هناك خلط حقيقي بين الحساسية الزائدة ومرض التوحد عند الأطفال
في كتابها ” الشخص مفرط الحساسيّة- كيف تنجو من ظروف العالم الصعبة”، ” The Highly Sensitive Person in Love” والذي تم نشره في العام 1996، تتحدث الدكتورة الأميركيّة “Elaine N. Aron” وهي باحثة في الطب النفسيّ، ومعالجة نفسيّة وكاتبة روائية أيضًا، انطلاقًا من تجربتها عن سمة الشخصيّة المفرطة الحساسيّة:
“عندما كنت طفلة أعيش مع عائلتي، كنت أهرب من الفوضى المحيطة بي، وفي المدرسة كنت أتجنب الرياضات والمباريات، والأطفال في وجه العموم، كنت أشعر بشعور يجمع بين الراحة والهوان عندما.. يتحاشاني الجميع..”.
مؤكدّة أنّ الحساسيّة المفرطة ليست مرضًا نفسيًّا يجب علاجه، بل هو سمة جينيّة ووراثيّة في غالب التقدير، حيث يكون لدى الشخص وعيٌ زائدٌ وجهازٌعصبيٌّ سريع الاستثارة ودماغًا عميق التفكير وشديد الملاحظة.
وتُصرّح في أنّ الكتاب مبني على مقابلات وأبحاث ودراسات قامت بها المؤلفة حول موضوع الحساسيّة المفرطة. وتُشير إلى أنّها في بداية بحثها لم تجد مصادر واضحة عن الموضوع، وكان موضوع الانطوائية أقرب ما يمكن لما تريد البحث عنه، ومن روّاده الطبيب النفسي كارل يونغ، وأطلق عليه اسم “النزعة الداخلية”. وبعد إجراء المقابلات مع أشخاص يعانون من الحساسيّة الزائدة، أو يتصرفون بعاطفيّة، وحصولها على اهتمام إعلاميّ وأكاديميّ لنشر أبحاثها، أطلقت مصطلحها النفس التشخيصيّ ” الحساسيّة الزائدة” لتُحدد نمط شخصيّة كثيرًا ما جرى خلطُ أعراضها باضطرابات نفسيّة أخرى، كالتوحّد أو الاكتئاب وغيرها..
يبدأ الكتاب باختبار ذاتي بعنوان: “هل أنت فعلا مفرط الحساسيّة؟” وتشرح خلال الكتاب أن الأشخاص مفرطي الحساسيّة قد لا يتشابهون في ردود أفعالهم أو في استجاباتهم للمثيرات الحسيّة، ومع التأكيد أنهم أكثر عمقًا في التدقيق وملاحظة ما لا يلتفت إليه الآخرون. وكمثال بسيط من الكتاب عن الحساسيّة المفرطة:
“وقد يكون ذوو الحساسيّة المفرطة أكثر ملاحظة للأمور الدقيقة من غيرهم، كملاحظة ما يصلح من أنواع الطعام الجديدة فيتناولونه، وما لا يصلح منها، فيجتنّبونه”.
ولهدف الاستزادة حول موضوع الحساسيّة الزائدة لدى الأطفال، التقت الحصاد بالاختصاصيّة النفس-تربويّة سماح كريم، للإحاطة بالتجرُبة من جوانبها المختلفة.
الطفل الحسّاس ليس مدلَلًا
في البداية تؤكّد كريم أنّ الحساسية تُعدّ جزءًا من التنوع الطبيعيّ في طباع الأطفال وطرائق استجابتهم للبيئة، إلّا أن التحدي يبدأ عندما تصبح شدة هذه الاستجابات أو تكرارها عائقًا أمام الطفل في حياته اليومية، أو تؤثر في علاقاته، وتكيّفه المدرسيّ، ونومه، وقدرته على التعامل مع المواقف المختلفة.
وتُشير إلى أنّ الطفل الحسّاس ليس بالضرورة ضعيفًا أو مدللًا، كما أن بعض السلوكيات التي تبدو متشابهة ظاهريًا قد تكون لها أسباب مختلفة. وهنا تبرز أهمية التمييز بين السمات المزاجية الطبيعيّة، والاستجابات التي قد ترتبط بالقلق أو صعوبات التنظيم الانفعالي أو بعض الاضطرابات النمائيّة التي تحتاج إلى تقييم متخصص.”
