الأزمة السودانية تدخل منعطفا خطيرا

مستقبل ضبابي للسودان بين تكتيك حميدتي ومناورات البرهان 

، ووجود قاعدة روسية قد يشعل المنطقة 

“إن هجوم قوات الدعم السريع المروّع والمتعمّد على المدنيين اليائسين والجوعى في مخيم زمزم يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، مرة أخرى، ازدراءهم بالحق في الحياة”…تصريح صادر عن أنييس كالامار الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية يؤكد الاتهامات الموجهة لقوات الدعم السريع فيما يتعلق بالمذابح التي يرتكبها بحق السودانيين العزل بلا ذنب ولا جريرة. وهو تصريح تؤكده شهادة من سيدة سودانية تدعى سعدية من نفس المخيم قرب منطقة الفاشر، التي سقطت في أيدي قوات الدعم السريع منذ أسابيع، تحكي وقائع بشعة مما تتعرض له هي وأسرتها وجيرانها من تهديدات لحياتهم وتقول: ” إن قوات الدعم السريع كانوا يقودون سياراتهم في بالقرب من السوق الرئيسي في زمزم، ثم يخرج أحد مقاتليهم من سقف صغير  ويطلق النار على أي شخص في الشارع”. 

لاشك أنه واقع إنساني شديد الخطورة ومؤسف ناجم عن صراعات بين إخوة وأشقاء من وطن كان واحدا، قبل أن تمزقه الحرب، وما حدث في الفاشر من فظائع ارتكبتها بالأدلة قوات الدعم السريع عقب سيطرتها عليها، إنما هي مجرد جزء من صورة سوداوية مخضبة بدماء الضحايا الأبرياء في شتى ربوع السودان، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا يعيشون آمنين على أرض الوطن. 

تشير التقارير إلى أرقام مفزعة وصادمة منها مقتل عشرات الآلاف من المدنيين شاملة 45 ألف طفل سوداني بينهم 25 ألف طفلا أقل من 16 سنة فيهم حديثو الولادة. وتكشف ليني كينزلي، المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي بالسودان عن مأساوية الوضع الإنساني بين السودانيين في البلاد مشيرة إلى أن أكثر من 20 مليون شخص يعانون من مجاعة حادة. 

كما أدت الحرب إلى خسائر اقتصاية فادحة انعكست سلبا على قيمة العملة السودانية، حيث كان اليورو  قبل الحرب يساوي 450 جنيهاً، بينما وصل سعر صرفه في الآونة الأخيرة إلى 3500 جنيه. كما تعرضت البنوك للنهب وانهارت المؤسسات المالية الوطنية وأصبح الاقتصاد السوداني في حالة شلل تام. بطبيعة الحال امتد الشلل إلى مختلف نواحي الحياة من صحة وتعليم وأنشطة اجتماعية واقتصادية في ظل تدهور الأوضاع الأمنية. 

تحول خطير 

ومع ذلك، وعلى الرغم من امتداد الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لأكثر من عامين ونصف، إلا أن الفترة الأخيرة من الصراع تتسم بخصوصية شديدة وخطيرة ترتبط بتحولات في ساحات القتال خاصة في دارفور وكردفان، لأهميتهما الحيوية من ناحية، ولما شهدته من اشتباكات تزداد اتساعا، تسودها حالة من الاستقطاب القبلي بسعي كل طرف إلى استمالة رموز قبلية للمحاربة معه من ناحية أخرى مما أدى إلى حالة من التقاتل الشرس بين مختلف الأطراف السودانية ولم يعد القتال بين جيش الوطن وفئة أو فصيل عسكري متمرد، الأمر الذي يثير مخاوف على وحدة البلاد ووحدة جيشها.   

في خضم هذه الأحداث تشهد الأزمة السودانية تطورا بل تصعيدا جديدا، دخلت بموجبه إلى منعطف خطير يؤدي إلى مزيد من التعقيد وتبدد الأمل في إمكانية الوصول لحل على المدى القريب. 

