karimEdit Profile
ارسل لي قارئ فاضل يسألني، (لماذا يظهر من كتاباتك، انحيازك لعبدالناصر، رغم الكوارث التي قام بها ؟) وهو سؤال يسعدني ان احاول الاجابة عليه ،والقضية ليست في مجملها قبولا وانحيازا،او رفضا وادانه لعهد من العهود ،ولكنها اعمق وابعد من العواطف ،ومعايير الحب أو الكره أو حتى الأعجاب،و الاجدر من كل ذلك ،هو المزيد من الدراسة للتجربه أو حتى للظواهر التي نراها ماثلة امام اعيننا؟ و التي تلاحظها العين وكذلك الاّذان بوضوح ،وهي ان عبدالناصر رغم رحيله منذ اكثر من نصف قرن، ما زال هو الاسم اللامع في التاريخ العربي الحديث ،وموضع الجدل ،واسمه يتردد على الألسنه،وصوره ،مازالت تملأ القلوب قبل العيون لدى الملايين من المحبين، بل مازالت صوره تعلق على جدران الكثير من المنازل، بل والمكاتب ذات الطابع الشخصي، وليس الرسمي، ثم نراها في المظاهرات والانتفاضات الشعبيه، حتى ان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قال ذات مره ( عبد الناصر طبع صورته في الوجدان الشعبي)، وتمتد الملاحظات لبعض التقييمات بما فيها العواطف البشريه. هناك بالتأكيد من يمقتون عهد عبدالناصر أو حتى شخصه بضراوة ،وفي المقابل هناك ايضا من يحبونه ويعشقونه ،بل ويتعبدون في محرابه،ويتغنون به كأسطوره ،رغم اعتراض الراحل الكبير (محمد حسنين هيكل ) ومقاله الشهير بعد رحيل عبدالناصر وعنوانه (عبدالناصر ليس اسطوره )،وقد سألته شخصيا ذات مره، بعد رحيل الرئيس انور السادات، وفي عهد الرئيس الراحل حسني مبارك قائلا (هل مازلت عند رأيك ان عبدالناصر ليس اسطوره ،بعد كل هذه المحن والأهوال التي رأيناها وعايشناها بعد رحيله ؟) ابتسم ورد قائلا ( اعترض لان الأسطوره يمكن ان تنكسر،واذا صورنا الأمر ولو لثواني معدوده انه كان اسطوره،فأنت تنتقص من قدره، ولاتضيف اليه. عبدالناصر تكمن قيمته الكبري، انه تجربه انسانيه بديعه ،خاضت معارك مريره،وتحدت قوى عظمى كبيره، والهبت مشاعر امه بكاملها ،وتردد صداها خارج الدائره العربيه، فيقول (فيدل كاسترو زعيم كوبا) لقد استلهمنا ثورة يوليو في مصر،وقائدها جمال عبدالناصر، لذلك فان قيمة عبدالناصر الأساسيه انها تجربه انسانيه ،قدمت نموذجا للأرادة الوطنيه المستقله والحره ،وقدمت انجازات شامخه ،مثل بناء السد العالي ،وتأميم قناة السويس ،وهما ركيزة هامة لهذه المرحله ،وللمراحل القادمة، على المستوى الوطني.)
عبدالناصر لم يكن شخصا بل كان فكرة ومشروعا
عبدالناصر الانسان رحل بما له وبما عليه ،وحسابه في نهاية المطاف عند ربه،وحب البعض له وكره اّخرين له، لا يقدم ولا يؤخر، ولكن يبقى من عبدالناصر التجربه والمشروع ،وهما الأساس في حياة الشعوب .يقولون انه كان ديكتاتورا ،وهذا صحيح فقد قال بعظمة لسانه:(الحريه ..كل الحريه للشعب ولا حرية لأعداء الشعب) ومن هم (اعداء الشعب ) الذين يقصدهم .( انهم الذين تتعارض مصالحهم الخاصة مع مصالح الشعب العامه) وهو كان بالتأكيد ديكتاتورا لأنه كان يؤمن بمشروعه الذي قاد من اجل تحقيقه ثورة ،ومشروعه الوطني ،كان الأستقلال وبناء الدوله، على قواعد من الحرية الاجتماعيه ،والاستقلال الوطنى بدوره يحميه استقلال الأمه ،وهنا كان ايمانه بالعروبه ،فالامه قادرة على حماية اقطارها ،ولكي تستقل الأمه ،لابد ان تتسع قاعدة الحريه في العالم ،وان لا يدور العالم في اطار كتلتين غربيه وشرقيه ،ومن هنا كانت سياسة عدم الانحياز والحياد الايجابي ،و كانت له في حركته تلك ثلاثة دوائر يتحرك من خلالها ،لخدمة مشروعه الشامل ،وهو مناهضة الاستعمار ،وتحرير ارادة الانسان من كل صور الأستغلال ،والاستعباد ،بكل ألوانه واشكاله.
