تُعتبر الأزمة الفنزويلية واحدة من أعقد القضايا السياسية والاقتصادية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة. يتداخل فيها العديد من العناصر، سواء كانت تاريخية، اقتصادية، اجتماعية أو حتى جيوسياسية، مما يجعل التوصل إلى حل فعّال أمرًا بالغ الصعوبة. تعكس مواقف القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، مزيجًا من التوترات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية المتباينة، خاصة في ظل رئاسة دونالد ترامب، التي احتلت فيها فنزويلا مكانة مركزية.

تواجه فنزويلا أزمة إنسانية واقتصادية خانقة تمتد لعقد من الزمن، هذه الأزمة نتجت عن سوء الإدارة العامة، والفساد المستشري، وتراجع عائدات النفط، مما أثر بشكل مباشر على الظروف المعيشية للمواطنين. تدور الأحداث السياسية والاجتماعية في البلاد في حلقة مفرغة، حيث تؤدي السياسات الحكومية الفاشلة إلى تفاقم الأوضاع. تحت قيادة ترامب، اتخذت الولايات المتحدة موقفًا صارمًا تجاه حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، حيث فرضت عقوبات اقتصادية شديدة العمق على اقتصادها، الأمر الذي أدى إلى تعميق معاناة الشعب الفنزويلي. استخدم ترامب عبارات قوية في هجماته على مادورو، ووصفه بالكاذب والدكتاتور، قائلاً: “مادورو هو عدو للشعب الفنزويلي، أي محاولة للحكم من خلال القمع ستفشل”.
أقوال ترامب ليست مجرد شعارات، بل تعكس السياسة الأميركية الهادفة إلى الضغط على النظام الفنزويلي، ولكنها أيضًا تثير القلق والجدل. يُظهر هذا الموقف تباين السياسات الخارجية الأميركية، حيث ارتبطت الأفعال بفرض العقوبات بعواقب إنسانية وخيمة على الشعب الفنزويلي. وفي نقاط أخرى، أكد ترامب على أهمية تعزيز الديمقراطية في المنطقة، بقوله: “نحن نواجه شرورًا في هذه المنطقة. يجب أن ندافع عن الديمقراطية”. ولكنه فعل ذلك على حساب حياة الملايين الذين يعانون من الفقر والجوع.
ومع ذلك، كانت هناك أصوات معارضة داخل الولايات المتحدة، حيث أبدت الأصوات المعارضة مثل النائبة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز استنكارها لعدم مراعاة آثار العقوبات على الشعب الفنزويلي، حيث قالت: “فرض العقوبات يؤذي الشعب الفنزويلي ويجب أن نتوقف عن استخدام أدوات الحرب الاقتصادية”. هذه الأصوات تمثل تيارًا متزايدًا من الرأي الذي يحذر من استخدام القوة العسكرية كوسيلة لحل النزاعات، داعيًة إلى مراعاة حقوق الإنسان واحتياجات الشعب قبل أي خطوات دولية.

وفي سياق التحدي الذي كان يواجهه مادورو، يعتبر هو نفسه حصنًا ضد التدخلات الأجنبية. إنه يؤكد في خطاباته أن أميركا تسعى إلى تحقيق مكاسب اقتصادية على حساب الثروات الوطنية لفنزويلا. وقد صرح بأن “لا يمكن لأحد أن يقرر مصير فنزويلا سوى الفنزويليين أنفسهم”، مما يُعبر عن موقف مدافع عن السيادة الوطنية وعن حقوق بلاده. وبشكل متكرر، يشدد على أن أي محاولة للتدخل العسكري تعتبر انتهاكًا لحقوق بلاده، مُشيدًا بقوة الشعب الفنزويلي في التصدي لهذه التدخلات.
المواقف الدولية وتدخل القوى الكبرى
تتسم مواقف روسيا بالانحياز الواضح نحو مادورو، وهو ما يبرز تحالفات قديمة وتوجهات جيوسياسية عميقة. يتمثل الدعم الروسي في استراتيجية مواجهة النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية. وقد أكدت روسيا أنها تقف دائمًا إلى جانب فنزويلا، معبرة عن قلقها من التدخلات الأميركية. في مناسبات متعددة، صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: “إن روسيا ستقف دائمًا إلى جانب فنزويلا وشعبها”، مشيرًا إلى أن الأزمات العالمية تحتاج إلى حلول متعددة الأطراف، وأن روسيا تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة من خلال دعم الحكومة الشرعية.
أما في الجانب الآخر من العالم، فإن الصين تدين بتوجهات مشابهة. تعتبر الصين واحدة من أبرز المستثمرين في فنزويلا، حيث استثمرت مليارات الدولارات في قطاع النفط. جاء وزير الخارجية الصيني وانغ يي ليؤكد على موقف بلاده، مشددًا على أن الصين “تؤيد استقلال فنزويلا وحقها في تحديد مصيرها”. تسعى الصين إلى تعزيز شراكتها الاقتصادية مع فنزويلا، وهي تهدف من خلال ذلك إلى مواجهة الهيمنة الأمريكية في القارة.