عندما أعلنت قوات الدعم السريع بزعامة حميدتي عن تأسيس حكومة موازية غرب السودان بحجة تيسير وتسيير أحوال السودانيين في تلك المنطقة، تبع ذلك عدد من المجازر البشعة التي تعرض لها أهل دارفور وخاصة بمنطقة الفاشر، وامتدت إلى كردفان. وحامت الشبهات حول قوات الدعم السريع وحلفائهم رغم محاولة الإنكار، إلا أن التقارير الإعلامية العالمية وشهادات السودانيين تشير بأصابع الاتهام إلى حميدتي ورجاله. وأدت بشاعة هذه الجرائم إلى صحوة دولية بعد سبات عميق، وتحركات سياسية من مختلف الأطراف العربية والإقليمية والدولية للضغط على طرفي الصراع في محاولة لفرض الهدنة لأسباب إنسانية عاجلة. 

يذكر أن اللجنة الرباعية الدولية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، كانت قد أعلنت في 12 سبتمبر الماضي مبادرة لحل الأزمة السودانية، تشمل هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، يليها وقف لإطلاق النار وفترة انتقالية قصيرة تمهد لحكومة مدنية. 

وكانت المفاجأة الصادمة في موقف الجيش السوداني ورئيسه عبد الفتاح البرهان والذي بدا متلكئا في القبول بالهدنة وكأنه يتلاعب بالأمر كما لو كانت أوراق اللعبة صارت في يديه أو أن المعركة قد حسمت لصالحه وهو ما لم يحدث على أرض الواقع. الواقع المرير يؤكد تشرذم الدولة وانقسامها بين قوتين متصارعتين كل منهما تسعى لفرض أمر واقع من خلال بسط نفوذها على أكبر مساحة ممكنة من أرض السودان والاستئثار بها تحت حكمه بصرف النظر عن تهديد ذلك لوحدة السودان وشعبه. 

كان التوقع وفقا لسير الأحداث وادعاءات البرهان منذ بداية الحرب أنه يسعى للانتصار على خصم يهدد وحدة السودان، أن يقبل الهدنة والتفاوض كفرصة لالتقاط السودانيين لأنفاسهم، لكن موقفه الأخير ينم عن تغيير جوهري في التوجهات والأهداف انعكس على ردود الأفعال تجاه محاولات الوساطة الخارجية. وهو ما انعكس سلبا على مصداقيته أمام شعبه والعالم، خاصة وأن طرف الصراع الآخر كان قد أبدى موافقته على تلك الهدنة. الأمر الذي يثير الاستفهام حول خلفيات هذه التغيرات في المواقف بين طرفي القتال في السودان! 

مناورة سياسية 

ربما يتضح الأمر إذا ما ربطنا ذلك بالخبر  المفاجئ المنشور في وول ستريت جورنال، الذي نسب إلى الجيش السوداني بعرضه تأسيس قاعدة عسكرية روسية في أهم ميناء حيوي بالبلاد وهو ميناء بورتسودان! إذا تأكد الخبر وصار حقيقة هنا تتضح مبررات الجيش السوداني في اتجاهه للمنحى الجديد الرافض للهدنة وكأنه يفضل استمرار القتال في مناورة سياسية، عندما صرح مشددا على أن الحل في السودان يبدأ عسكريا قبل الهدنة، وهو أمر ما كان يحدث بدون اطمئنانه على وجود حليف قوي يدعمه عسكريا ويسانده سياسيا. في المقابل كانت المفاجأة بموافقة حميدتي زعيم الدعم السريع على الهدنة، لكن يبدو أنها لم تكن موافقة بقدر ما هي إجراء تكتيكي لإيهام الخصم بالتوقف عن القتال، لأنه في الحقيقة مستمر في عملياته العسكرية في ساحة القتال، بل ونجح في إجبار قوات الجيش السوداني على الانسحاب من مواقع عسكرية حيوية. لقد تعرض الجيش السوداني لحالة من التراجع في ساحة المعركة بانسحابه من مناطق استراتيجية لصالح الخصم حتى وصل الأمر لسيطرة قوات الدعم على مساحة كبيرة من السودان وبسط نفوذها على أكبر حقل نفطي في البلاد ومعها مناطق حيوية، ما يعني دخول الصراع بين الجنرالين البرهان وحميدتي إلى منعطف جديد لايبدو للجيش نفس القوة والنفوذ الذي كان عليه في مراحل الصراع السابقة، مقابل تزايد ملحوظ لقوة الخصم بما يشي عن حصول قوات الدعم السريع على دعم كبير من أطراف خارجية تسانده وتمده بالسلاح.  