السِمات الشخصيّة للطفل ذي الحساسية الزائدة.
تُشير كريم إلى أنّ الطفل ذو الحساسيّة المرتفعة قد يتأثر بصورة واضحة بالنقد أو الرفض، وقد تكون استجابته للمواقف الانفعالية قويّة، كما قد يحتاج إلى وقت أطول للتكيّف مع التغييرات أو البيئات الجديدة. وقد نلاحظ لديه سرعة في التأثُر، أو البكاء، أو الانسحاب عندما تصبح المثيرات كثيرة، أو انزعاجًا من بعض الأصوات أو المواقف، إلى جانب حساسية واضحة تجاه مشاعر الآخرين.”
وقد يفهم بعض الأهل أو المحيطين سرعة تأثّر الطفل أو مبالغته بإظهار عاطفته، على أنّها دلالًا زائدًا، وهذا ما توضّحه كريم: ” علينا أن نكون حذرين جدًا من وصف الطفل بأنه “مغناج” لمجرد أنّه يبكي أو يتأثر بسرعة، الفارق لا يحدد من خلال موقف واحد، بل من خلال النمط المتكرّر وشدّة الاستجابة وقدرة الطفل على التحكّم بها وتأثيرها في حياته اليوميّة”
وهنا تؤكّد: “فالطفل الذي يستجيب بانفعال قويّ ولكنّه يستطيع، بعد التهدِئة، العودة إلى نشاطه والتفاعل مع الآخرين، يختلف عن طفل أصبحت حساسيّته تعيق حضوره المدرسي أو علاقاته أو نومه أو قدرته على المشاركة في الأنشطة اليومية.
كما أن ادّعاء الحساسيّة لا يمكن افتراضه لمجرد أنّ الطفل يكرّر البكاء أو يطلب تلبية رغباته. أحيانًا يكون السلوك محاولة للتعبير عن حاجة لا يستطيع الطفل التعبير عنها بطريقة أخرى. لذلك من الأفضل فهم وظيفة السلوك قبل إطلاق الأحكام عليه، خصوصًا في مرحلة الطفولة”.
منشأ الحساسيّة الزائدة عند الطفل
تفيد كريم أنّ الحساسيّة الزائدة عند الطفل لا يمكن اختزالها في سبب واحد، وتشرح: ” فهي غالبًا نتيجة تفاعل بين الاستعدادات الفرديّة والعوامل النفسيّة والبيئيّة. فهناك أطفال يولدون بطبيعة مزاجيّة تجعلهم أكثر انتباهًا للمثيرات المحيطة وأكثر سرعة في الاستجابة لها، سواء كانت أصواتًا أو تغيّرات في البيئة أو تعبيرات انفعاليّة من الآخرين. وقد يكون لهذا الاستعداد جانب بيولوجي وعصبي، كما قد تلعب العوامل الوراثيّة دورًا في تكوين بعض السمات المزاجية.”
وتستدرك:” لكن الاستعداد ليس قدرًا محتومًا. فالخبُرات التي يعيشها الطفل داخل الأسرة والمدرسة، وطريقة استجابة المحيطين به لانفعالاتِه، ومستوى الأمان النفسيّ الذي يشعر به، كلّها عوامل يمكن أن تزيد حساسيّته أو تساعده على تنظيمها. لذلك فالأدق أن ننظر إلى الحساسية باعتبارها نتاجًا لتفاعل الطبع والبيئة والخبرة النفسيّة، وليس باعتبارها مشكلة وراثيّة أو عصبيّة منفردة.”`
المُحيط وأثرهُ في نماء الشخصيّة المُرتفعة الحساسيّة
وتُشير كريمأنّه يمكن أن يكون لدى الطفل استعدادً فطريًّ للحساسيّة، ” لكن طريقة ظهورها وشدّتها تتأثران بدرجة كبيرة بالخبُرات التي يمر بها. فالطفل الذي يتمتع بحساسية مزاجيّة مرتفعة قد يتعلم، في بيئة آمنة وداعمة، كيف يفهم مشاعره وينظّمها ويستخدم حساسيّته بطريقة إيجابيّة، أما إذا تعرض باستمرار للنقد أو السخرية أو عدم التفهم، فقد تتحول الحساسية إلى خوف مفرط أو انسحاب أو قلق أو صعوبة في تحمل المواقف الاجتماعية.”