وعندما ننظر إلى وضع دول أمريكا اللاتينية، نرى أن المواقف تتباين. فإن بعض الدول مثل الأرجنتين تستعد لدعم المعارضة الفنزويلية، في حين أن دولًا أخرى مثل المكسيك وبلدان كاريبية تفضل التوجه نحو الحلول السلمية. تعبر هذه الدول عن قلقها من تأثير تدخلات عسكرية أميركية وأثرها على الأمن الإقليمي. ومن الجدير بالذكر أن المكسيك تحت قيادة الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، تبنت نهجًا يركز على الحوار والتفاوض أكثر من الانخراط في التدخلات العسكرية، حيث دعا وزير الخارجية المكسيكي الحكومة الأميركية إلى “التركيز على الحوار بدلاً من التصعيد”.
إيران أيضًا من بين الدول التي تُعتبر حليفة رئيسية لمادورو، حيث تستخدم علاقاتها معه كوسيلة لمواجهة الضغوط الأميركية وتعزيز نفوذها في أمريكا اللاتينية. وقد صرحت الحكومة الإيرانية بأنها مستعدة لتقديم الدعم لفنزويلا في مواجهة العقوبات، مشيرةً إلى أن هذا التعاون يشمل تبادل الموارد التقنية ودعم صادرات النفط.
التداعيات المحلية والدولية
يمثل مستقبل فنزويلا تحديًا معقدًا. تتزايد المخاطر الإنسانية والاجتماعية، مما يتطلب الانتباه إلى مجموعة من التصورات المستقبلية المحتملة. ففي حال استمرت الازمة الإنسانية في فنزويلا، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة ونقص الغذاء والدواء، تتوقع التقارير أن الملايين من الفنزويليين قد يضطرون إلى مغادرة البلاد بحثًا عن ظروف معيشية أفضل. هذا النزوح قد يؤدي إلى تصاعد القلق في الدول المجاورة، مما يزيد من الضغوط على الهياكل الاجتماعية والسياسية ويحمل التبعات على الأمن الإقليمي.
ويبرز أيضًا انقسام داخل إدارة ترامب حول كيفية معالجة الأزمة الفنزويلية. وبينما اتخذ الفريق الأمني سياسات عدوانية، هناك شخصيات معتدلة تشدد على أن الحلول العسكرية ستزيد من تعقيد الوضع. يُظهر مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون، دعمًا كبيرًا للتصعيد، حيث قال في أحد تصريحاته: “الفنزويليون لديهم الحق في التحرر من القمع”. من جهة أخرى، تُظهر الأصوات المعتدلة مخاوف من أن “التدخل الأميركي قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات وزيادة المعاناة”.
لكن ماذا عن المستقبل؟ هناك إشارات تفيد بأن ترامب قد يسعى لزيادة التوتر في مناطق أخرى من العالم للتخفيف من الضغط على القضايا المتعلقة بفنزويلا. من خلال تحريك الصراعات في مناطق مثل الشرق الأوسط أو حتى في شبه الجزيرة الكورية، قد يسعى ترامب إلى تغيير التركيز العام، وبالتالي تحويل الأنظار بعيدًا عن الأزمات في فنزويلا. هذا النوع من السياسة قد يُعطي الحكومة الأميركية الوقت لإعادة تقييم استراتيجياتها.
الآفاق المستقبلية والحلول المحتملة.
تتزايد احتمالات العمل على تحقيق تفاهمات جديدة تستند إلى أسس قانونية وحقوقية، وقد تشمل هذه التفاهمات مساعي لتخفيف العقوبات على فنزويلا بشرط أن يتم اعتماد إصلاحات سياسية واقتصادية. المثقفون والمتخصصون في الشؤون الدولية يؤكدون على ضرورة أن تسعى الحكومات الدولية إلى تقديم دعم فعال للشعب الفنزويلي، من خلال التركيز على قضايا التنمية المستدامة وحقوق الإنسان، بدلاً من التركيز الحصري على العقوبات الاقتصادية.
وهكدا تمثل أزمة فنزويلا صورة معقدة وعميقة من التوترات الجيوسياسية، وتحتاج إلى مثل هذه القراءات المتعددة لجوانبها المختلفة. قد يكون الغد لفنزويلا مفتاحًا للأمل إذا تمكنت القوى الدولية من العمل معًا بإيجابية، ولكن يمكن أن تكون النتيجة أيضًا مزيدًا من الفوضى إذا استمر تصعيد النزاعات وتحول طمع الرئيس ترامب الى سيطرة شبه عسكرية والى إلغاء ادوار القيادة الوطنية
منذ عام 1947، استخدمت سياسة الولايات المتحدة الخارجية القوة، والعمليات السرية، والتلاعب السياسي مرارًا وتكرارًا لتحقيق تغييرات في الأنظمة في دول أخرى. هذه مسألة موثقة بدقة في السجل التاريخي. في كتابها “تغيير الأنظمة السرية” (2018)، حيث توثق عالمة السياسة ليندسي أوروك 70 محاولة من قبل الولايات المتحدة لتغيير الأنظمة بين عامي 1947 و1989 فقط.
