عراقيل إسرائيلية لمنع الدخول في بالمرحلة الثانية
لن تكف غزة ذات المساحة الأصغر عن أن تكون ميدان السياسة الأكبر في الشرق الأوسط فلم تطفيء النيران المشتعلة في ايران والخليج وهج غزة التي لم تكف عن التعبير عن نفسها باحثة عن خلاص وسط الزلازل التي تضرب الإقليم سواء سياسية أو إقتصادية أو أمنية أظهرت هذا الإنكشاف للغطاء الأميركي الذي تعهد بحماية عواصم عربية مقابل المال قبل أن تكتشف تلك العواصم حدود القوة الأميركية وما أحدثته تلك النتائج الأولية لحرب لم تنته بعد لكنها أفرزت ما يكفي من الخلاصات التي دفعت عواصم إقليمية لإعادة النظر في ممكنات الأمن القومي وأدواته وتحالفاته التي لا يمكن الإتكاء على قديمها لصالح محاور أو تحالفات جديدة ربما عبر عنها الإتفاق الثلاثي بين الرياض واسلام أباد وأنقرة لكن غزة بقيت عنواناً سياسياً يبحث عن اجابات وسط كل هذا .
منذ الإعلان عن اتفاق شرم الشيخ في الثامن من أكتوبر الماضي والذي تضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحل في غزة المكونة من واحد وعشرين بنداً بدءاً من وقف إطلاق النار وصولاً لتسليم حركة حماس لأسلحتها والإنسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وبدء عملية الإعمار وإعادة دورة الحياة للمنطقة التي قرر الإسرائيلي موتها وقد جاءت الخطة على مرحلتين الأولى يتم فيها عملية تبادل الأسرى بين الجانبين ” تتسلم اسرائيل ما تبقى من أسرى أحياء وجثث القتلى ” وهذه كما تقرر أن تكون 72 ساعة يجري بعدها الدخول في المرحلة الثانية والتي تعني تسليم السلاح وانسحاب اسرائيل كاملاً من القطاع.
وكما جرت العادة وكما كل التوقعات عندما تتم مرحلة أي اتفاق فذلك يعني أن الإسرائيلي الذي ساهم بوضع تفاصيل خطة الرئيس الأميركي من خلال وزير الشئون الإستراتيجية وأحد أبرز مساعدي نتنياهو رون ديرمر قبل أن يقدم استقالته بالتعاون مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير مطلع أيلول الماضي قبل أن يصل آنذاك نتنياهو لنيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة ليتفق على باقي تفاصيل الخطة مع الرئيس ترامب قبل إعلانها عندما تقسم أي اتفاق على مراحل فإن ذلك يعني أن هناك سوء نوايا اسرائيلية وهناك تاريخ من مرحلة الإتفاقيات وتطبيق المرحلة الأولى التي تضع فيها اسرائيل كل مصالحها وحاجاتها ثم التنصل من المراحل اللاحقة هذا حصل في أوسلو قبل أكثر من ثلاثة عقود ثم تكرر الأمر مع هدنة يناير 2025 قبل يومين من تسلم ترامب مفاتيح البيت الأبيض كانت قد أخذت بعض الأسرى في المرحلة الأولى ثم انقلبت في المرحلة الثانية لتستأنف الحرب والإغتيالات ويأخذ الأمر ما يقارب ثمانية أشهر قبل أن تتوقف الإبادة من جديد ليس بالمعنى الكلي فقد حافظت على مستوى من الإغتيالات ولم تتوقف عن القتل ، صحيح أنه لم تتوقف الجرائم الإسرائيلية منذ أكتوبر الماضي لكن خفت وتيرتها.
تقريباً لم تتوقف المفاوضات على امتداد الأشهر السبعة السابقة منذ الإعلان وكان واضحاً أن الخصمان الذان يقفان أمام المعادلة يكتشفان صعوبة الدخول بالمرحلة الثانية وخصوصاً اسرائيل والتي بدأت بوضع العراقيل فبالنسبة لها ما جاء في المرحلة الثانية في بعض منه كان أشبه برشوة قدمت لحركة حماس لإغراء قبول الخطة وتنفيذ المرحلة الأولى التي يجري خلالها تسليم الأسرى لكن بعد أن تمت لم يعد من الضروري الإستمرار بتنفيذ المرحلة الثانية وخاصة أنها تعني الإستقرار وإعادة الإعمار وتفتح على ما هو أبعد سياسياً في بنديها الأخيرين بالحديث عن فتح مسار نحو دولة فلسطينية وإطلاق حوار سياسي بين الفلسطينيين واسرائيل وهذا ما عبر عنه بنيامين نتنياهو أكثر من مرة بانه يشكل خطراً وجودياً على اسرائيل أي إقامة الدولة الفلسطينية بل يفاخر بانه هو مَن منع إقامة هذه الدولة.
