حرب أوكرانيا: النهايات الحائرة 

ترامب يفرض خطة، أوروبا قلقة، وروسيا تقترب من النصر 

باتت الحرب في أوكرانيا معضلة العالم الأجمع. ووفق نهايات تلك الحرب يتحدد شكل النظام الدولي، أو ما سيطرأ عليه من تعديلات وإعادة تموضع لموازين القوى. وفي ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في شباط (فبراير) 2022، أصبحت المداولات الدبلوماسية لإنهاء النزاع محوراً رئيسياً في الساحة الدولية. ولئن تعددت الوساطات منذ اليوم الأول للهجوم الروسي، ومنها عربية وتركية وحتى أوروبية، غير أن العامل الأميركي، لا سيما في عهد الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب بات حاسما في استشراف ما يمكن أن يكون عليه العالم بعد هذه الحرب. فكيف يمكن فهم سياقات تلك الحرب وتعدد مقارباتها واستشراف مخارجها؟ 

خطة الأمر الواقع 

تقدت إدارة ترامب في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 بالخطط والمدوالات والاتصالات لدفع عجلة المفاوضات، وسط مخاوف أوروبية من أن تكون هذه المداولات مجرد صفقات اقتصادية وجيوسياسية تتم خارج إطارها ولا تأخذ بالاعتبار مصالحها وهواجسها. ويكفي تأمل المعطيات والتسريبات والمواقف المتبادلة  حول خطة الرئيس الأميركي، لاستنتاج جسامة ما قد تصل إليه الجهود وخطورة فشلها. وفيما العالم يخشى حربا عالمية ثالثة، فإن لتلك الخشية مبررات لا تتوقف موسكو عن التحذير منها وإعلان الاستعداد لها. 

لم تتمّ صياغة خطّة الرئيس الأميركي لإنهاء حرب أوكرانيا من وراء ظهر أوكرانيا وأوروبا فقط، بل من وراء ظهر المؤسّسات الأميركية نفسها. سرّبت بعض أجهزة الأمن في الولايات المتحدة أنها لا تعرف شيئا محذّرة من خطورة بعض بنود الخطّة. نُقل عن أعضاء في الكونغرس أنهم سمعوا من وزير الخارجية ماركو روبيو أن الخطًة هي “تمنيات روسية” قبل أن يسارع لاحقا إلى تصويب الأمر والتأكيد أنها صناعة أميركية خالصة. وكما أن الملفات الساخنة للسياسة الخارجية للبيت الأبيض تصنعها الدائرة المقرّبة من ترامب وليس موظفو الدولة، فإن “الصديق” ستيف ويتكوف و”الصهر” جاريد كوشنر توليا تدبير صفقة أوكرانيا. 

القصًة تبدأ من اجتماع سريً عقده الرجلان مع كيريل ديمترييف رئيس صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي والمقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فلوريدا في تشرين الأول الماضي. يخضع الرجل وصندوقه للعقوبات الأميركية منذ عام 2022، ما احتاج إلى إذن خاص لدخول الولايات المتحدة. اقتصرت المحادثات على “رجال ترامب”، مستبعدة المبعوث الخاص لأوكرانيا كيث كيلوغ، الذي يستعد للتنحي في كانون الثاني المقبل. 

قالت معلومات أخرى إن رستم عميروف، أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني، تواجد في ميامي في بداية تشرين الثاني (نوفمبر)  لمناقشة الخطّة قبل أن تُسلم إلى لاحقا. وفي المعلومات أن واشنطن بعثت بالخطة أيضا إلى تركيا، ما قد يفسًر تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان المفاجئ في 16 من نفس الشهر (بعد 4 أيام من لقائه عميروف في أنقرة) أن حرب أوكرانيا “باتت على وشك الانتهاء”. 

تسوية بطعم النصر لروسيا 

  

تكرّس الخطة في المضمون انتصارا كاملا لروسيا. تستجيب جلّ نقاطها الـ 28 لمطالب موسكو في جعل أوكرانيا تخضع للشروط السياسية والأمنية والعسكرية الروسية. لا يسمح لأوكرانيا “دستوريا” بالانضمام إلى حلف الناتو، ولا يسمح لها بامتلاك قوة عسكرية وازنة، وتضع لحلفاء أوكرانيا سقفا لتسليح أوكرانيا، وتمنعهم من نشر قوات لهم داخل الأراضي الأوكرانية. والخطّة تعترف بسيادة روسيا على القرم التي احتلت عام 2014، وعلى منطقة الدونباس، بما فيها تلك التي لا تحتلها روسيا والمقدرة مساحتها بأكثر بقليل من 9 آلاف كلم مربع، أي ما يقارب مساحة لبنان. 

