نعمل كالنمل ونصرخ كبنات آوى 

مدن من رمل 

على هذا الشاطئ، في يدي رمل وأصداف صغيرة وحصى متنوعة الألوان. 

على هذا الشاطئ في الليل تحت ضوء القمر، يشرب الرمل الضوء ويطلقه شحيحاً. 

انه هدوء الليل بين نهار ونهار، بين غزاة وغزاة، من البحر يأتون ومن برّ بعيد. يفاجئوننا. 

عند هذا الشاطئ بنينا مدناً وأتى الغزاة فإذا هي مدن من رمل. 

ونحن، أهل الشاطئ، نتسرب الى أمكنة أخرى، مثل ماء من سلة قش، تبقى قطرات قليلة وأكثر الماء خارج السلة. 

أنا القطرة القليلة 

قطرة من شعب كان وتسرّب. 

القطرة الشاهدة على مدن محكومة بالإخلاء، مدن من حجر، ثم من رمل. 

أنا الشاهد أتكرر بأسماء متعددة، قطرة تشبه قطرة، وعيون ساهرة على ما كان، على إيقاع الغياب. 

بلا نهاية 

تنتهي حربهم ويعاودون عيش السلام. 

يزهر الوعي بالحياة والفن والحب 

كمثل نبات عفيّ في أرض خارجة من حريق. 

وحربنا تنتهي باستراحة محاربين، 

أي انها لا تنتهي. 

في الاستراحة نترك المكان 

ويأتي غيرنا 

يبقى المكان ويتغير أهله، 

والحرب قدر مطبق على هذي البلاد. 

شجرات المنام 

شجرات الليل 

تضربها رياح البحر فتنحني مصلية للفجر. 

إنهما وهمنا 

نحن الذين رسمناها في منام. 

شجرات النهار 

القاسية فوق صخر قاس 

لينة في الزوايا الخصيبة 

وفاسدة في منعطفات المدن 

تشرب الدخان حتى الاختناق. 

والريف غائباً خلف مشاهد التلفزيون 

أهله يدمنون الأحلام بمدن بعيدة، 

كأن الطبيعة في خراب 

أو هو الوعيد بإلغائها. 

يغطي البلاط مساحات التراب 

والنبات يختنق، حقاً. 

وكنا نمشي خفافاً على حافة الورد 

لئلا نقع في وهدة الشوك، 

نحتفل بالشجر مزهراً 

ونرثي لورق أخضر وحيد. 

عقد بيع 

لا بيت لأحد لأن الانكشاف يوحّد البيت والشارع. 

كيف تنام وتكاد لا تجد ممراً الى سريرك، وقد يكون سبقك الى النوم من أخطأ سريره؟ 

لا بيت لأحد 

والقصر لصاحب واحد، تتوحد بيوتنا في حراسته، ونسهر من دون شموع لأن أنواره تضيئنا. 

يرسم صاحب القصر مسافة بيننا وبينه نعبرها بانجذابنا الغريزي. 

إنه تقسيم المواقع بعد حروبنا الأهلية، التسليم للزعيم الذي لا يخطئ أبداً. 

وزعماؤنا بعدد أصابع اليد، نعمل كالنمل ونصرخ كبنات آوى لتحسين الإنتاج والولاء بالصوت العالي. 

بعنا أنفسنا لقاء حق البقاء في أدنى شروطه. 

عاش لبنان. 

سياحة الآلام 

هذي بلاد بلا أهل ونحن سياح نجول في ربوعها الجميلة، جبال تعانق النجوم، وسهل يخصّب الشجر والبشر، وساحل للماء والضوء والملح، ساحل الأحلام المتحققة إذ نهاجر ونعود لنهاجر ولنعود، نلامس هذا الذي كان وطناً فصار مكاناً لسياحتنا، نكتم عواطف الانتماء الى بيوت/فنادق يشاركنا فيها غرباء سعداء. 

