يعجز بل يستحيل على اللبنانيين وعددهم ٥ ملايين تحقيق ملامح وحدتهم المُهدّدة أبداً فوق 10452 كلم مربع هي مساحة وطنهم المدموغ ب ٩٩ حزبا و١٣ الف جمعية إلى ٧٠٠ جمعية جديدة في كل عام. ماذا أسميها غير البقعة الجميلة المتشظية بالصراعات المذهبية وأحلام الجغرافيا المستحيلة.
أكتب في عتمةٍ باتت تشتهي المصباح .لم نفقد أحلامنا بلغة العرب اللذين لطالما أدمنوا علامات استفهامنا وتعجبنا وأراهم يتقاطرون مجدّداً نحونا بما يفرحني ان أُطرّز هذه الإستهلالية للإفصاح قانوناً بما لا نعثر عليه في أي دولة في العالم:
تصوّروا أن هذه التشظيات دفعت الألسن والأذهان ان تسميه لا وطنا ب: الساحة اللبنانية والساحات بل الشوارع اللبنانية.
استقصيت الأمر متأكّداً عطفاً على:”نظام العلم والخبر في قوانين تأسيس الجمعيات والأحزاب” أن لا للمبالغة قط توصيفاً لوطن جميل بالساحات والجماعات والطوائف والمذاهب بصيغ تتكرّر في الإعلام وعلى ألسنة السياسيين والطوائف والمذاهب بصيغ مستعصية بل مستحيلة الجمع في مسارٍ وطني متآلف.
لماذا؟
لأنه بمجرد إجتماع مجموعة لبنانيين ثمّ تكليف محامٍ المضي بتقديم ملف علم وخبر يُسجَل في وزارة الداخلية يتضمّن إخراجات قيد وسير المؤسسين المجتمعين مع نص الوثيقة السياسية للتجمع وفيها المبادئ والأهداف والإصلاحات التي يتطلع المجتمعون لتحقيقها، يمكن الحصول ببساطة على “العلم والخبر” بالموافقة على منحهم الترخيص الذي يمنحهم حقوق توزيع
المراتب والصلاحيات وعقد الاجتماعات الأسبوعية أو الدورية وزيارة المسؤولين الرسميين والسفارات وإصدار البيانات عبر وسائل الإعلام وإقامة المهرجانات والمشاركة فيها مع أحزاب أخرى والتعبير عن مواقفهم عبر وسائل الإعلام في وطنٍ غمرته محيطات وسائل الإعلام لا بحورها ثم المشاركة في الترشح للانتخابات البرلمانية ونقد اقتراحات القوانين والمناصب والوزارات إذ تُفتح الأبواب على مصراعيها للحريات السياسية التي لا حدود لها وتفتقر أحياناً إلى لجمها بالألف واللام.
المشهد العام ينسف هوامش قوانين الحريات، لكنه يثير بالمقابل تساؤلات عميقة تتمطّى حول مخاطر انعكاس هذه التعددية بما يحول دون حتى التفكير ببناء الدولة الديمقراطية المعاصرة.
أكتب هذا صارخاً بجروحي لا بالحبر في وطن أنهكته الحروب
وتداخلت في شؤونه تأثيرات معظم إن لم نقل جمبع المراجع والقوى الإقليمية والدولية التي لا فسحات لتعدادها اذ تتكرّر المشاهد والأزمات السياسية كي لا نقول الحروب والمنازعات المذهبية المقيتة،لكأن لبناننا وأجيالنا ينتظرون ببلاهةٍ وعجزٍ بلوغ عصر حلم خيالي من الاستقرار السياسي والاجتماع والإنساني.
للتاريخ، قضى الاجتماع الأول للبرلمان بعد اتفاق الطائف بتعيين الرئيس رينيه معوض رئيساً للجمهورية واغتيل رحمه الله بعد 17 يوماً قرب وزارة الاعلام ليتسلّم الرئيس الياس الهراوي رحمه الله الجمهورية وتُصدر حكومة الطائف الأولى برئاسة الدكتور سليم الحص المرسوم رقم 1 بتعيين الجنرال إميل لحّود قائداً للجيش ثمّ المرسوم الثاني رقم 55 تاريخ 3/2/1990 بتعييني في مجلس إدارة تلفزيون لبنان، الأمر الذي “رماني” فجأةً في قلب جمهورية الطائف منذ 35 سنة فوجدت نفسي أحد مؤسسي “هيئة الدفاع الوطني” ومن مهماتي الأولى تسلّم تلفزيون الحازمية بأعقاب رحيل الجنرال ميشال عون نحو باريس لأُتابع مع ٤ من قادة الجيش ومعاونيهم الذين تسلّموا رئاسة الجمهورية اللبنانية أقصد: إميل لحود وميشال سليمان وميشال عون وجوزاف عون بعد تسلمهم تباعاً قيادة للجيش اللبناني.