والخطّة في الشكل تستجيب جزئيا لمطالب كييف وأوروبا بتوفير ضمانات أمنية لأوكرانيا لردع روسيا عن مهاجمتها من جديد والزحف باتجاه أوروبا من خلال دول البلطيق وبولندا ورومانيا وغيرها من الدول الشرقية. وفيما مضمون الخطّة واضح حاسم حازم يعلن هزيمة أوكرانيا، فإن الضمانات وإعادة الإعمار ومستقبل أوكرانيا السياسي مسائل ضبابية غامضة قابلة للتفسير والتأويل. وبدت الروحية الروسية لخطة ترامب نافرة في بند يطالب بإجراء انتخابات رئاسية في أوكرانيا خلال 100 يوم من إبرام اتفاق انتهاء الحرب، بما هو تدخل روسي أميركي سافر لتحديد مستقبل المشهد السياسي الحاكم لأوكرانيا. 

جرى بعد قمّة ترامب-بوتين في ألاسكا في آب (أغسطس) 2025 ترويج عناوين من هذا النوع سرعان ما تمّ إجهاضها. وليس واضحا ما هي المعطيات التي يستند إليها ترامب لتمرير ما فشل مذاك وأثار غضب واشنطن من عدم تعاون موسكو. لا شيء تغير في ما صدر عن قادة أوروبا إثر الإعلان عن خطة ترامب الجديدة من مطالبة بأن لا تتمً مكافأة المعتدي ومعاقبة الضحية، ولا يتمّ القبول بمبدأ تغيير حدود الدول بالقوة، ولا يتمّ حلّ شأن أوكراني وأوروبي من دون حضور أوكرانيا وأوروبا على طاولة المفاوضات. ما تغير أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تعلّم، منذ مشادة المكتب البيضاوي الشهيرة، عدم الصدام مع ترامب واعتماد سياسة “نعم نعم، ولكن”، فأصدر مرسوم تشكيل الوفد الأوكراني المفاوض. 

  

ردود الفعل الحائرة 

ظهرت الإشارات متوترة حائرة منذ الإعلان عن الخطة. قالت مصادر أميركية إن عميروف وافق على الخطة، فنفى الرجل ذلك، وقال إن مهمته كانت تقنية. ثم سرّبت مصادر أخرى أن الأميركيين هددوا كييف بوقف مشاركة المعلومات الاستخبارية، فنفت واشنطن الأمر. تنادى الأوروبيون إلى إصدار موقف موحد ظاهره التعامل مع الخطة واعتبارها “أساسا للتفاوض”، وباطنه رفض للخطة ودعم لأوكرانيا على الأقل لتحسين أوراقها. يعلن ترامب أن ليس أمام كييف إلا القبول بالخطة أو مواجهة هزيمة عسكرية، ليعود ليعلن أن الخطة ليست نهائية ويمكن تطويرها. 

في الكونغرس شخصيات جمهورية وديمقراطية رافضة لخطة ترفع العقوبات عن روسيا وتعيد إدماجها داخل مجموعة الدول السبع. وفي أوروبا، ورغم الجدل بشأن دعم حرب لا نهاية لها، مزاج رافض لإعلان نصر روسي يُنذر بتمدّد له سوابق في تاريخ القارة. تذاكت دول أوروبية (فرنسا وبريطانيا وإيطاليا) في أيلول (سبتمبر) 1938 في توقيع اتفاق ميونيخ مع أدولف هتلر، يمنح ألمانيا إقليم سوديتنلاند في تشيكوسلوفاكيا (من دون دعوة تشيكوسلوفاكيا) لتجنب الحرب، فكان أن زحف جيش “الفوهرر” نحو أوروبا بعد أشهر. 

 سيكون مطلوبا مراقبة المواقف بصيغها الأبجدية لفهم اتجاهات بوصلة الخطّة. يتحدث زيلينسكي عن خيار صعب ما بين فقدان الشريك الرئيسي، وفقدان كرامة الدولة. في الشق الأول إيحاء بضرورة القبول بالخطّة. وفي الشق الثاني تحريض على رفضها صونا لكرامة البلد. طالت الحرب، وأوقعت خسائر في أوكرانيا، ورفعت من مستوى تشكيك الحلفاء بنجاعة استمرارها وسط فضائح فساد أضعفت من موقف كييف. بالمقابل، فإن خضوع الغرب لنصر بوتين قد لا يتوقف عند حدود، ويعيد رسم خرائط أوروبا لتصبح تابعة لمزاج صفقة بين موسكو وواشنطن. 