هناك من يشتهي وطنه في وطنه فيغص بالدمع ويصمت. 

وطن نعانقه للوداع ونحبه لنفقده ويفقدنا، هل يفقدنا حقاً؟ وطننا، الأرض التي كانت أرضنا تغفر لأبنائها حين تطويهم أو تلفظهم لكنها لا تنسى، هكذا الأرض شاهدة عصية على النسيان. 

الحرية، الحرية، شعار لبناني قديم لم يتحقق. 

وعلى صخور قرب مساقط الماء، ننقش أسماءنا، مثل جيوش عبرت. 

لا ينقش المقيمون أسماءهم على صخر، ينقشونها على رمل يمحوه الماء، على جذع يتضخم فيبتلع الأسماء. 

كتاب 

كتا ب هدى سويد “عزف على أوتار مدينة” (دار بيسان-بيروت) تأخذ فيه من الحرب اللبنانيّة قبساً، ولنَقُل شعلةً، ولا تأخذ المحرقة كلّها لأنًها المستحيل في الواقع كما في الخيال. وقد لامست الحرب في أمكنتها المُتاحة كما في الحيّز الزمني. 

مرّت وصوّرت: هنا الصياغة اللغويّة تهدف إلى تثبيت المُتحرّك من أجل الإحاطة به وتوظيفه في رسم مشاهد طبيعيّة وعمرانيّة وبشريّة للاجتماع الإنساني في حرب أهليّة. 

مرّت وعانت: لذلك تذهب سرديّة الواقع والشخصيّات المُتحرّكة إلى ما يُشبه مٌذكّرات حميمة للسارد ولموضوع السرد في آن. 

مرّت وكتبت: نحن أمام لغة وصفيّة تُعيد رسم الواقع، بل تعمل على نحته وإبراز نتوءاته وأغواره. لغة وصفيّة لكنّها مُغايرة لأن الكاتبة لا تنسى لحظة أنّها تكتب أدبًا لا تحقيقًا صحافيًّا عابراً. 

وهي تحرص على الوضوح، في حين أنّ كتابة الحرب الأهليّة لا تخلو بالضرورة من ضباب الغموض حين يكتنف الأمكنة والعابرين فيها. ويصل بعض الكتابات عن الحرب الأهليّة إلى رسم شخصيّات تتحرّك في المجال الوسيط بين الواقع والشبح، ويتطرّف السرد أحيانًا إلى إطلاق بوح الذات والحرص دائمًا على اللقاء بين الذات والموضوع. 

وإذا كانت الحرب الأهليّة عواصف مُتلاطمة لا تهدأ فهي لا تثبت في شكل مُعيّن، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أسلوب التعبير عنها ومظاهر ذلك في اللغة واللون والشكل والإيقاع. وتقع مادة الكتاب في إطار النص المفتوح المُختلف عن القصّة القصيرة والرواية، ولسنا هنا أمام مُفاضلة، بل أمام واقع يضع النص المفتوح في منزلة أقرب من غيرها إلى التعبير عن الوضع الإنساني في حرب أهليّة. هذا النص لا يعي خلق شكل فنّي موازٍ لوصف حركة الواقع، إنما يبقى أمينًا لأمرين لا بدّ منهما وهما: الموضوع في حالتي الجمود والتشظّي، ووقع الذات في التجربة المأساوّية لعيش الحرب الأهليّة. هنا المُعاناة من زلزال ذي نوع خاص: تتحرّك الأرض وما عليها، ويرتجّ الفضاء القريب، ويحضر الإنسان في إطار طبيعة مُتكسّرة لا قوام ثابتًا لها. 

الكتابة في الزلزال وعنه تتخذ أشكالها الخاصة ولا تثبت في قوام مُحدّد. والإحتمالات كلّها واردة في الشكل كما في المضمون. كتابة يتماهى فيها الكتاب مع موضوعاته، ولنقل حطام موضوعاته حين تفيض من الورق.