وتلفت إلى أنّه من المهم ألا ننظر إلى الحساسيّة باعتبارها نقطة ضعف فقط، مؤكدةً أنّ ” الطفل الحسّاس قد يمتلك قدرة ملحوظة على التعاطف، وملاحظة التفاصيل، وفهم مشاعر الآخرين، والتفاعل الوجداني، والخيال، والاهتمام بالجمال والفن، والانتباه إلى التغيّرات الدقيقة في البيئة، وقد يكون أكثر وعيًا بمشاعر زملائه وأفراد أسرته.
لكن هذه المزايا لا تظهر تلقائيًا؛ فهي تحتاج إلى بيئة تساعد الطفل على فهم حساسيّته وإدارتها، بدل أن تجعله يشعر بأن هناك شيئًا خاطئًا في شخصيته”.
وفي موقع آخر تُشير إلى أنّ: ” الحرمان البيئي، يمكن أن يكون عاملًا مفاقمًا عندما يحرم الطفل من الخبرات الضروريّة لنموه النفسي والاجتماعيّ والمعرفي، لكن لا ينبغي استخدامه كتفسير وحيد للحساسية المرتفعة.
وهنا تظهر أهمية أن ننظر إلى الطفل في سياقه الكامل: الطفل نفسه، أسرته، مدرسته، علاقاته، وخبراته اليومية.”
وتلفت: “البيئة لا تخلق بالضرورة الاستعداد من الصفر، وإنّما يُمكنها أن تُخفف من حدّته أو تضخّمه بحسب طبيعتها.”
الحساسيّة المفرطة ليست توحّدًا
هناك خلط حقيقيّ وتشابه في الأعراض بين الحساسيّة الزائدة ومرض التوحّد، وهو ما تؤكّد عليه كريم وتفنّده: ” هناك بالفعل بعض الأعراض التي قد تبدو متشابهة ظاهريًا بين الطفل الحسّاس وبعض الأطفال الذين لديهم اضطراب طيف التوحد، وهذا قد يؤدي أحيانًا إلى الخلط بينهما. فقد نرى في الحالتين انزعاجًا من بعض الأصوات أو المثيرات الحسيّة، أو صعوبة في بعض المواقف الاجتماعيّة، أو حاجة إلى وقت للتكيّف مع التغيير، أو استجابات انفعاليّة قويّة.”
وتفيد: “لكن التشابه في السلوك لا يعني بالضرورة تشابه السبب أو التشخيص. في اضطراب طيف التوحد، يكون المحور الأساسي مرتبطًا باختلافات مستمرة في التواصل والتفاعل الاجتماعيّ، إلى جانب أنماط سلوكيّة أو اهتمامات متكرّرة ومحدودة، مع اختلافات في المعالجة الحسيّة لدى بعض الأطفال. أما الطفل الحسّاس فقد يكون تواصله الاجتماعيّ مناسبًا من حيث الفهم والمبادرة والتبادل العاطفي، لكنه يتأثر بالمواقف أو المثيرات بصورة أكثر شدّة.
ومن الناحية الدراسيّة، قد ينسحب الطفل الحسّاس من موقف تعليميّ بسبب الضغط أو الضوضاء أو الخوف من الخطأ، بينما قد تكون لدى الطفل التوحديّ احتياجات مختلفة تتعلق بالتواصل أو المرونة أو طريقة معالجة المعلومات.
لذلك لا يصح أن نقول أنّ الطفل الذي ينزعج من الأصوات أو يحب الروتين هو طفل توحديّ، كما لا يصح اعتبار كلّ طفل حسّاس مجرد طفل مدلّل. التشخيص لا يُبنى على سلوك منفرد، وإنما على صورة نمائيّة متكاملة تشمل التاريخ النمائيّ، والتواصل، والتفاعل الاجتماعي، والسلوك، والجانب الحسي، والأداء الوظيفي”.
التدخّل العلاجيّ؛ ليس بالضرورة!
