Home / Uncategorized / هوس الكمال والمقارنة يستنزفان الطاقة

هوس الكمال والمقارنة يستنزفان الطاقة

في السنوات الأخيرة، أصبح التدريب على الحياة أو ما يُعرف بـ”Life Coaching” حاضراً بقوة في عالم تطوير الذات، إلا أن مفهومه لا يزال ملتبساً لدى كثيرين. فبين من يراه مجرد مجموعة من العبارات التحفيزية، ومن يعتقد أنه يقدّم حلولاً سريعة لمختلف مشكلات الحياة، يغيب أحياناً المعنى الحقيقي لهذا المجال ودوره.

ببساطة، التدريب على الحياة هو عملية مهنية ومنهجية تهدف إلى مساعدة الفرد على فهم أهدافه، وتحديد أولوياته، واكتشاف العوائق التي تقف أمام تقدمه، ثم وضع خطوات عملية تساعده على الوصول إلى ما يسعى إليه. ولا يقوم المدرب باتخاذ القرارات بدلاً من الشخص أو إعطائه حلولاً جاهزة، بل يطرح أسئلة وأدوات تساعده على التفكير بوضوح، واكتشاف إمكاناته، لتحمل مسؤولية خياراته.

تكمن أهمية التدريب على الحياة في أنه لا يركز فقط على «ماذا نريد؟»، بل يساعد أيضاً على فهم كيف نصل إليه. فقد يمتلك الإنسان أهدافاً واضحة، لكنه يواجه التردد، أو التسويف، أو صعوبة ترتيب الأولويات، أو عدم القدرة على تحويل أفكاره إلى خطوات عملية. هنا يوفّر التدريب مساحة منظمة للتفكير والمراجعة ووضع أهداف واقعية ومتابعة التقدم نحوها.

وفي هذا السياق، كنا لنا لقاء خاص مع مدربة الحياة وتطوير الذات بتول جشّي التي حدثتنا عن عن طرق التفكير الواعية التي تساعد الإنسان على استعادة التوازن مع ذاته، وقدّمت نموذجاً موسّعاً لفهم الاحتياجات الفكرية الواعية للفرد عندما يمر بمشاعر عدم الرضا، أو العزلة والوحدة، أو السعي المستمر نحو الكمال، كما ناقشت تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تعميق المقارنات وخلق فجوة بين الصورة التي نعيشها والواقع الذي نختبره.

التدريب على الحياة يشمل مجالات متعددة، مثل التطور الشخصي، إدارة الوقت، تحديد الأهداف، التوازن بين الحياة والعمل، واتخاذ القرارات، تطوير المهارات، بناء العادات وتحسين الثقة بالنفس. اذ يختلف موضوع التدريب وأهدافه باختلاف احتياجات كل شخص، إذ لا توجد وصفة واحدة تناسب الجميع. وفي الوقت نفسه، من المهم التأكيد أن التدريب على الحياة ليس علاجاً نفسياً ولا بديلاً عن المختصين في الصحة النفسية أو الرعاية الطبية، بل دوره الأساسي يرتبط بالأهداف المستقبلية، والتغيير السلوكي، وتطوير المهارات، ومساعدة الفرد على الاستفادة من إمكاناته في مواجهة تحديات الحياة واتخاذ قرارات أكثر وعياً.

لذلك، في هذا التقرير ستقوم بتحديد مفاهيم وخطوات التدريب على الحياة بطرق أكثر خصوصية ووضوح بعيداً عن المبالغة أو الاختزال ما يجعله أداة يمكن الاستفادة منها في مراحل مختلفة من الحياة.

“الحصاد”: إذا أردنا تبسيط مفهوم «التوجيه الحياتي» للقارئ، كيف يمكن أن تشرحيه باختصار، وما الذي يميّزه عن مجرد تقديم

الـLife Coaching، أو التوجيه الحياتي، هو شراكة بين المدرب والفرد، يرافق فيها المدرب الفرد في رحلة لفهم ذاته بشكل أعمق، واكتشاف قدراته، وتوضيح أهدافه، والتعرّف إلى العوائق التي تقف أمامه. لا يقوم المدرّب بإعطاء حلول أو أجوبة جاهزة، بل يساعد الفرد من خلال الحوار والأسئلة على الوصول إلى إجابات وحلول تنبع منه وتتناسب مع واقعه واحتياجاته، ثم تحويلها إلى خطوات عملية قابلة للتطبيق. النصائح أو الدعم النفسي؟

    لذلك، لا أراه ترفاً،لأننا كمجتمع، نحتاج إلى أدوات تساعدنا على التعامل مع كثير من التحديات التي أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية؛ من الضغوط النفسية والاجتماعية، إلى المقارنات المستمرة، والشعور بعدم الرضا، وصعوبة تحقيق التوازن بين متطلبات الحياة وتطلعاتنا الشخصية. وهنا يمكن أن يلعب التوجيه الحياتي دوراً في تعزيز الوعي بالذات، ومساعدة الأفراد على التعامل مع هذه التحديات بطريقة أكثر وعياً واتزاناً.