ولاشك أن هذا الوضع الذي آل إليه الصراع في السودان يؤدي إلى استحكام الأزمة نحو مزيد من التعقيد بشكل يجعل توقف الحرب أمر غير واضح في الأفق، بما يعني مزيدا من المعاناة والقتل والتدمير والإبادة للشعب السوداني. 

القاعدة الروسية وتعقيد الصراع 

  لا يقتصر الأمر على تعقد الأزمات في الداخل السوداني، بل قد يؤدي هذا التحول الجديد في الصراع إلى توابع خطيرة على الصعيد الإقليمي خاصة لو تم المضي قدما في تأسيس القاعدة الروسية على ميناء بورتسودان الحيوي، لأنه قد يشعل المنطقة بسبب حرب المصالح بين الدول الكبرى في المنطقة ويؤدي إلى تعقيد أكبر للموقف. 

على الرغم من نفي الجيش السوداني لهذا الأمر وإنكار روسيا كذلك، إلا أن البعض قد يعتبرها مناورة لجس النبض وإلقاء الرعب في نفس الوقت على الطرف الآخر، كإجراء تكتيكي للضغط على الخصم في عملية التفاوض إذا ما حانت اللحظة. 

وكانت “وول ستريت جورنال” قد كشفت نقلا عن مسؤولين سودانيين أن الحكومة السودانية بقيادة البرهان عرضت على روسيا إنشاء أول قاعدة بحرية روسية في القارة الإفريقية بما يمنحها مزايا لامثيل لها بحكم موقعها على البحر الأحمر أحد مناطق التجارة الحيوية في العالم. 

وقد أثير هذا الموضوع من قبل في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير عندما تردد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين طرحها عليه وبرز الحديث عن تسهيلات عسكرية بحرية لروسيا في بورتسودان عقب زيارة قام بها البشير إلى موسكو عام 2017. 

لاشك أن طرح هذا الموضوع في الوقت الحالي يزيد الأمور تعقيدا. فعلى الرغم أن قوات فاجنر الروسية كانت تحارب وتدعم قوات الدعم السريع في مراحل الصراع الأولى، إلا أن الحديث عن القاعدة الروسية في بورتسودان في الظرف السياسي الحالي يجعل روسيا في مواجهة مع الدعم السريع، مما يضطره للبحث عن داعم وحليف دولي قوي ومن ثم يتسع أمد الحرب دون حسم، وهو وضع تتلاشى معه آمال الوصول إلى حل أو وقف للحرب. كما يرتبط بذلك خطر كبير على المنطقة متمثلا في تدويل الصراع إذا ما لجأ الدعم السريع لقوى دولية أخرى تسانده في مواجهة روسيا لو تأكد دخولها على الخط، الأمر الذي يثير  قلق القوى الإقليمية الكبرى مثل مصر والسعودية ويهدد استقرار المنطقة ككل. 

وحتى بافتراض أن خبر القاعدة الروسية مجرد بالونة اختبار أو مناورة من الجيش السوداني لتحسين الصورة والموقف في الحرب والظهور بمظهر الأقوى، فإنها مناورة تضع السودان على خريطة التنافس العالمي مما يخلق بيئة خصبة لانتعاش الصراعات واتساع أمدها على حساب فرص السلام. 