وبالمقابل بدت حركة حماس مترددة من دخول المسار فتسليمها للسلاح يشكل أيضاً تهديداً وجودياً ليس بالمعنى الأمني بل بالمعنى الذي يتعلق بالهوية والفكرة وجدارة استمرارها بين الفلسطينيين فهي جاءت على أنقاض التسوية التي لم تصل لنتيجة بين الفلسطينيين واسرائيل لتفسح المجال لحركة جاءت بالسلاح بديلاً كوصفة للتحرير وأقنعت الفلسطينيين بجدارة مسارها فماذا ستقول لهم حين تسلم السلاح ؟ ففي الفكرة ما يسدل الستار على تجربة بناها روادها بالدم إذن فهي تقف أمام معضلة وجودية وما بين معضلة اسرائيل ومعضلة حماس تجمدت اللحظة بفعل القوى الإسرائيلية القادرة على تحريك أو تجميد لما تملكه من عوامل دفع أو كبح.
لكن الوسطاء الذين كانوا يدركون فداحة اللحظة وإذا ما أفلتت لن تتكرر خاصة أنهم يعرفون طبيعة الرئيس الأميركي سريع الملل وكذلك انشغاله بحرب ايران التي تعثر خلالها وتأثر داخياً ارتباطاً بإغلاق مضيق هرمز وارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة وتأثيرها على تغير المزاج العام في الولايات المتحدة قبيل الإنتخابات وتهديدها لإستقرار الإغلبية الجمهورية كل تلك وغيرها كانت تكفي لخوف الوسطاء من استغلال اسرائيل لحالة الفراغ الناشئة لتنفيذ المشاريع الإستراتيجية الأخطر وعلى رأسها مشروع التهجير الذي لم يسقط من الأجندة حتى وقت قريب.
في يونيو الماضي تلقت الوساطة زخماً وسط تلك المناخات المحملة بالقلق وبمعرفة بالنوايا الإسرائيلية بتوافد أطراف الوساطة من الدوحة وأسطنبول للقاهرة وقد عقد الوسطاء ممثلين برئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان ومدير المخابرات المصرية حسن رشاد عدة اجتماعات توزعت بينهم كوسطاء أو بينهم وبين الفصائل أو الإجتماع الأهم الذي عقده الوسطاء مع حركة حماس وحدها وقد كان اجتماعاً مصيرياً حيث تمكنت أطراف الوساطة من تقديم عرض يتعلق بحل أزمة موظفي الحركة ما كان يمكن أن يساعد في تنحيها عن إدارة القطاع بجهازها الحكومي طالما أن هناك عروض لحل الأزمة وبقيت مسالة السلاح التي تمكنت أطراف الوساطة من تقديم بعض الإقتراحات وكان الأمر أشبه بصفقة مقايضة تأخذ فيها الحركة أمان للموظفين مقابل تسليم السلاح وتنفيذ ما جاء في خطة ترامب مصحوبة ببعض التلويح بالإنتقال للخطة ب إذا لم توافق حماس على تسليمه والخطة ب أي تطبيق البنذ السابع عشر مما جاء في خطة الرئيس الأميركي والذي ينص على ” في حال تأخرت حركة حماس في الرد على المقترح أو رفضته يتم توسيع نطاق عمليات الإغاثة في المناطق الخالية من الإرهاب والتي يتم تسليمها من الجيش الإسرائيلي إلى قوة الإستقرار الدولية ” ما دعى الحركة لإلغاء اجتماعتها مع الفصائل مطلع يوليو الماضي لتتداعى سريعاً لنقاش صفقة المقايضة ” الموظفين مقابل السلاح ” ذهبت الحركة إلى اسطنبول للحصول على إجماع وكانت اجتماعات اسطنبول فرصة لإنتخاب رئيس مكتبها السياسي بعد ما يقارب من عامين على شغور المنصب إديرت أثناءها من خلال مجلس جماعي فقد كان آخر رئيس للمكتب السياسي هو يحيى السنوار بعد اغتيال الرئيس اسماعيل هنية في طهران نهاية تموز 2024 وهو صاحب فكرة السابع من أكتوبر الذي اغتالته اسرائيل أيضاً في السابع عشر من أكتوبر من العام نفسه أي بعد شهرين ونصف من تسلمه منصبه فتنتخب في تركيا الدكتور خليل الحية رئيساً جديداً لمكتبها السياسي لكن الأهم أنها تحسم في النهايات ما كانت تحاول الهروب منه وهو التنحي عن حكم غزة بعد أن ظلت ترفض فكرة الحديث عن اليوم التالي بإعتبار أن الحرب ستنتهي كما كل الحروب وستظل كما كل الجولات تدير غزة دون أن تدرك أن الأمر هذه المرة مختلف وكذلك سؤال السلاح الذي يمثل تهديداً وجودياً للفكرة لكنها وافقت أخيراً سواء تحت ضغط اللحظة أو ضغط الوسطاء.