لم تنتهِ هذه الممارسات مع انتهاء الحرب الباردة. منذ عام 1989، شملت العمليات الرئيسية لتغيير الأنظمة التي قامت بها الولايات المتحدة دون تفويض من مجلس الأمن، من بين الأكثر تأثيرًا: العراق (2003)، ليبيا (2011)، سوريا (من 2011)، هندوراس (2009)، أوكرانيا (2014)، وفنزويلا (من 2002 فصاعدًا).
الطرق المستخدمة راسخة ومثبتة بشكل جيد. تشمل الحرب المفتوحة؛ والعمليات الاستخباراتية السرية؛ واستفزاز الاضطرابات؛ ودعم المجموعات المسلحة؛ والتلاعب بوسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية؛ ورشوة المسؤولين العسكريين والمدنيين؛ والاغتيالات المستهدفة والحرب الاقتصادية التي تهدف إلى انهيار الحياة المدنية.
تعتبر هذه التدابير غير قانونية بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وعادة ما تؤدي إلى العنف المستمر، والصراع القاتل، وعدم الاستقرار السياسي، والمعاناة العميقة للسكان المدنيين.

السجل الأخير للولايات المتحدة فيما يتعلق بفنزويلا واضح.
في نيسان 2002، كانت الولايات المتحدة على علم ووافقت على محاولة الانقلاب ضد الحكومة الفنزويلية.
في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، قامت الولايات المتحدة بتمويل مجموعات المجتمع المدني التي كانت نشطة في الاحتجاجات ضد الحكومة، لا سيما في عام 2014. عندما قامت الحكومة بقمع الاحتجاجات، تبعت الولايات المتحدة ذلك بسلسلة من العقوبات. في عام 2015، أعلن الرئيس باراك أوباما أن فنزويلا تمثل “تهديدًا غير عادي واستثنائي للأمن الوطني والسياسة الخارجية للولايات المتحدة”.
في عام 2017، خلال عشاء مع قادة أمريكا اللاتينية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، تحدث الرئيس ترامب بصراحة عن خيار غزو الولايات المتحدة لفنزويلا للإطاحة بالحكومة.
خلال الفترة من 2017 إلى 2020، فرضت الولايات المتحدة عقوبات شاملة على الشركة النفطية الحكومية. وطالبت بتطبيق العقد مع شركة شيفرون الاميركية التي كانت وحيدة بعد خطوات التأميم. وهكذا انخفض إنتاج النفط بنسبة 75 في المائة من عام 2016 إلى عام 2020، وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (باستخدام القوة الشرائية) بنسبة 62 في المائة.
صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة مرارًا وتكرارًا بأغلبية ساحقة ضد مثل هذه التدابير القسرية الأحادية. بموجب القانون الدولي، يمتلك مجلس الأمن فقط السلطة لفرض هذه العقوبات.
في 23 كانون الثاني 2019، اعترفت الولايات المتحدة من جانب واحد بخوان غوايدو “رئيسًا مؤقتًا” لفنزويلا، وجمدت حوالي 7 مليارات دولار من الأصول السيادية الفنزويلية المحتفظ بها في الخارج ومنحت غوايدو السلطة على بعض الأصول.
ويقول الخبراء ان هذه الأفعال جزء من جهد مستمر من الولايات المتحدة لتغيير الأنظمة ويمتد لأكثر من عقدين.
التصعيد العالمي الأخير للولايات المتحدة
في العام الماضي، نفذت الولايات المتحدة عمليات قصف في سبع دول، ولم يكن أي منها مفوضًا من قبل مجلس الأمن ولم يكن أي منها…أعضاء المجلس وليسوا مدعوين للحكم على نيكولاس مادورو.
وليست مهمتهم تقييم ما إذا كانت الهجمات الأخيرة التي قامت بها الولايات المتحدة والحظر البحري المستمر على فنزويلا تؤدي إلى الحرية أم إلى الاستعباد.
ويقول معارضو الرئيس الاميركي انه يُطلب من أعضاء المجلس الدفاع عن القانون الدولي، وبشكل محدد، ميثاق الأمم المتحدة.
واذا افترضنا ان الولايات المتحدة لن تستعمل قرار الفيتو مقابل اي قرار بمنعها من استمرار سيطرتها على فنزويلا ونفطها فإن التدابير المطلوبة من مجلس الأمن أن يؤكد على الفور انه يجب على الولايات المتحدة أن توقف فورًا كل التهديدات أو استخدام القوة بشكل صريح أو ضمني ضد فنزويلا. وإنهاء الحظر البحري وجميع التدابير العسكرية القسرية ذات الصلة التي تم اتخاذها دون تفويض من مجلس الأمن. وسحب قواتها العسكرية على الفور من داخل فنزويلا وعلى حدودها.