يتيح نصر بوتين لروسيا إعادة ضبط حدائقها الخلفية، لا سيما في آسيا الوسطى، التي أظهرت تفلتا وميولا استقلالية عن سطوة موسكو في السنوات الأخيرة. وقد تتيح تلك السابقة لترامب إعادة ضبط الحدائق الخلفية لبلاده، سواء في طموحات أُفرج عنها علنا بشأن كندا وبناما ووغرينلاند، أو في ما يُدبر لفنزويلا وأخواتها في أميركا اللاتينية. لكن الأمر قد تبتسم له الصين من حيث تكريسه لحقًها في ضبط حدائقها بما في ذلك تقرير مصير تايوان. فإذا ما قبلت واشنطن مصير أوكرانيا بالقوة الروسية، فالمنطق أن تقبل مصير تايوان حتى من دون استخدام الصين لقواها. 

تعديلات زيلنسكي 

  

في 25 نوفمبر 2025، أعلن مكتب الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي. أن أوكرانيا وافقت على “الجوهر الأساسي” للإطار الأمريكي المحدث وأن ما تبقى “تفاصيل ثانوية فقط”. في نفس اليوم، أعلن زيلينسكي في خطاب متلفز مساء أنه يتوقع زيارة واشنطن قبل نهاية الشهر لإنهاء التفاصيل مع ترامب شخصياً. في نفس اليوم أُعلن البيت الأبيض عن ارسال المبعوث الخاص ستيف ويتكوف إلى موسكو للقاء الرئيس فلاديمير بوتين مباشرة. وفي نفس اليوم أيضا، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: “نقدر الجهد الأميركي لكننا ننتظر أن تكون النسخة النهائية مطابقة للمبادئ التي اتفقنا عليها مع الرئيس ترامب في أغسطس الماضي”. في اليوم التالي قال الرئيس ترامب إنه “تبقى فقط بضع نقاط حساسة لكنها غير مستعصية، الاتفاق قريب جداً”. 

قالت معلومات حينها عن توجه وفدين، أوكراني وروسي، إلى أبوظبي لمناقشة تعديلات طرأت على المسودة السابقة، وأن البنود المعدلة تنصّ وفق ما نُشر على التالي: 

1-وقف فوري وشامل لإطلاق النار مع انسحاب محدود ومتفق عليه إلى خطوط محددة. 

2-تأكيد كامل لسيادة أوكرانيا واستقلالها الإقليمي. 

3-ضمانات أمنية موثوقة وملزمة لأوكرانيا من الولايات المتحدة وأوروبا، مع إمكانية نشر قوة ردع أوروبية دائمة في المستقبل. 

4-تجميد مؤقت للوضع الإقليمي عند خطوط التماس الحالية، مع تأجيل النقاش النهائي حول القرم والدونباس وخيرسون وزاباروجيا إلى مرحلة لاحقة. 

5-تخلي أوكرانيا عملياً عن طموح الانضمام إلى الناتو (دستورياً أو باتفاقية ملزمة) مقابل التزام بعدم توسع الناتو شرقاً. 

6-وضع سقف لحجم الجيش الأوكراني (الرقم المقترح حالياً حوالي 600 ألف جندي، مع إمكانية التعديل). 

7-حزمة إعادة إعمار ضخمة بقيمة مئات المليارات من الدولارات باستخدام الأصول الروسية المجمدة + مساهمات أمريكية وأوروبية مباشرة. 

8-رفع تدريجي ومشروط للعقوبات الغربية عن روسيا مقابل الامتثال الكامل. 

9-اتفاقيات اقتصادية طويلة الأمد (ممر الحبوب في البحر الأسود، إمدادات الغاز، المعادن النادرة). 

10-إنشاء آلية مراقبة دولية ومجلس سلام دائم 

ورغم أن معلومات أفادت بأن هذه التعديلات ما زالت غير دقيقة وأن قضايا الأراضي، حجم الجيش، طبيعة الضمانات الأمنية الدقيقة، مصير عضوية الناتو، تم تأجيلها إلى لقاء ثلاثي أو رباعي على مستوى الرؤساء. ومع ذلك قال زيلنسكي إن “النسخة المعدلة أصبحت أقرب بكثير لموقفنا، ونحن جاهزون للتقدم”.  