    “الحصاد”: ما التغيير الذي يمكن أن يلمسه الفرد بعد تجربة التوجيه الحياتي، وكيف ينعكس ذلك على علاقته بذاته ومشكلاته ومحيطه؟

    أعتقد أن أول تغيير يلمسه الفرد هو أنه يبدأ برؤية نفسه وحياته من زاوية مختلفة. أحياناً لا تكون المشكلة في غياب الحل، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى المشكلة. من خلال التوجيه الحياتي، يتعلّم الفرد أن يميّز بين ما يستطيع تغييره وما لا يمكنه، وأن يفهم احتياجاته وحدوده وقيمه بشكل أوضح، فيصبح أكثر قدرة على اتخاذ قراراته بدل أن يتخذها تحت ضغط الخوف أو إرضاء الآخرين.

        ومع هذا الوعي، تتغير علاقته بذاته أولًا، ثم ينعكس ذلك على علاقاته واختياراته وطريقة تعامله مع التحديات. الهدف ليس أن تصبح الحياة خالية من المشكلات، فهذا غير واقعي، بل أن يمتلك الفرد وعياً وأدوات تجعله أكثر قدرة على التعامل معها، وتحويل ما يمرّ به من مجرد تجربة يعيشها إلى تجربة يتعلم منها ويستفيد.

        “الحصاد”: لماذا أصبح السعي إلى الكمال هاجساً يرافق الكثيرين، خصوصاً مع المقارنات المستمرة على أرض الواقع وعبر مواقع التواصل؟

        أصبح الكمال هاجساً لأن الفرد لم يعدّ يقارن حياته بحياة الآخرين فقط، بل يقارن واقعه الكامل بلحظات منتقاة من واقعهم. ومع تكرار هذه المقارنات، قد تتحوّل الرغبة في التطور إلى شعور دائم بأن هناك شيئاً ناقصاً أو أن الوصول إلى الرضا مشروط بتحقيق صورة مثالية.

          المشكلة ليست في الطموح أو الرغبة في التحسّن، بل عندما يصبح الكمال شرطاً للشعور بالقيمة. التوازن الحقيقي هو أن يسعى الفرد إلى تطوير ذاته من دون أن يكون ذلك نابعاً من رفضها؛ فالتطور الصحي لا يعني الوصول إلى نسخة مثالية، وإنّما إلى نسخة أكثر وعياً ورضاً واتساقاً مع الذات.

          “الحصاد”: مع هذا السعي المستمر لمجاراة الصورة المثالية التي يراها الفرد من حوله، أين يقع الخط الفاصل بين الطموح الصحي والسعي المرهق إلى الكمال؟

          الخط الفاصل يبدأ عندما لا يعود الطموح نابعاً من الرغبة في التطور، بل من الشعور بأن ما يملكه الفرد أو يحققه لا يكفي. الطموح يمنح دافعاً للحركة والتعلم، أما الكمال فيضع شرطاً قاسيًاً للرضا؛ كأن تكون النتيجة مثالية، وأن تخلو الرحلة من الأخطاء والتعثّر. المشكلة ليست في وضع أهداف عالية، بل في أن تصبح قيمة الفرد مرتبطة بقدرته على تحقيقها. عندها يتحوّل الطموح من مساحة للنمو إلى مصدر للضغط والمقارنة والإحباط. الطموح الصحي يسمح بالتجربة والخطأ وتعديل المسار، ويترك للفرد مساحة ليقدّر ما حقّقه، بدل أن يبقى منشغلاً بما لم يصل إليه بعد.

          “الحصاد”: وهنا، أين يقع واجبك كمدربة حياة لتذليل هذه العقبات؟

          كمدربة حياة، أرى أن هذا هو بالضبط المكان الذي نبدأ فيه بإعادة توجيه البوصلة الداخلية لدى الفرد. فدوري هنا هو أن أساعد الشخص على التمييز بين الطموح الذي يعكس فعلاً قيمه ورغباته الحقيقية، وبين الأهداف التي تشكّلت نتيجة المقارنة بالآخرين أو تحت ضغط توقعات المجتمع. يتم ذلك، من خلال جلسات الحوار العميق وطرح الأسئلة التأملية، أرافق الفرد في رحلة اكتشاف ذاته، كماذا يريد حقًا؟ ولماذا يريد ذلك؟ وهل هذا الهدف يخدم نموه الشخصي أم أنه مجرد محاولة لمجاراة صورة مثالية مفروضة من الخارج؟

              تجدر الإشارة هنا، إلى أنني لا أهدف إلى إيقاف الطموح أو تقليل الرغبة في التطور، بل أعمل على إعادة بناء علاقة صحية مع النجاح. بحيث يصبح الإنجاز وسيلة للنمو والتطور، وليس معياراً لتحديد قيمة الشخص أو مكانته.