الدور الأمريكي 

بطبيعة الحال فإن دخول روسيا على خط الصراع السوداني بشكل رسمي إذا تأكد  خبر تأسيس قاعدتها البحرية الأولى في القارة السمراء على الممر المائي الحيوي وهو البحر الأحمر، فإن ذلك لن يمر  بسلام على الولايات المتحدة الأمريكية المنافس بل الخصم التقليدي للدب الروسي، ومن ثم يمكن أن تحدث قلاقل كبيرة في المنطقة وقد يتحول الصراع بين جنرالات السودان إلى حرب بالوكالة على حساب أرواح السودانيين الأبرياء. 

لذلك تأتي أهمية الدور الأمريكي في الدخول على الخط مبكرا والعمل الجاد والصارم من أجل وقف الحرب حرصا على المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى، ومن هذا المنطلق جاءت تصريحات ترامب المتكررة بضرورة توقف الحرب قبل بداية العام الجديد. كما شاركت الولايات المتحدة الأمريكية مع اللجنة الرباعية للوصول إلى هدنة مراعاة لأسباب إنسانية؛ وهي الهدنة التي لم تتحقق بسبب غياب الإرادة السياسية والعسكرية في ظل سعي كل من طرفي القتال لتحقيق مزيد من المكاسب الميدانية، يضاف إلى ذلك انعدام الثقة المتبادلة بين الطرفين وهو كفيل بنسف أي اتفاق. وإلى جانب ذلك فإن تحقيق الهدنة له شروط أولها وجود ترتيبات وإجراءات أمنية لكفالتها، ولكن هشاشة الأوضاع الأمنية على أرض الواقع تجعل هناك شبه استحالة في السيطرة على طرفي القتال ومراقبتهما وضمان التزامهما بالهدنة.  

هناك من يرى أن الأمر يتطلب قوة إجبار من الأطراف الدولية الكبرى تكون لها فاعلية ضمان وقف القتال على كل الجبهات، من خلال فرض عقوبات متدرجة، كما حدث وفعلته الولايات المتحدة مؤخرا بفرض عقوبات على جماعات من أصول كولومبية متورطة في القتال إلى جانب صفوف قوات الدعم السريع وارتكاب جرائم بشعة بحق السودانيين. 

لقد وعد ترامب بحل القضية بالعمل مع المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، ومصر، وشركاء آخرين في الشرق الأوسط من أجل وضع حد لهذه الفظائع، وتحقيق الاستقرار في السودان. وراودنا الأمل في قرب السلام في السودان عندما أعلن ترامب عن استجابته لطلب الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، خلال زيارة الأخير لواشنطن مؤخرا، بالتدخل، لكنه في حقيقة الأمر لا يملك عصا سحرية لفرض السلام بين يوم وليلة، سيما في ظل الصعوبات المشار إليها في مسألة ضمان تحقق الالتزام الكامل بالهدنة. ومع ذلك يزداد القلق مع تراخي وعدم وضوح طبيعة الموقف الأمريكي من طرفي القتال ورؤيته لكيفية الحل، مما يجعل مستقبل السودان أكثر ضبابية. 

وما يثير المخاوف هو انقسام المواقف العربية من طرفي القتال حتى أنه توجد أطراف عربية تدعم قوات الدعم السريع في مواجهة الجيش السوداني بشكل يهدد بمزيد من تقطيع الأوصال وتمزيق السودان. 

إن الخوف كل الخوف من سيناريو قاتم مفاده بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه في ظل استمرار  حصول طرفي القتال على السلاح والعتاد والإمدادات التي تنعش الحرب وتشعل النار في مزيد من الأراضي السودانية دون رابح بينما الخسارة الفادحة يتحملها السودانيون.