أوروبا القلقة 

تعوّل أوروبا على موقف أوكراني يكون مقاوما لما اعتبره قادة القارة مسارا مهدّدا لأمنها. خرجت أوكرانيا لتشدد على ضرورة مشاركة الأوروبيين في الضمانات الأمنية وترفض التنازل الدائم عن أراضيها دون تعويضات قوية وملزمة. في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس: “لا سلام بدون موافقة كييف الكاملة وبدون مشاركة أوروبا”. في نفس اليوم قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: “هذه لحظة حاسمة، يجب اغتنامها لسلام عادل ودائم”. فيما قالت معطيات إن بروكسل ولندن وبرلين وباريس أكدت استمرار المساعدات العسكرية لأوكرانيا حتى التوقيع النهائي، وتطالب بضمانات أمنية قوية تشمل قوة ردع أوروبية دائمة. 

واللافت أن بريطانيا المعروفة بتمتعها بعلاقات تاريخية متميزة مع الولايات المتحدة تبدو في صدارة الدفاع عن أمن أوروبا ودعم أوكرانيا وأرسلت إشارات لمّاحة. فقبل ذلك في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 كشفت مصادر أميركية أن بريطانيا توقفت عن مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة بشأن السفن المشتبه في تهريب المخدرات في الكاريبي. فسّر محللون بريطانيون الأمر بأن لندن لا تريد أن تكون شريكة في الضربات العسكرية الأمريكية وتعتقد أن الهجمات غير قانونية. 

ويُعد هذا التعليق خطوة غير مسبوقة في تاريخ “العلاقة الخاصة” بين البلدين، مما يشير إلى تمزق في الشراكة الاستخباراتية التي استمرت لسنوات ضمن إطار تحالف “العيون الخمس” ، حيث كانت بريطانيا توفر معلومات من أراضيها الكاريبية لدعم عمليات مكافحة التهريب. 

وتعمل أوروبا على تأكيد استمرار دعمها لأوكرانيا على الرغم من تلميح الرئيس الأميركي باحتمال سحب دعم بلاده لكييف. وتعرف أوروبا أن مصير الحلف منذ انطلاقها عوّلت وستعوّل دائما على موقف واشنطن، لكن الأوروبيين، مع ذلك، ما زالوا غير مصدقين بأن الولايات المتحدة، لا سيما دولتها العميبقة، ستتخلى عن أمن أوروبا لصالح صفقة مع روسيا، ما سيتناقض مع تقاليد ومسار تاريخيين التزمت بها واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتكشف بعض المصادر أن مواقف الأوروبيين المتضامنة مع أوكرانيا، إضافة إلى مواقف متحفّظة على خطة ترامب صادرة من داخا الولايات المتحدة، دفعت ترامب لتليين موقفه، والتعامل بإيجابية مع موقف كييف، والتحدث عن خطة قابلة للتطوير. 

ووفق مصادر أميركية فإن التعديلات الجديدة تخفض نقاط الخطة من 28 إلى 19 نقطة، تشمل عدم المس بحجم الجيش الأوكراني وحرية تسليحه، وعدم العفو عن جرائم الحرب، والغاء تحريم عضوية أوكرانيا في حلف الناتو، وعدم السماح لأوكرنيا باستعادة أراضيها بالقوة العسكرية. 

ورغم عدم صدور رد روسيا على خطة ترامب ثم على تعديلاتها، فإن جهات بحث روسية تحدثت عن الجانب الاقتصادي المأمول من مجتمع الأعمال في روسيا والولايات المتحدة من اتفاق على نهاية الحرب. وفيما لم تفصح هذه الجهات عما تخططه موسكو رسميا من ردّ فعل، إلا أنها سعت إلى تقديم حجج توحي بإمكانية قبول روسيا بحل ما يتهي الحرب. 

ويعتبر دبلوماسيون أن المزاج العام في أوكرانيا بات قابلا بفكرة وقف الحرب، وترك المناطق التي تحتلها روسيا تحت الاحتلال، من دون الاعتراف بسيادة روسيا عليها كما نصّت المسودة الأولى، ما يعني بالنسبة لواشنطن أن كييف قبلت مبدأ التخلي عن تلك المناطق. ويعوّل هؤلاء على تغير مقبل في النظام الدولي تتيح توازناته استعادة كييف لأراضيها على منوال وحدة ألمانيا بعد تغير موازين القوى. 