              وعندما يبدأ هذا التحول في طريقة التفكير، ألاحظ أن تأثير المقارنة يقل تدريجياً، ويصبح الفرد أكثر وعياً بذاته، وأكثر قدرة على وضع أهداف واقعية تتناسب مع حياته وظروفه، بدل السعي وراء صورة مثالية لا تعكس حقيقته.

              “الحصاد”: رغم سهولة التواصل وتوسّع دوائر العلاقات والصداقات، لماذا يشعر بعض الأشخاص بالوحدة حتى وهم محاطون بالآخرين؟

              كثرة التواصل لا تعني بالضرورة وجود اتصال إنساني حقيقي. أصبح من السهل أن يتواصل الفرد مع عشرات الأشخاص، لكن الأصعب هو أن يجد علاقة يشعر فيها بأنه مفهوم ومقبول وقادر على أن يكون على طبيعته من دون خوف من الحكم أو الرفض.

                  فأحياناً لا تكون الوحدة نتيجة غياب الناس، بل غياب العلاقة التي تمنح شعوراً حقيقياً بالقرب والأمان. فالإنسان لا يحتاج بالضرورة إلى دائرة كبيرة من العلاقات، بقدر حاجته إلى روابط صادقة يستطيع فيها أن يتخلّى عن الأقنعة، ويشعر بأنه محبوب ومقبول كما هو، وعندما تغيب هذه الروابط، قد يشعر الفرد بالوحدة حتى وسط الزحام.

                  “الحصاد”: كما تبرز إلى جانب هذه التحديات مشكلة اجتماعية أخرى، وهي الشعور بالفراغ وعدم الرضا رغم النجاح والإنجاز. لماذا برأيك يحدث ذلك؟

                  لأن النجاح يجيب عن سؤال «ماذا حققت؟»، لكنه لا يجيب بالضرورة عن سؤال «ماذا يعني لي ما حققته؟». قد يصل الفرد إلى منصب أو هدف أو مستوى من الحياة كان يعتقد أنه سيمنحه الرضا، ثم يكتشف أن الشعور بالفراغ ما زال موجوداً؛ لأن الإنسان لا يعيش على الإنجاز وحده، بل يحتاج أيضاً إلى معنى، وانتماء، وعلاقة حقيقية بذاته وحياته.

                      هنا يبدأ دوري كمدربة حياة، ليس في البحث عن إنجاز جديد يملأ هذا الفراغ، بل في مساعدة الفرد على فهمه. من خلال الأسئلة والحوار، نبحث عمّا ينقص فعلا، هل المشكلة في الهدف نفسه؟ أم في الطريقة التي يعيش بها الفرد حياته؟ أم في أنه يحقق ما يتوقعه الآخرون منه بدل ما يتوافق مع قيمه واحتياجاته؟

                      فعندما يصبح الفرد أكثر وضوحاً بشأن ما يريده وما يمنحه معنى، يستطيع أن يعيد ترتيب أولوياته، ويضع أهدافاً لا تبدو ناجحة من الخارج فقط، بل تشعره أيضاً بأنها مناسبة له من الداخل. وهنا يتحول النجاح من شيء يطارده الفرد باستمرار إلى جزء من حياة لها معنى.

                      “الحصاد”: بعيداً عن التغييرات الكبيرة، ما الممارسات اليومية البسيطة التي يمكن أن تصنع فرقاً حقيقياً في جودة حياة الفرد؟

                      ثمة ممارسات بسيطة، لكن أثرها يتراكم مع الوقت. يبدأ اليوم بتحديد أولويات واضحة بدل محاولة إنجاز كل شيء، وتخصيص وقت للحركة والنوم الجيد والغذاء المتوازن، حتى لو بخطوات بسيطة. من المفيد أيضاً أن يخصّص الفرد دقائق يومية بعيداً عن الهاتف ووسائل التواصل، ليراجع كيف يشعر وما الذي يحتاجه فعلاً.

                        ومن الممارسات المهمة أن يختار كل يوم شيئاً واحداً يستطيع إنجازه ويشعره بالتقدم، وأن يتعلم قول «لا» لما يستنزف وقته وطاقته، مقابل تخصيص وقت لما يمنحه الراحة والمعنى. ويمكن أن تكون ممارسة الامتنان، أو كتابة الأفكار والمشاعر لبضع دقائق، وسيلة بسيطة لزيادة الوعي بما يدور داخلياً.

                        الأهم هو عدم محاولة تغيير كل شيء دفعة واحدة. اختيار عادة أو اثنتين والالتزام بهما يومياً أكثر فاعلية من وضع قائمة طويلة يصعب الاستمرار عليها. جودة الحياة في النهاية لا تتغير بقرار واحد، بل بالطريقة التي تتكرر بها الاختيارات الصغيرة كل يوم ويرى اثر ذلك على حياته إيجابياً رويداً.