لتحقيق نتائج لمصلحته ونتنياهو يريد التصعيد أكثر لتحقيق نتائج لمصلحته.