وتقول جهات بحث روسية إن دوافع أيديولوجية تعود للحقبة السوفياتية والقيصرية تحرّك سياسة بوتين حيال جوار يعتبره جزءا من روسيا التاريخية، وأن وجود روسيا داخل أراضي شرق اوكرانيا يعد إنجازا ضمن هذا التصوّر. وتضيف المصادر أن روسيا وضعت نفسها في موقع جديد داخل المشهد الدولي أثناء حرب أوكرانيا من خلال تحالفات امنية وعسكرية واقتصادية مع عديد من مناطق العالم، وأن انتهاء حرب أوكرانيا يصبّ في هذا الواقع. 

أوكرانيا في استراتيجيات واشنطن 

من يتأمل خطة ترامب يستنتج عبقها من “الاستراتيجية الأمنية القومية الأمريكية” لعام 2025 التي أصدرتها إدارة ترامب لتعبّر عن عقيدة ولايته الثانية في السياسة الخارجية والأمن القومي. تقدم الوثيقة، التي تصدر عادة عن كل ولاية رئاسية، نفسها كتصحيح جذري لمسار السياسة الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة، بما في ذلك الإيحاء بانتهاء عصر الهيمنة الليبرالية والعولمة الشاملة. غير أن الاستراتيجية تفاقم طرح الأسئلة بشأن ما تخطط الولايات المتحدة له على الأقل وفق ترامبية قد لا تنتهي بانتهاء ولاية ترامب.  

ورغم أن الوثيقة متأثرة بالخطاب الانتخابي لترامب وبتجربة ولايته الأولى، إلا أنها لن تكون النصّ النهائي الذي تعود إليه قرارات ترامب الذي عُرف بالبراغماتية والتراجع عن قرارات لصالح سياسات محدثة. وبناءً على الوثيقة، تم تحديد رؤية خارجة عن المألوف للعالم، تتصدّر أميركا اللاتينية أجندة الولايات المتحدة في تحوّل جذري عن دعوتها تاريخياً للتركيز على آسيا في مواجهة صعود الصين، مع تسجيل تراجع كبير في اهتمام الإدارة الحالية بالشرق الأوسط، ما قد يُفسر عجلة ترامب في لإنهاء حرب أوكرانيا. 

تتصدر أميركا اللاتينية أجندة الولايات المتحدة في تحول جذري عن دعوتها تاريخياً للتركيز على آسيا في مواجهة صعود الصين. وتؤكد الوثيقة على الأولوية الترامبية لمصالح الولايات المتحدة، بما في ذلك استقالة واشنطن من أي دعم مجاني للحلفاء. وتلمّح إلى تحوّل واشنطن نحو تحالفات جديدة مع شركاء موثوقين بموازاة حلفها المحسوب مع المنظومة الغربية. 

وتتعامل الوثيقة مع الصين وروسيا بلغة أقل عدوانية، مع الحزم في منعهما من التوسّع داخل الحيّز الغربي. تضغط الوثيقة على أوروبا من أجل انهاء حربا أوكرانيا، ورفع نسب مشاركتها في ميزانيات الدفاع إلى 5 بالمئة من الناتج القومي. تفتح الوثيقة باباً لجدل جديد بين واشنطن وأوروبا حول الهوية والمصالح والأدوار، مع تصاعد الانتقادات الأمريكية لحالة “الانحدار الحضاري الأوروبي”. ويكشف النص عن توجه ثابت في الفكر الترامبي يُعيد تعريف الحلف الأطلسي والعالم الغربي، ويقترح تحالفات جديدة مع شركاء “موثوقين” خارج الإطار التقليدي. 

وتعبّر الوثيقة عن خطة لاحتواء الصين داخل منطقة بحر الصين الجنوبي من خلال التوسّع العسكري والحضور الأميركي ورفع انفاق الحلفاء العسكري. 

وتؤكد الوثيقة تراجع التدخل الأميركي المباشر في الشرق الأوسط، مع التأكيد على حماية حدود دنيا من المصالح، تؤمن فتح الممرات، وأمن إسرائيل، والبناء على اتفاقات إبراهيم، ومنع إيران من الهيمنة. وتقوم الوثيقة على نقد السياسة الأميركية ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وعلى تأكيد الهيمنة والتفوق في مجالات الدفاع والأمن والتكنولوجيا الحديثة. 