الدائرة العربيه
وقف ضد كل المشروعات الأستعماريه، وضد الأحلاف العسكريه،امثال (حلف بغداد) ثم (مشروع ايزنهاور) ثم (الحلف الاسلامي) الذي ارادت الولايات المتحده تكوينه ،وتجعل من الملك سعود (بابا الاسلام) وقال أن الأمة العربيه امنها واحد ،ومشروعها النهضوي واحد ،فنحن امة واحده اهدافها واحده بفعل الارض الواحده والتاريخ الواحد والمصير الواحد.ولقد ترجم ذلك عمليا ،بمساندة (ثورة الجزائر) حيث اعلنت الثورة 1954 من اذاعة (صوت العرب) في القاهره،وامدها بالسلاح والعتاد
،وقد سألت ذات مره الزعيم الجزائري الراحل (أحمد بن بيلا) هل كان عبدالناصر هو الوحيد الذي ساند ثورتكم قال (لا كل الدول العربيه ساعدتنا ، ولكن كلها بضغط مباشر من عبدالناصرُثم اردف قائلا ( انه أخي الذي لم تلده امي ، وسأبقى وفيا له حتى القاه يوم ان ارحل) .ووقف مع (اليمن الشمالي) في ثورة (عبدالله السلال) ،واستقر النظام الجمهوري، بعد حكم (الأمامه) العتيق، وساند الثورة في (اليمن الجنوبي) حتى رحل الاستعمار البريطاني،ومن ثم خرجت بريطانيا العظمي من كل المنطقه، وساند الثوره العراقيه، واحتشد الجيش الأول ( الجيش السوري) زمن (الجمهوريه العربيه المتحده) عام 1958 على الحدود العراقيه ان تحركت القوات البريطانيه في قاعدة (الحبانيه). مما ادى الى ارسال الولايات المتحده الأمريكيه بعض قواتها الى لبنان،تحسبا لأي تطورات. كما ارسل عبدالناصر قوات مصريه الى سوريا قبل الوحده 1957 ،لتقف مع القوات السوريه على الحدود التركيه ،حين لاح التهديد التركي لسوريا .ذلك كله كان يعكس باخلاص ايمانه المطلق بوحدة المصير.
الدائرة الافريقيه
في افريقيا انشأ في القاهره مكتبا للشؤون الافريقيه برئاسة الجمهوريه ،وقام بادارته السيد ( محمد فائق) وذلك لمساندة ودعم الثورات،وحركات التحرر الأفريقيه، إضافة إلى الرابطة الأفريقية، وسميت (الجمعية الأفريقية) بعد ذلك في القاهرة،وقد استضافت مكاتب ومقرات قيادات حركات التحرر الأفريقية، وتم التنسيق معها من حيث الدعم السياسي واللوجستي والعسكري والتدريبي لما تتطلبه حركات التحرر للقيام بواجباتها. ،كما أنشأ شركة باسم ( شركة النصر للأستيراد والتصدير)، وهي تعمل بالتعاون مع المخابرات العامه لتيسير سبل المسانده للثورات الافريقيه ،وغطاء لها، وكان اسم رئيسها (محمد غانم) له شأن كبير في افريقيا.وكان يحظى بالكثير من الوان التقدير والاحترام من كافة القوى السياسيه والشعبيه. ساند الكثير من حركات التحرر الافريقيه،في دول مثل غانا،وغينيا ،ومالي، وكينيا ،بل وحين شعر زعيم الكونغو الراحل، ان العميل تشومبي يضيق الخناق عليه، وحياته مهددة بالقتل،ارسل الى عبدالناصر خطابا،(قال له فيه سوف اشعر بالأمان لأسرتي حين ارسلهم اليك ،وقلت لهم ستذهبون لعمكم جمال ،وتعيشون تحت حمايته) وعمل عبدالناصر على تهريبهم الى مصر،عن طريق السفاره المصريه في العاصمة ليوبولدفيل 1960 ،وقد سميت كذلك على اسم ملك الدوله المستعمره (بلجيكا) وكان اسمه (ليوبولد الثاني )قبل ان يتغير اسمها 1966 وتصبح (كينشاسا) عاصمة الكونغو الديموقراطيه،وجاءوا الى مصر ،وتربوا في كنفها ،بعد اغتيال (لومومبا).ونجد من
الوان الوفاء لذكري عبدالناصر، وعرفانا بفضله . نري في كوناكري عاصمة غينيا جامعه باسم (جمال عبدالناصر)،وفي باماكو عاصمة مالي (حي باسم مصر،وفندق باسم (جمال عبدالناصر ) ،وفي مومباسا وهي المدينه الثانيه في كينيا طريقا رئيسيا باسم جمال عبدالناصر. بل ان (فنزويلا) اقامت له تمثالا في العاصمة (كاراكاس)ودعي نجله (عبدالحكيم عبدالناصر) لحضور ازاحة الستار عنه
في الدائرة الاسلاميه