هذا التاريخ يعني لديّ كتاباُ غنيّاً حافلاً بما لا يمكن تصوره من أسرار واحداث حمت هيبة المكانة الوطنية التي حظي ويحظى وسيحظى بها الجيش اللبناني الذي يتطلّع إليه اللبنانيون اليوم، بوصفه المؤسسة الجامعة التي تضم الجميع بعيدًا من الانقسامات الهائلة العاصفة بالحياة السياسية، مع اليقين أن هذه المؤسسة والجمهورية عينها لا ولم تسلم حتى اليوم من التجاذبات السياسية والإعلامية والتهور والنقد إذ بات المنشور في وسائل التواصل والإعلام يتجاوز أبسط الأعراف المتبعة في معظم دول العالم، إذ تُعامل الجيوش بوصفها المؤسسات الدفاعية الجامعة المنصهرة بعيداً من الانقسامات والتجاذبات المحلية والمستوردة.
للإعلام في لبنان، للغرابة، حرّيات مطلقة بلا ألف ولام ، وخصوصاً في زمن الإستباحات في التفكير والتعبير واشتعال الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي المباحة والمستباحة، والذي كنت من الساهرين أبداً في غلوائه ومعصياته أستاذا ومديراً لكليّة الإعلام في لبنان ومسؤولاً في الهيئة العليا للإشراف على الإنتخابات البرلمانية في لبنان .
خرّجنا أجيالاً من الإعلاميين بات فيهم وزيرات وزراء للإعلام الذي يفترض أن يكونوا جواهر السلطة الرابعة، فإذا بها سلطات لا متناهية تشهد تحولات وعقد ومشادات لا حدود لها ولا ضوابط خصوصا عبر توسع الفضائيات والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
هكذا بدت حرية
التعبير في الساحات والشاشات عارية نهائياً من دون الألف واللام لكأن الإعلام هي السلطة السائبة الأولى الأشد تأثيرًا في توجيه النقاشات والجبال بما يستحيل ضبطه عبر ساحات نعم ساحات التواصل كما تسمّى في لبنان.
يطلّون على الشاشات وينشرون النصوص والأسرار الصحيحة والمختلقة صارخين بالساحة والساحات اللبنانية.
للتاريخ. كان الفيلسوف مونتسكيو أرسىى مسألة توازن السلطات بوصفه ضمانة الديمقراطية، لكن الواقع اللبناني أدمن معتبرا الإعلام هو السلاح الأمضى وبات بحرياته الرقمية خارج أسوار القوانين ، ولهذا موضوع بحث طويل منفصل، إذ أصبح لاعبًا رئيسا يتجاوز بتأثيره المؤسسات الدستورية والسلطات المتفرعة عنها.
لا يعني ما ورد، رغبة التقليل من قيم حرية التعبير التي كانت من أبرز سمات لبنان، لكنها باتت كغيرها من الحريات تحتاج بإلحاح إلى مسؤوليات وضوابط مهنية وأخلاقية. ليس هناك من حريات سائبة بلا حدود في الحرية والتعبير والتحرير تعميقاً للانقسام المقيت وإضعاف الثقة بمقدرات الدولة. وليس أخطر من أن يتمكّن الإعلاميون يتباهون بقطع رأس مونتسكيو القائل بالنظام الديمقراطي واضعاً الإعلام في المرتبة الرابعة لتغدو اللاديمقراطية والإستباحة نظامًا، والانقسام ثقافة، والاستثناء قاعدة بما يكفل ضمور الهيكل العظمي الذي تقوم على أساسه الدول وترتقي تباعاً الأجيال في بناء الحضارة الإنسانية