توضّح كريم أنّ الحساسيّة المرتفعة بحدّ ذاتها ليست اضطرابّا نفسيًا بالضرورة، وتُشير على أنّها سمة مزاجيّة طبيعيّة موجودة لدى بعض الأطفال، ولا تحتاج إلى علاج إذا كان الطفل قادرًا على ممارسة حياته بصورة جيدة.
وتلفت إلى أنّ التدخل المتخصّص يأتي: ” عندما تصبح شدة الاستجابات الانفعاليّة أو الحسيّة أو القلقيّة مؤثرة في حياة الطفل، كأن تمنعه من الذهاب إلى المدرسة، أو المشاركة في الأنشطة، أو بناء العلاقات، أو تؤثر في نومه وتحصيله وتكيّفه اليومي.”
وهنا، والكلام لـ كريم: يُحدّد الاختصاص المناسب بحسب طبيعة الصعوبة. فقد يبدأ الأمر بطبيب الأطفال لاستبعاد الأسباب الطبيّة أو الحسيّة، وقد يكون للأخصائيّ النفسيّ الإكلينيكيّ دور أساسي في تقييم القلق والتنظيم الانفعالي والضغوط النفسيّة، بينما يمكن للأخصائي النفسي التربوي أو أخصائي التربيّة المختصة تقييم أثر المشكلة في التعلّم والتكيُّف المدرسي ووضع التعديلات المناسبة”.
“وفي بعض الحالات التي تظهر فيها صعوبات واضحة في المعالجة الحسية أو المهارات الوظيفية، قد يكون للعلاج الوظيفي دور مهم. أما إذا ظهرت مؤشرات نمائية تستدعي الاشتباه باضطراب طيف التوحد أو اضطراب آخر، فالأفضل أن يكون التقييم متعدّد التخصصات.
الهدف هنا ليس “تغيير شخصية الطفل”، وإنما مساعدته على فهم استجاباته وتنظيمها واكتساب مهارات تمكنّه من التكيف دون أن يفقد خصائصه الإيجابية”.
نصائح للتعامل مع الطفل ذو الحساسيّة المُرتفعة!
تُشير كريم إلى أنّ أهم ما يحتاجه الطفل الحسّاس هو أن يشعر بأن مشاعره مفهومة وليست موضع سخرية أو عقاب، وتلفت إلى أنّ هذا لا يعني الاستجابة لكل مطالبه أو إعفائه من القواعد، بل يعني مساعدته على التعبير عن مشاعره ضمن حدود واضحة وآمنة.”
وتذكر مجموعة من أبرز النصائح والممارسات الفعّالة للتعامل أهمها:
تسميَة المشاعر ومساعدة الطفل على معرفة ما يحدث داخله بدل الاكتفاء بقول «لا تبكِ».-
إعطاؤه وقتًا مناسبًا للتهدئة قبل مطالبته بالعودة إلى الموقف.-
تهيئته مسبقًا للتغييرات والانتقالات بدل وضعه أمامها بصورة مفاجئة.-
تجنب السخرية من بكائه أو وصفه بأنه ضعيف أو مدلل.-
تعليمه مهارات بسيطة للتنفس والاسترخاء وتنظيم الانفعال.-
تعزيز أي محاولة منه للتعبير بالكلام بدل الانفجار أو الانسحاب.-
توفير بيئة صفيّة منظمة وواضحة القواعد، مع مراعاة المثيرات التي ترفع مستوى توتره عندما يكون ذلك ممكنًا.-
تقسيم المهمات الصعبة إلى خطوات أصغر، خصوصًا إذا كان القلق يؤثر في أدائه الأكاديمي.-
تعزيز نقاط القوة لديه، مثل التعاطف والانتباه والخيال، حتى لا تتشكل لديه صورة ذاتية قائمة على أنه “الطفل المختلف-
أو الضعيف.”
التعاون بين الأسرة والمدرسة بدل التعامل مع الطفل بطريقة مختلفة تمامًا في كل بيئة.-
وتختم: ” القاعدة الأهم هي أن هدفنا ليس أن نجعل الطفل أقل إحساسًا، وإنّما أن نجعله أكثر قدرة على إدارة ما يشعر به، فالحساسية عندما تُفهم وتُنظم يمكن أن تتحول من مصدر للمعاناة إلى مورد نفسي واجتماعيّ مهم في شخصيّة الطفل.”

