يأتي “كتاب الغرفة” للشاعر والكاتب اللبناني عقل العويط نصاً أدبيا مميزاً يصعب وضعه بسهولة داخل تصنيف أدبي واحد. فهو ليس سيرة ذاتية تقليدية، ولا رواية بالمعنى المعروف، ولا مجموعة مقالات منفصلة، بل هو نص مفتوح تتداخل فيه السيرة والذاكرة والشعر والتأمل. ومن خلال مكان يبدو محدوداً في مساحته، هو الغرفة، ينجح العويط في فتح مساحة واسعة للتفكير في الذات والإنسان واللغة والحب والموت والذاكرة والوطن، ومعه تتحول الغرفة من مكان خاص إلى إطلالات على عالم مفتوح.
تحتل الغرفة مركز الكتاب، لكنها لا تظهر بوصفها مجرد مكان يحتوي السرير والمكتب والكتب والمكتبة والنافذة والشرفة. إنها في رؤية الكاتب امتداد للذات وفضاء للوجود. فقد ارتبطت غرفة العويط، في شقته المطلة على البحر بتاريخ طويل من حياته فأصبحت مكاناً للسكن والكتابة والقراءة والتأمل واستقبال الأصدقاء والأشخاص الذين تركوا أثراً في حياته. ولذلك تبدو الغرفة أشبه بجسد ثانٍ للكاتب، أو مرآة تختزن مراحل عمره المختلفة. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب. فالمؤلف لا يكتب عن غرفة فحسب، بل يجعلها موضوعاً للكتابة ومجازاً للحياة. إنها مكان محدود من الناحية الجغرافية، لكنها واسعة جداً من الناحية النفسية والروحية. وداخل هذه المساحة الصغيرة يستطيع الكاتب أن يستعيد طفولته وشبابه وقراءاته وعلاقاته وأصدقاءه وأحزانه، وأن ينتقل من تفاصيل حياته الخاصة إلى أسئلة تتعلق بالمجتمع والوطن والإنسان.
ويتميّز الكتاب (منشورات هاشيت – أنطوان) كذلك بطريقة بنائه. فهو لا يسير وفق خط زمني منتظم كما السير الذاتية التقليدية، إذ ينتقل الكاتب من ذكرى إلى أخرى، ومن تفصيل صغير إلى فكرة واسعة، ومن حديث عن الكتب والقراءة إلى تأمل في الحب والموت والوطن والرياضة والحياة اليومية. هذه الانتقالات لا تبدو عشوائية، بل تعكس طبيعة الذاكرة التي لا تتحرك وفق خط مستقيم. فقد تستدعي صورة صغيرة ذكرى بعيدة، وقد يقود كتاب موجود على الرف إلى مرحلة كاملة من حياة صاحبه. لذلك يبدو بناء الكتاب قريباً من طبيعة الذاكرة نفسها، حيث يتداخل الماضي بالحاضر، وتعود الأحداث القديمة من خلال الأشياء والأماكن.
وتبدو اللغة من أبرز عناصر الكتاب. فعقل العويط شاعر قبل أن يكون كاتب نثر، لذلك تحضر الشعرية بقوة في عباراته وصوره وإيقاع جمله. غير أن هذه الشعرية لا تأتي بوصفها زينة لغوية، فهي تؤدي وظيفة أساسية في الكشف عن التجربة الداخلية للكاتب. فالعويط ينظر إلى الأشياء اليومية بعين الشاعر، ويمنحها قدرة على التعبير عن معانٍ تتجاوز وجودها المادي. الكرسي والسرير والكتاب والنافذة والضوء ليست مجرد تفاصيل في الغرفة، بل تصبح علامات على الزمن والذاكرة والوجود. والغرفة، رغم خصوصيتها، لا تبقى منفصلة عن لبنان. فكلما تعمق الكاتب في تفاصيل حياته، اتسع المكان ليحمل شيئًا من تاريخ بلده وتحولاته. إن السيرة الفردية تتقاطع مع السيرة الجماعية، وذكريات الكاتب الشخصية تتداخل مع ذاكرة جيل عاش الحرب والانقسامات والتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية. ومن خلال غرفته، يستطيع الكاتب أن يستعيد صورة لبنان الذي عرفه، وأن يتأمل في التغيرات التي طرأت على المكان والناس والحياة. وهذا يجعل الكتاب يتجاوز حدود السيرة الشخصية. فالقارئ لا يقرأ حياة شخص واحد فقط، بل يجد نفسه أمام تجربة إنسانية أوسع. فكل إنسان يمتلك، بصورة أو بأخرى، مكانًا يحتفظ فيه بذكرياته وأشيائه الخاصة. وكل بيت يحمل آثار الذين عاشوا فيه، وكل غرفة يمكن أن تصبح سجلاً صامتاً لمرحلة من العمر. ومن هذه الزاوية يستطيع القارئ أن يرى نفسه في تجربة هذا الشاعر، حتى وإن اختلفت تفاصيل حياته عن تفاصيل حياة الشاعر.