في موافقة حركة حماس على ذلك ما يعني الإستجابة لنهاية الحرب أو بشكل أكثر وضوحاً تحقيق اسرائيل لشروط الحرب التي شنتها على القطاع وأبادت سكانه وكان مفهوماً لمن يتابعون الصراع ويعرفون اسرائيل المسكونة بمجموعة من العقد السياسية والهواجس التاريخية أنها لن توقف حرباً قبل اسقاط حكم الحركة فالأمر يتعلق بفكرة استقرار الدولة فقد بات اسم الحركة الفلسطينية مصدراً للخوف من طوفان أقصى قادم حتى لو لم يات وبالتالي مَن مِن الإسرائيليين سيقبل بالإقامة على بعد كيلومترات من غزة ؟ لذا وجد مشروع الحرب واسقاط حماس وتجريدها من سلاحها اجماعاً اسرائيلياً لم يتحقق على أي شيء خلال السنوات الماضية ولهذا كان المجتمع الإسرائيلي أكثر قبولاً للخسائر من أجل هدف كهذا.
لكن اسرائيل كعادتها لم تستقبل ما يوفر لها ما شنت حرباً لأجله فقد ادعت أن هذا غير كافٍ في البداية وبدأت تضع الشروط والعراقيل ومطالبات جديدة معتبرة أن ما قدمته حماس أصبح في جيبها وأن على الحركة أن تقدم المزيد فقد وضعت ثلاثة تحفظات على موافقة حماس الأولى أنه يجب اعدام السلاح لا تخزينه والثانية عدم اشراك قوات تركية أو قطرية بحجة أن تلك دول صديقة لحماس والثالثة ضمان حرية عمل جيش اسرائيل في قطاع غزة وهي شروط لا تغير كثيراً من طبيعة انفراجة كبرى قدمتها حركة حماس لكن كان لإسرائيل حينها رأيٌ آخر يستعصي على الفهم فقد قدمت لها حماس ما تريده قدمت السلاح واسرائيل تقول لا ، لا نريد ذلك فكيف يمكن فهمه ؟ هل هو في إطار ابتزاز الخصوم على طاولة المفاوضات وعصرهم مثل ليمونة حتى آخر قطرة ؟ أم لديها مشاريع آخرى تقطع موافقة الحركة الفلسطينية تجريد نفسها من الحكم والسلاح الطريق على تلك المشاريع؟
من يتابع الحالة السياسية في اسرائيل وطبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والشارع الإسرائيلي يدرك أنه لا يمكن لمرشح انتخابي أن يرفع شعارات ويذهب للإنتخابات دون تحقيقها وخاصة حين يضع الشعب في اسرائيل كل الإمكانيات البشرية والمادية بتصرف هذا المرشحح مثل حالة بنيامين نتنياهو الذي تعهد منذ اليوم الأول للحرب بإسقاط حركة حماس وتجريدها من السلاح وبالتالي بدت معارضة نتنياهو في البداية على الإتفاق الذي تبلور مطلع يوليو أقرب للإبتزاز وحماية من شركاء الإئتلاف الذين يطالبون بعرقلة خارطة الطريق التي أطلقت عليها وزيرة الإستيطان من حزب الصهيومية الدينية أوريت ستروك ب ” خارطة الدم ” في إطار تحريض وصناعة مناخات تخدم نتنياهو في مواجهة الضغوط الأميركية كأنه لا يستطيع السير إلى أين تريد واشنطن فلديه من المعارضة ما يكفي لعرقلة الإتفاق ولكنه يمكن أن يقدم القليل جداً وهذا ما يستطيعه فقط وهكذا يبيع الولايات المتحدة الفاتورة مرتين وبنفس الوقت يقطع الطريق على ضغوطات الوسطاء التي تتكثف على واشنطن في لحظات معينة .. إنه بنيامين نتنياهو المخادع الذي يجد مصلحته في تنفيذ الإتفاق كجزء من خطة هو نفسه قام بصياغتها لكنه يقف في مؤتمر صحفي معلناً رفضه لبنودها فقد اعتاد على الخداع.




