Home / ﻗﺿﺎﯾﺎ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ / ليبيا بعد 15 عاماً… اتفاق اللحظة الاخيرة

ليبيا بعد 15 عاماً… اتفاق اللحظة الاخيرة



تغيرت ليبيا كثيراً منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. فشل الليبيون في إقامة نظام جديد أفضل منه، وأدى تنافسهم على تركة القذافي إلى انقسام البلاد فعلياً إلى شطرين أساسيين؛ حكومة في الغرب تحظى بدعم تركيا، وأخرى في الشرق تحظى بدعم روسيا، لكن الصورة في الحقيقة أكثر تعقيداً من مجرد وجود حكومتين متنافستين.

يسلّط هذا التقرير الضوء على الأطراف الأساسية المتنافسة على السلطة في ليبيا اليوم، وتحديداً حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، مقابل الحكومة المدعومة من مجلس النواب وقوات المشير خليفة حفتر في الشرق. كما يقدم صورة عن أسباب الجمود في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، ويتناول دور القوى الدولية الفاعلة، ويشرح خريطة الجماعات المسلحة في طرابلس، ونشوء ظاهرة نفوذ العائلات القوية في الشرق كما في الغرب.

في مثل هذه الأيام من عام 2011 كان المعارضون الليبيون يطرقون أبواب العاصمة طرابلس، معقل العقيد معمر القذافي في باب العزيزية، وهو مجمع ضخم بالغ التحصين لم يصمد طويلاً. دخلته جماعات مسلحة بعضها خرج حديثاً من السجون. مع سقوط طرابلس سقطت فعلياً “جماهيرية” القذافي رغم أنه بقي يقاوم حتى أكتوبر 2011، حين تمكن “الثوار” من قتله في ضواحي سرت مسقط رأسه. الطريق من الحدود التونسية إلى طرابلس كان محفوفاً بالمخاطر. الصراع على معبر راس جدير لم يكن قد حُسم بعد. على طول الطريق كانت الحواجز والسواتر والدمار. مدن مع القذافي ومدن ضده. حتى في طرابلس نفسها كان واضحاً الاستياء لدى مناصري النظام السابق من الواقع الجديد. بعد 13 عاماً، يبقى السؤال المركزي: هل نجحت ليبيا في بناء دولة بديلة؟ المؤشرات على الأرض تقول إن الإجابة لا تزال سلبية.

الواقع اليوم هو انقسام مؤسساتي وأمني وجغرافي. في الغرب حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بقيادة عبد الحميد الدبيبة. تحظى باعتراف دولي ودعم تركي. لكنها تعمل في ظل وجود عشرات التشكيلات المسلحة التي تتنافس على مناطق النفوذ والموارد. في الشرق حكومة مدعومة من مجلس النواب ومن المشير خليفة حفتر. تحظى بدعم روسي مباشر بعد مرحلة مجموعة “فاغنر”. وفي المنطقة برز نفوذ لعائلات قوية تتحكم بالبلديات والموانئ والعقود. في الوسط مجلس رئاسي برئاسة محمد المنفي. وفي الجنوب فراغ أمني تستثمره شبكات التهريب والجماعات المسلحة. اتفاق وقف إطلاق النار 5+5 الموقع في 2020 لم ينفذ بالكامل. لا خروج للمرتزقة ولا توحيد للمؤسسة العسكرية. وبدون احتكار الدولة للسلاح لا يمكن الحديث عن انتخابات أو استثمار أو إعادة إعمار.

هنا تكمن المفارقة الليبية. ليبيا تمتلك أكبر احتياطي نفط في أفريقيا. عدد السكان لا يتجاوز 7 ملايين. ولديها صندوق استثمار سيادي تقدر أصوله بأكثر من 200 مليار دولار. كما تمتلك مشروع “النهر الصناعي العظيم” الذي كان يفترض أن يؤمن المياه لكل البلاد. ومع ذلك يعاني المواطن من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، ومن نقص في الوقود، ومن تراجع في الخدمات الصحية والتعليمية. السبب ليس نقص الموارد بل غياب الإدارة الموحدة.

في إحاطتها أمام مجلس الأمن في شباط 2026 قالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه: “يواجه الشعب الليبي صعوبات جمة مع انخفاض قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، ونقص الوقود، وتزايد السخط الشعبي”. وأرجعت ذلك إلى “غياب ميزانية وطنية موحدة، وعدم تنسيق الإنفاق العام نتيجة لوجود مؤسسات حكومية موازية، إلى جانب انخفاض عائدات النفط”. وأضافت أن “أوجه القصور في الحوكمة وتشتت الرقابة والهدر المستمر عبر التهريب والاستغلال غير المشروع للموارد لا تزال تستنزف موارد الدولة”.