على صعيد الدائرة الاسلاميه: فى عهد جمال عبد الناصر تم زيادة عدد المساجد في مصر من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة إلى واحد وعشرين ألف مسجد .كما تم جعل مادة التربية الدينية (مادة إجبارية) يتوقف عليها النجاح أو الرسوب كباقى المواد، لأول مرة في تاريخ مصر، بينما كانت اختيارية في النظام الملكي. أنشأ عبد الناصر مدينة البعوث الإسلامية التى كان ومازال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين على مساحة ثلاثين فداناً تضم طلاباً قادمين من سبعين دولة إسلامية يتعلمون في الأزهر مجانا ويقيمون في مصر إقامة كاملة مجانا أيضا، وقد زودت الدولة المصرية بأوامر من الرئيس عبد الناصر المدينة بكل الإمكانيات الحديثة وقفز عدد الطلاب المسلمين في الأزهر من خارج مصر إلى عشرات الأضعاف بسبب ذلك. ، فى عهد عبد الناصر تم إنشاء إذاعة القرآن الكريم التى تذيع القرآن على مدار اليوم، تم تسجيل القرآن كاملا على أسطوانات وشرائط للمرة الأولى في التاريخ ، وكان عبد الناصر هو أول حاكم مسلم فى تاريخ الإسلام يجمع القرأن الكريم مسموعاً مجوداً ومرتلاً بأصوات كبار قراء القرأن الكريم فى زمنه ، وتم توزيع أسطوانات وشرائط القرأن الكريم على أوسع نطاق في كل أنحاء العالم
على الصعيد الوطنى في مصر
اعلن النظام الجمهوري،واسقط حكم اسره ،لم يكن يعرف معظم افرادها اللغة العربيه،بل كان الملك فؤاد يتعثر في النطق بها،وحقق الجلاء ،وخرجت قوات الاحتلال بعد اكثر من سبعين عاما،وأعطي السودان حق تقرير المصير،واصدر قانون الاصلاح الزراعي الذي حرر الفلاح،بعد ثورات الفلاحين
المتعددة وأبرزها،واحدثها في اواخر الاربعينات في (بهوت) و( كفور نجم) حيث كان الاقطاع هناك
اكثر ضراوه ،نظرا للمصاهرات العائليه مع عناصر نافذة في سلطة الحكم. وانشاء اكثر من الف ومائتي مصنع بين صناعات ثقيله ومركزيه ،وصناعات خفيفه تقوم على خدمة المجتمع،وبذلك أنشأ طبقه عماليه حرفيه ومدربه،لكي تقوم الصناعه متكاتفة مع الزراعه لبناء مجتمع جديد. حظر الفصل التعسفي الا من خلال لجنه ثلاثية يتم تشكيلها من النقابه ومكتب العمل والمؤسسه التي تزمع بالفصل
كما جعل العامل عضوا في مجلس ادارة المنشأه بانتخابه من العمال،ووزع 25% من الارباح على عمال الشركات،واهتم بالتعليم (شهادة العالم الجليل الدكتور احمد زويل ان تعليم الستينات كان جيدا) .
من خلال كل تلك الاجراءات ،بالأضافه الى عمليات التأميم،تم التوصل الى اتساع الطبقة المتوسطه وتاريخيا وعلميا فان تلك الطبقة هي التي تساهم بحد كبير،في نهضة المجتمع وتقدمه،كما على مستوى الامان الاجتماعي، فان عوامل الاستقرار للمجتمع كفاية الطبقات الفقيره ،من حيث توفر فرص العمل والكفاية المادية،لضمان مستوى المعيشه والحماية من الانحراف بكل صوره. كانت ثورة عبد الناصر ثورة سياسيه للتحرر السياسي .واجتماعيه تعتمد الكفاية في الانتاج والعدالة في التوزيع.
وأخيرا
قد يعن للبعض سؤال جوهري ،هل يعني كل هذا السرد،انه لم تكن هناك اخطاء أو كوارث في هذه التجربه ،واقول بمنتهى التجرد ،ان كل توجهات عبدالناصر كانت صحيحه،وشخصيته القياديه الكارزميه كانت شديدة التوهج ،ولكن التطبيقات،وظروفها السياسيه، كانت بها مطبات،وهذا يظهر في نكسة 1967،ولكن نظرا لتاريخه وللتجربه التي عايشها الشعب في قيادته،كان الاصرار على استمراره ،على مقعد القياده بارادة شعبيه كاسحه، ظهرت يومي 9، 10 يونيو 67 ،كما ارسل له الرئيس الفرنسي (الجنرال ديجول) رساله بعد اعلانه التنحي،قال له فيها ( ان النصر والهزيمه في حياة الشعوب قضايا متداوله ،ولعلك تذكر ان العاصمه الفرنسيه (باريس) قد احتلت من الالمان ،وتم تحريرها. انني ادرك ان كبرياءك هو الذي دفعك للتنحى،ولكني اقول لك ان الشجاعه تكمن في التصدي وليس في الانسحاب.وعاد عبدالناصر للحكم ليخوض معركة الاستنزاف ويعد الجيش للمعركه الفاصله
وكان الوداع ساعة رحيله حزينا الى حد النواح، وذاكراه عزيزة حتى البهجة الى حد الانتشاء، والسؤال الأخير لماذا لم تنته محاولات تشويهه، والنيل من سياساته باعتبارها كوارث. والاجابة شديدة البساطه ،حتى لا يتكرر،ويظهر مرة اخري باسم جديد. والشعوب بالطبيعه ولاده