يحتل الحب والفقد والموت موقعاً في التجربة التي يقدمها الكتاب. فالعويط لا يتعامل مع الموت بوصفه فكرة فلسفية مجردة، بل يقترب منه من خلال الذكريات والأشخاص والأشياء التي تحمل أثر الغياب. وكلما تحدث عن شيء فقده أو شخص ابتعد عنه، تصبح الكتابة محاولة لمقاومة النسيان. وهنا تتحول الذاكرة إلى شكل من أشكال الوفاء، وتصبح الكتابة وسيلة للحفاظ على ما يمكن أن يضيع مع مرور الزمن.
ومن اللافت أن أصل الكتاب نفسه يرتبط بفكرة الكتابة العفوية. فقد بدأ، بحسب صاحبه، بنص قصير عن الغرفة نُشر في الملحق الثقافي لجريدة «النهار»، ثم جاءه سؤال من كاتبة وناشرة حول ما إذا كان النص جزءًا من كتاب. كان ذلك السؤال الشرارة التي دفعته إلى توسيع التجربة، فتحول النص الأول خلال أشهر إلى “كتاب الغرفة”. وتكشف هذه البداية أن الكتاب لم يكن مجرد مشروع نظري مخطط له منذ البداءة، بل نما تدريجياً من علاقة الكاتب بالمكان، ومن رغبته في استكشاف ما تختزنه الغرفة من ذكريات ومعانٍ.
ومن الناحية الأدبية، تكمن أهمية الكتاب في أنه يقدّم نموذجاً لنص عابرا للأنواع. فالقارئ يجد فيه السيرة والنثر الشعري والتأمل والمقالة والذاكرة الشخصية. ولا يحاول العويط أن يضع تجربته داخل قالب ثابت، بل يترك للنص حرية الحركة، وهذه الحرية تمنح الكتاب طابعاً خاصاً، وتجعل قراءته أقرب إلى التجول في غرفة مليئة بالأشياء والذكريات، كل تفصيل يمكن أن يقود إلى حكاية جديدة أو فكرة مختلفة.
في النهاية، يمكن القول إن “كتاب الغرفة” ليس كتاباً عن غرفة بقدر ما هو كتاب عن الإنسان حين يعود إلى نفسه، وإلى مكان وذاكرة وجسد ولغة وملاذ، لكنها في الوقت نفسه نافذة على العالم. ومن خلال هذا المكان المحدود استطاع الشاعر أن يكتب عن موضوعات واسعة. عن الشعر والقراءة، عن الحب والموت، عن العزلة والصداقة، وعن لبنان والذاكرة والزمن. وقدم رسالة مفادها إن الإنسان لا يسكن المكان فقط، بل يسكن أيضاً ذكرياته وأشياؤه وكلماته. وقد يستطيع المكان أن يحتفظ بما يعجز الإنسان عن الاحتفاظ به: صوت قديم، صورة بعيدة، كتابًا قرأه في زمن مختلف، أو ذكرى شخص غاب. لذلك يصبح هذا المكان أشبه بخزان للزمن، ويصبح الكتاب محاولة لفتح هذا الخزان، واستعادة ما فيه بالكلمات.