الأخطر من الاقتصاد هو ما يحدث على المستوى الأمني والقضائي. حذرت تيتيه من تطورين خطيرين. الأول انقسام النظام القضائي. فبعد أن ظل موحداً لسنوات، بدأت تظهر “ولايات متنافسة، وأحكام قضائية متضاربة، وتناقضات قضائية”. واعتبرت ذلك “خطاً أحمر” لأن الأنظمة القانونية المتضاربة ستؤثر على الاقتصاد والانتخابات والحكم وحقوق الإنسان وتقوض وحدة الدولة. الثاني ازدهار الشبكات الإجرامية العابرة للحدود. فبحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في كانون الثاني 2026، أصبحت ليبيا “مركز عبور رئيسياً لتهريب المخدرات”. ويعود ذلك إلى مؤسسات أمنية متشرذمة وحدود مفتوحة وضعف الرقابة المالية.


في ظل هذا الانسداد لم يعد الملف الليبي داخلياً فقط. هناك أربع أطراف دولية وإقليمية فاعلة بقوة اليوم لأن كلفة الفوضى وصلت إليها مباشرة. الولايات المتحدة عادت للواجهة عبر مبعوثتها الخاصة. أولويتها إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، وتوحيد المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، وضمان عدم استخدام عائدات النفط في الصراع. وتدفع باتجاه عقد مؤتمر اقتصادي لإدارة أصول الصندوق السيادي. تركيا موجودة عسكرياً واقتصادياً في الغرب عبر اتفاقيات بحرية وغاز مع حكومة طرابلس. لكنها أبدت مؤخراً انفتاحاً أكبر على التسوية الشاملة بسبب كلفة استمرار الانقسام على مصالحها. مصر تعتبر استقرار شرق ليبيا جزءاً من أمنها القومي. وتستضيف لقاءات دورية بين مجلس النواب وممثلين عن طرابلس. هدفها تشكيل حكومة مصغرة موحدة تشرف على الانتخابات وتوحيد المؤسسة العسكرية. أما الاتحاد الأوروبي فإيطاليا معنية باستقرار إمدادات الغاز. وفرنسا معنية بملف الهجرة وإخراج المرتزقة من الساحل. وقد طرح الاتحاد خطة لإعادة الإعمار بقيمة 50 مليار يورو على 10 سنوات، مشروطة بتشكيل حكومة موحدة.
باختصار الكل أدرك أن استمرار الفوضى في ليبيا له كلفة. على أوروبا عبر الهجرة. وعلى مصر عبر الحدود. وعلى تركيا عبر مصالحها في المتوسط. ولهذا السبب تحديداً هناك اليوم اهتمام عربي وأوروبي ومتوسطي غير مسبوق بالملف الليبي.

بعد أكثر من سنة ونصف من الجمود حدث تطور في 21 آب 2026. وقّعت لجنة الحوار الليبية المصغرة “4+4” بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق النهائي بشأن القوانين الانتخابية ومجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. جاء ذلك خلال الاجتماع السابع للجنة في تونس برعاية هانا تيتيه.
وسماه مراقبون اتفاق اللحظة الأخيرة لأنه جاء بعد جمود دام عاما ونصف.


اهم ما جاء في الاتفاق:
اولا: القوانين الانتخابية. الاتفاق على اطار موحد لاجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ثانيا: مجلس ادارة المفوضية. توحيد الاشراف على العملية الانتخابية.
ثالثا: خروج المرتزقة والقوات الاجنبية. وضع جدول زمني ملزم.
رابعا: توحيد المصرف المركزي. خطوات لتوحيد السياسة النقدية ووقف الازدواج في الانفاق.


العرب ومصر كانوا ناطرين هذه الخطوة. القاهرة استضافت لقاءات سابقة بين مجلس النواب وممثلين عن طرابلس والجامعة العربية باركت التوجه. الهدف حكومة مصغرة موحدة تشرف على الانتخابات وتعيد توحيد المؤسسات.
الاتفاق يفتح الباب. بس التنفيذ على الارض هو الاختبار الحقيقي.


وقالت بعثة الأمم المتحدة إن هذا يستكمل أول مرحلتين من خارطة الطريق: تشكيل مجلس المفوضية وتعديل الإطار القانوني للانتخابات. واتفقت اللجنة على الاجتماع مجدداً داخل ليبيا قبل نهاية آب لوضع ترتيبات التنفيذ. هذا الاتفاق لا يعني إجراء انتخابات غداً، لكنه يعني كسر حالة الجمود السياسي.


يبقى السؤال الأهم. ما هو المخرج؟ الفرصة الآن ليست في انتخابات مستعجلة قد تفجر الوضع. الفرصة في تشكيل “هيئة ثقة وطنية” لفترة انتقالية محددة بأربع سنوات. مهمتها توحيد المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والصندوق السيادي فوراً. فبدون توحيد المال لا توجد دولة. وإطلاق برنامج لإعادة الإعمار في الجنوب والشرق والغرب بتمويل من أصول الصندوق بدل أن تبقى مجمدة. واستكمال مشروع النهر الصناعي.