في جوهرها، تشكّل الاستراتيجية محاولة لإعادة صياغة موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي عبر مزيج من الواقعية الصلبة، والحماية الاقتصادية، والانكفاء المدروس، مع إبقاء القوة العسكرية كأداة حاسمة لفرض التوازنات. وهي وثيقة تُرسي إطاراً نظرياً عاماً، لكنها لا تمثل بالضرورة البرنامج التنفيذي النهائي لرئيس عُرف بالبراغماتية وتبديل المسارات. 

وبغض النظر عن نص الوثيقة فإن لإنتهاء حرب أوكرانيا تأثيرات تتعدى أوكرانيا وأوروبا. الأمر يهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ، مع إمكانية تمدد روسي في آسيا الوسطى أو دول البلطيق. اقتصادياً، كما يعيد هندسة ملف الطاقة، مع إحياء خطوط مثل “نورد ستريم”، مما يجعل أوروبا رهينة صفقات أمريكية روسية. 

في أمريكا اللاتينية، ترتبط المداولات بسياسة ترامب لـ”ضبط الحدائق الخلفية”، كما في حملاته ضد كارتلات المخدرات في الكاريبي. هذا يعكس تحولاً في الاستراتيجية الأمنية الأميركية، التي تتصدر فيها أمريكا اللاتينية الأولويات، مع تراجع الاهتمام بالشرق الأوسط وآسيا، رغم التحدي الصيني. والأدهى أن أمر التنازل لروسيا عن أراض في أوكرانيا وباعتراف وتشجيع أميركيين قد يشجع نصر الصين على ضم تايوان، مما يعيد تشكيل النظام الدولي. 

صورة من معارك أوكرانيا 

تعليق: الحل المستحيل لحرب لا تنتهي 

صورة لترامب 

تعليق: إما تسوية ترامب وإما هزيمة أوكرانيا 

صورة بوتين 

تعليق: خطة ترامب “رغبات بوتين ” وشروطه 

صورة زيلنسكي 

تعليق: زيلنسكي.. أمام خيارات موجعة 

صورة مشتركة لقادة أوروبا 

تعليق: أوروبا: دعم أوكرانيا والمطالبة بمضمانات أمنية 

  

لم تتمّ صياغة خطّة الرئيس الأميركي لإنهاء حرب أوكرانيا من وراء ظهر أوكرانيا وأوروبا فقط، بل من وراء ظهر المؤسّسات الأميركية نفسها. 

نُقل عن أعضاء في الكونغرس أنهم سمعوا من وزير الخارجية ماركو روبيو أن الخطًة هي “تمنيات روسية” قبل أن يسارع لاحقا إلى تصويب الأمر والتأكيد أنها صناعة أميركية خالصة. 

يتحدث زيلينسكي عن خيار صعب ما بين فقدان الشريك الرئيسي، وفقدان كرامة الدولة. في الشق الأول إيحاء بضرورة القبول بالخطّة. وفي الشق الثاني تحريض على رفضها صونا لكرامة البلد. طالت الحرب، وأوقعت خسائر في أوكرانيا، 

يتيح نصر بوتين لروسيا إعادة ضبط حدائقها الخلفية، لا سيما في آسيا الوسطى، التي أظهرت تفلتا وميولا استقلالية عن سطوة موسكو في السنوات الأخيرة. وقد تتيح تلك السابقة لترامب إعادة ضبط الحدائق الخلفية لبلاده، سواء في طموحات أُفرج عنها علنا بشأن كندا وبناما ووغرينلاند، أو في ما يُدبر لفنزويلا وأخواتها في أميركا اللاتينية. لكن الأمر قد تبتسم له الصين من حيث تكريسه لحقًها في ضبط حدائقها بما في ذلك تقرير مصير تايوان. فإذا ما قبلت واشنطن مصير أوكرانيا بالقوة الروسية، فالمنطق أن تقبل مصير تايوان حتى من دون استخدام الصين لقواها. 

يعتبر دبلوماسيون أن المزاج العام في أوكرانيا بات قابلا بفكرة وقف الحرب، وترك المناطق التي تحتلها روسيا تحت الاحتلال، من دون الاعتراف بسيادة روسيا عليها كما نصّت المسودة الأولى، ما يعني بالنسبة لواشنطن أن كييف قبلت مبدأ التخلي عن تلك المناطق. ويعوّل هؤلاء على تغير مقبل في النظام الدولي تتيح توازناته استعادة كييف لأراضيها على منوال وحدة ألمانيا بعد تغير موازين القوى.